عن: التايمز
ترجمة: علاء غزالة
لعل واحدة من الحقائق المحزنة الكثيرة التي ادت الى انحدار العراق الى الاقتتال الطائفي تكمن في عدم التفكر بشكل مناسب في الماضي القريب. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية كان الصحفيون الاجانب والعراقيون منشغلين جدا في تأريخ واعداد مسوحات عن فظائع الصراع الحالي، بحيث لم يمضوا وقتا في التفكير بجرائم صدام على مدى ربع قرن من وجوده في السلطة. ان هذا لشيء مخجل، ليس فقط لان العراقيين يحتاجون الى الفرصة للراحة ومواجهة تأريخهم، بل لان العنف الذي نشب بعد عام 2003 لم يكن مفهوما الا قليلا بالنسبة للذين لم يعيشوا الظروف التي قدمت له. وهناك الكثير جدا من الصحفيين الاميركيين الذي يرسلون تقارير من العراق، تـُقرأ وكأنها رسائل مجموعة من رواد الفضاء الذين يزورون كوكبا اجنبيا متوحشا، تعروها مقاطع تأريخية سطحية عن الاقتتال الطائفي المؤسف.
انه لمن المريح حقا، اذاً، قراءة كتاب "مثقال حبة من خردل" لكاتبته وندل ستيفنسون، والتي روت ، بكل براعة واناقة، قصة تنسج كلا من ماضي العراق وحاضره. وكانت شخصيتها هي كامل ساجت، وهو جنرال عراقي وبطل حرب تجرأ على احتقار صدام، ومن ثم تم اعدامه عام 1999. وقد نذرت ستيفنسن، الصحفية التي كتبت للعديد من الدوريات الاميركية والبريطانية، نفسها لمهمة صعبة: فقد توفي ساجت قبل وقت طويل من وصولها عام 2003، ما يجعل تتبع سيرة حياته امرا في غاية الصعوبة. لكنها نجحت، وجعلت قصته استقصاءً قويا للسؤال الاخلاقي في قلب عراق صدام، والكثير من الدكتاتوريات الاخرى: لماذا يوافق الناس عليها؟ هل قاومها احد؟ واذا كان الأمر كذلك، فما الذي يجعلهم مختلفين؟
وقامت ستيفنسن بتتبع سيرة حياة ساجت من خلال شهادات الناس الذين عرفوه. وهؤلاء هم مجموعة غير اعتيادية من الشخصيات، بضمنهم جنرالات وجنود ورجال اعمال واثنين من الاطباء ذوي النظرة الثاقبة، بالاضافة الى افراد عائلة ساجت. وقامت بحياكة ذكرياتهم مع شذرات من مواد متبقية من تلك الفترة، مثل الخطب والتسجيلات المكتوبة عن البرامج الاذاعية وما شابه ذلك، وهو ما يجعل العراق في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات اكثر حيوية من أي كتاب آخر قرأته. (يجب ان اقول اني قد التقيت ستيفنسن وبعضا من العراقيين الذين ورد ذكرهم في كتابها.)
وعلى سبيل المثال، بدلا من ان تقوم ستيفنسن برواية الغزو العراقي للكويت في عام 1990، حيث كان ساجت قائد قوات خاصة، فانها تخبر القصة باكملها تقريبا من خلال تداعيات محمد الجبوري، وهو جندي كان يبلغ من العمر 20 عاما حين اطلق سراحه من السجن ومن ثم انزل بالمظلة على الكويت في نفس الليلة، يدخن السيجارة وكأنه يعوم على ارض جرداء حالكة. لقد قرأت الكثير من الروايات الجافة عن انقلاب عام 1968 الذي جاء بصدام ورفاقه البعثيين الى السلطة، لكن ستيفنسن تصفه من خلال عيني الدكتور حسين القضاني، الذي ايقضه ازيز الرصاص المتطاير في شارع الرشيد، وهرع من غفوته يذرع السلالم ليسأل باعة الرصيف عما يجري.
وهي تصحب هذه الشخصيات ايضا مع مضي الزمن قدما الى السنوات التي تلت عام 2003، حينما اختبأوا في العراق او هربوا الى المنفى. وباتت اصواتهم، التي تستذكر قصة نضال ساجت وحيدا مع صدام وقصة نجاتهم هم انفسهم، باتت شهادة تساعد على تفهم اكثر لظرف العراق الراهن.
يبدو ان ستيفنس معجبة كثيرا بـ(ريزارد كابوسينكي) وهو صحفي بولندي وكاتب واقعي. وهي تستخدم احدى تقنياته، بان تضم الى روايتها، بين الحين والاخر، وصفا لصور العائلة من شأنها ان تساعد في استحضار الماضي. وهي تكتب، مثل كابوسينكي، باسلوب خيالي فياض، يترك القاريء متسائلا عما اذا كانت تترك خيالها يسرح بعيدا في بعض الاحيان، وذلك لاضفاء بعض التشويق السينمائي، تماما مثل كابوسينكي.
لكن ستيفنسن دقيقة بشكل مؤثر حينما يتعلق الامر بالحقائق في معظم الاحوال، حيث انها تقوّم بعناية كل واحد من شهودها وزلاتهم التي قد تشوه ذكرياتهم. وهي تسعى، في كل حالة تقريبا، الى الكفاح الاخلاقي الشخصي، لحظة الاحتجاج الشجاع، او خداع الذات الذي يغشى الضمير المتعب. وهي تصبح -الى حدما- احدى شخصيات هذه القصة، تحاور بجدية واخلاص، وتسبر -على الدوام- وجوه العراقيين بحثا عن أمارة على الشعور بالذنب، او العزم على النسيان. يعكس عنوان كتابها هذا الاستحواذ الاخلاقي، والذي اقتبسته من آية قرآنية حول الميزان الالهي لافعال الخير والشر يوم القيامة، بحيث يكون الحساب الى حد "مثقال حبة من خردل."
تأتي واحدة من اقوى اللحظات في الكتاب من رجل عرفته باسم الدكتور ليث، وهو طبيب نفسي انتمى الى حزب البعث، وقد تعرض الى السجن بلا سبب عام 1991، ومن ثم عرضت عليه فرصة ان ينضم مجددا الى الحزب (وقد كانت تلك ممارسة شائعة يتم تطبيقها من اجل فرض الخوف والولاء). ولكنه رفض. وبعد مضي سنوات، الكثير من السنوات، يتحدث بيأس الى ستيفنسن عن ضياع الانسان في العراق وعن فشله الذاتي. وهو يقول لها: "لكني ابقيت هذا الشيء، هذا الشيء الوحيد الحسن، هذه اللحظة. لقد رفضت."
غير ان اكبر رفض على الاطلاق جاء من ساجت ذاته. لم تكن هناك مواجهة مفاجئة، ولم تكن هناك لحظة نطق بالحقيقة امام السلطة، او على الاقل لم تكن هناك لحظة نعرف عنها (يبقى سبب اعدام ساجت قضية تلفها التكهنات). بدلا عن ذلك يأتي الانفصال بطيئا وبالتدريج، ويبدأ تميّز جندي شجاع ومبدئي كان يخدم نظاما شريرا.
تصف ستيفنسن ساجت في غالب الامر من خلال كلمات زوجته واولاده، والذين سمحوا لها ان تجلس في غرفة معيشتهم في بيتهم ببغداد، وان تشاهد اشرطة فيديو قديمة مشروخة عن معاركه وانجازاته طوال حياته المهنية. وقد نشأ في عائلة بدوية فقيرة، وتدرج في الرتب العسكرية، واصبح بطلا اثناء الحرب العراقية-الايرانية. لكن ساجت لم يكن ذلك النوع من الابطال الذين تتخيلهم هوليوود حيث لم يكن سوى رفضه الغزو الكارثي للكويت ما يجعل ساجت يقلع عن مساندته للنظام، معتقدا ان صدام قد دمر البلاد بدون حاجة.
وفي السنوات التالية، بينما كانت العقوبات والفساد تنهش بالعراق، تعمقت غربته، لكنه كان جنديا مسلكيا، ولم يكن ذلك المتمرد الصريح. ولم يشترك في أي من المؤامرات التي حاكتها وكالة المخابرات الاميركية ضد صدام. بدلا عن ذلك، لجأ الى الدين، واضحى مؤمنا متزمتا. ورفض السماح لاحد اولاده بالالتحاق بالجيش. وفي آخر الامر، يبدو انه عرف ما سيأتي، لكنه رفض العروض بالهروب من العراق.
وبطريقة ما عثرت ستيفنسن على ضابط شهد اعدام ساجت، ويقص هذا الرجل –الذي يقطن انكلترا حاليا- القصة بتفاصيل حزينة ومؤلمة. وحينما ارسل الجثمان اخيرا الى عائلة ساجت، تم تعيين جنود لمراقبة النائحات اللواتي عرفن للتو من كان بداخل النعش.
وحينما زارت ستيفنسن العائلة آخر مرة، في عام 2005، وجدت ان ابناء ساجت قد استحالوا الى مساندين متحمسين لمجاميع التمرد ضد الاميركيين. وهم لايزالون مخلصين لكراهية ابيهم لصدام، لكن عالم الاخلاق القديم، بيقينياته الوحشية، كان قد تمزق. لقد توجب عليهم ان يتخذوا جانبا. يقال ان احدهم قاتل في معركة طائفية شرسة جنوبي بغداد. يقول احد القادة المحليين: "لقد كان ابوهم بطلا. لكنهم دنسوا اسمه."
Thursday, May 28, 2009
Thursday, May 21, 2009
بعد الهجمات الانتحارية الأخيرة هل تعود القاعدة من جديد؟
عن: كريستيان ساينس مونيتر
ترجمة :علاء غزالة
لا يعتقد المسؤولون الأميركيون والعراقيون، الذين يواجهون زيادة في الهجمات الانتحارية النوعية، انها تشير الى انعكاس في ظاهرة انخفاض الهجمات. لكنهم يقولون ان من الراجح ان تكون المناورات السياسية بين القيادات العراقية التي تتهيأ لخوض الانتخابات الوطنية قد احدثت اثرا في القرارات التي لها دور مهم في تفجير الوضع الامني. وقال مسؤولون اميركيون وعراقيون رفيعو المستوى، ومسؤولون في الاستخبارات الاميركية، في سلسلة من المقابلات الصحفية، انهم يتوقعون ان تستمر المكاسب التي تحققت في الحرب على تنظيم القاعدة في العراق، والمتمثلة بالحد من قدرات هذه المجموعة على زعزعة استقرار القوات العراقية التي اصبحت اكثر قوة، وحكومته التي باتت اكثر ثقة.
لكن الاستطلاع المقدم في بعض اكثر مدن البلاد تعرضا للعنف يقلل من هذا اليقين. وكان المسؤولون الامنيون في الموصل وديالى قد قالوا باستمرار انهم بحاجة الى مساعدة القوات الاميركية فيما بعد تاريخ 30 حزيران، وهو الموعد النهائي لمغادرة القوات الاميركية للمدن العراقية. لكن تصريحات رئيس الوزراء الاخيرة بانه لن يطلب من القوات الاميركية ان تبقى في هذه المدن، ، قد أدت الى تخبط المخططين العسكريين.
يقول ضابط اميريكي رفيع المستوى، طلب عدم ذكر اسمه بسبب حساسية الموضوع: "هناك اتفاق واضح جدا، في عدة اجزاء من البلاد، بين القادة العسكريين العراقيين والاميركيين. وكلما ارتفع مستوى المسؤولين اقحمت عوامل اخرى الى المعادلة." ويقول انه في ذلك المستوى "فان الحملة الانتخابية لخوض الانتخابات الوطنية قد بدأت بالفعل."
يذكر ان اتفاقية مستوى القوات، التي ابرمت بين الولايات المتحدة والعراق في شهر تشرين الثاني الماضي بعد مفاوضات شاقة استمرت على مدى عام كامل، تقضي ان تسحب القوات الاميركية قواتها خارج المدن العراقية بنهاية حزيران، وتنسحب الى خارج العراق باكمله بنهاية عام 2011.
ويعمل المسؤولون الاميركيون والعراقيون على تقويم الحاجة الى ابقاء القوات القتالية فيما بعد شهر حزيران في المناطق الواقعة شمال العراق، حيث يتخذ المتمردون ملجأ آمنا بعد ان طردوا من بغداد.
وكان الجنرال راي اوديرنو، وهو اعلى ضابط اميركي في العراق، قد حذر من ان القوات الامنية العراقية في ثالث اكبر مدينة عراقية، وهي الموصل، بحاجة الى وقت اضافي من اجل انهاء تطهير بعض المناطق من المتمردين لضمان عدم عودتهم مجددا.
وينظر الى الستراتيجية التي اتبعتها القوات الاميركية بالتمركز قريبا من التجمعات السكانية على انها عامل اساس في نجاح القوات الاضافية على تقليل العنف.
تصريحات المالكي
يعتقد معظم المسؤولين الاميركيين والعراقيين بان تصريحات المالكي هي للاستهلاك المحلي، وهي لا تمنع عمل استثناءات من موعد حزيران النهائي في بعض المدن. ومن الناحية التقنية، فان الاستثناء يعتبر مختلفا عن التمديد، وهو ما قال رئيس الوزراء انه لن يسمح به.
يقول مسؤول عرافي رفيع المستوى: "يعلم المالكي جيدا بالحاجة الى وجود القوات الاميركية في هذه المناطق."
وقد قدحت زيادة الهجمات الانتحارية، التي قتلت اكثر من 350 عراقيا في شهر نيسان، المخاوف من ان يستعر العنف مجددا بما يتجاوز قدرة القوات العراقية، في الوقت الذي تنسحب القوات الاميركية من المراكز الرئيسة.
وبينما يقول مسؤولو الاستخبارات انهم لا يعتقدون ان هجمات الشهر الماضي هي استمرار لظاهرة، فانهم قلقون بشأن العوامل غير المتوقعة، واهمها تأثير تقليل الميزانية على القوات الامنية العراقية التي لاتزال ضعيفة، وعلى مستقبل قوات المتطوعين مدفوعة الاجر التي كان لها الدور المهم في تقليل العنف.
يقول احد مسؤولي الاستخبارات: "ان كان مستوى العنف اليوم هو على ما هو عليه، فلا بأس. لكنك ان سحبت قوات ابناء العراق من الشوارع فسوف تكون هناك فجوة... ما هو التأثير المتوقع لتقليل النفقات، وتأثير عدم حل هذه المسائل الشائكة، وتاثير الانتخابات؟ هناك الكثير من عدم اليقين هنا."
تتضمن "المسائل الشائكة" القوانين التي طال تأخيرها والتي سوف تحكم طريقة اقتسام السلطة والموارد النفطية، بالاضافة الى وضع مدينة كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها .
ترقب أنماط الهجمات
شعر العراقيون بالقلق من هجمات الشهر الماضي، والتي ادت الى مقتل اكبر عدد من الناس منذ شهر ايلول، اغلبهم من المدنيين. وكانت اهداف هذه الهجمات اضرحة شيعية كبرى في بغداد، ويبدو انها هدفت الى اعادة قدح الاقتتال الطائفي الذي جرّ العراق الى حرب اهلية قبل عامين.
لكن مجتمع الاستخبارات يراقب انماط الهجمات، وبالتحديد المدة الزمنية التي تفصل بين تخطيط وتنفيذ التفجيرات. يقول مسؤولو الاستخبارات ان قدرات تنظيم القاعدة في العراق على شن هجمات متكررة وفعالة ومعقدة قد اضمحلت بعد ان فككت الولايات المتحدة والعراق العناصر الرئيسة في شبكتها.
يقول احد مسؤولي الاستخبارات، والذي طلب عدم ذكر اسمه وهي سياسة متبعة في القضايا الاستخبارية: "لازلت ارى ان ظاهرة انخفاض الهجمات سوف تستمر في الوقت الذي نقترب فيه من موعدين رئيسين: الموعد النهائي للخروج من المدن، ومن ثم الانتخابات."
ويقول انه سوف يكون قلقا ان شهد تجددا سريعا في تنظيم هجمات منسقة:
ويقول احد مسؤولي الاستخبارات: "انها رؤية وتشخيص العنف، تأثير العنف، نوعية العنف، واين يقع ذلك العنف،" اكثر مما هي عدد الهجمات.
ويضيف هذا المسؤول: "القضية الاكبر هي البيئة التي تجري فيها هذه العمليات، حريتهم في الحركة، تجنيدهم. وفي نفس الوقت لديك تنامٍ في قدرات الحكومة على المستويات المحلية والوطنية، بينما تتطور القوات الامنية العراقية ببطء."
وعلى الرغم من ذلك، فان الهجمات الانتقامية من المتطرفين قد تعيد دورة العنف مجددا.
يقول مسؤول عالي المستوى في وزارة الخارجية الاميركية: "ان ما يثير خوفهم حقا هو ان القاعدة تركز على هجمات من شانها ان تقدح التوترات الطائفية. والعامل الحيوي هو: هل تنجح هجمات القاعدة في احداث هجمات مضادة؟ انت ترى ارتفاعا بسيطا في الهجمات، وارتفاعا كبيرا في الضحايا المدنيين، لكنك لا ترى تصاعدا في العنف الطائفي."
المستوى "المقبول" من العنف
بالنسبة الى المسؤولين الذين تحدثوا طويلا عن "المستوى المقبول من العنف" الذي بامكان القوات العراقية ان تتصدى له، والذي يتقبله الشعب العراقي، فان الوضع الحالي قد يكون اقرب ما يكون من ذلك المستوى.
يقول احد مسؤولي الاستخبارات: "سوف تبقى تشاهد هجمات نوعية، في عشرة اشهر، او اثني عشر شهرا او خمسة عشر. سوف تستمر في رؤية ذلك، لكنها ستكون اقل تأثيرا."
لكن السؤال الاقل توقعا سيبقى، مع انسحاب القوات الاميركية وتضافر المشاكل السياسية والمالية العراقية، هل ان القوات العراقية ستكون بعد عام من الان قادرة على الحد من هذه الهجمات بنفسها؟
ترجمة :علاء غزالة
لا يعتقد المسؤولون الأميركيون والعراقيون، الذين يواجهون زيادة في الهجمات الانتحارية النوعية، انها تشير الى انعكاس في ظاهرة انخفاض الهجمات. لكنهم يقولون ان من الراجح ان تكون المناورات السياسية بين القيادات العراقية التي تتهيأ لخوض الانتخابات الوطنية قد احدثت اثرا في القرارات التي لها دور مهم في تفجير الوضع الامني. وقال مسؤولون اميركيون وعراقيون رفيعو المستوى، ومسؤولون في الاستخبارات الاميركية، في سلسلة من المقابلات الصحفية، انهم يتوقعون ان تستمر المكاسب التي تحققت في الحرب على تنظيم القاعدة في العراق، والمتمثلة بالحد من قدرات هذه المجموعة على زعزعة استقرار القوات العراقية التي اصبحت اكثر قوة، وحكومته التي باتت اكثر ثقة.
لكن الاستطلاع المقدم في بعض اكثر مدن البلاد تعرضا للعنف يقلل من هذا اليقين. وكان المسؤولون الامنيون في الموصل وديالى قد قالوا باستمرار انهم بحاجة الى مساعدة القوات الاميركية فيما بعد تاريخ 30 حزيران، وهو الموعد النهائي لمغادرة القوات الاميركية للمدن العراقية. لكن تصريحات رئيس الوزراء الاخيرة بانه لن يطلب من القوات الاميركية ان تبقى في هذه المدن، ، قد أدت الى تخبط المخططين العسكريين.
يقول ضابط اميريكي رفيع المستوى، طلب عدم ذكر اسمه بسبب حساسية الموضوع: "هناك اتفاق واضح جدا، في عدة اجزاء من البلاد، بين القادة العسكريين العراقيين والاميركيين. وكلما ارتفع مستوى المسؤولين اقحمت عوامل اخرى الى المعادلة." ويقول انه في ذلك المستوى "فان الحملة الانتخابية لخوض الانتخابات الوطنية قد بدأت بالفعل."
يذكر ان اتفاقية مستوى القوات، التي ابرمت بين الولايات المتحدة والعراق في شهر تشرين الثاني الماضي بعد مفاوضات شاقة استمرت على مدى عام كامل، تقضي ان تسحب القوات الاميركية قواتها خارج المدن العراقية بنهاية حزيران، وتنسحب الى خارج العراق باكمله بنهاية عام 2011.
ويعمل المسؤولون الاميركيون والعراقيون على تقويم الحاجة الى ابقاء القوات القتالية فيما بعد شهر حزيران في المناطق الواقعة شمال العراق، حيث يتخذ المتمردون ملجأ آمنا بعد ان طردوا من بغداد.
وكان الجنرال راي اوديرنو، وهو اعلى ضابط اميركي في العراق، قد حذر من ان القوات الامنية العراقية في ثالث اكبر مدينة عراقية، وهي الموصل، بحاجة الى وقت اضافي من اجل انهاء تطهير بعض المناطق من المتمردين لضمان عدم عودتهم مجددا.
وينظر الى الستراتيجية التي اتبعتها القوات الاميركية بالتمركز قريبا من التجمعات السكانية على انها عامل اساس في نجاح القوات الاضافية على تقليل العنف.
تصريحات المالكي
يعتقد معظم المسؤولين الاميركيين والعراقيين بان تصريحات المالكي هي للاستهلاك المحلي، وهي لا تمنع عمل استثناءات من موعد حزيران النهائي في بعض المدن. ومن الناحية التقنية، فان الاستثناء يعتبر مختلفا عن التمديد، وهو ما قال رئيس الوزراء انه لن يسمح به.
يقول مسؤول عرافي رفيع المستوى: "يعلم المالكي جيدا بالحاجة الى وجود القوات الاميركية في هذه المناطق."
وقد قدحت زيادة الهجمات الانتحارية، التي قتلت اكثر من 350 عراقيا في شهر نيسان، المخاوف من ان يستعر العنف مجددا بما يتجاوز قدرة القوات العراقية، في الوقت الذي تنسحب القوات الاميركية من المراكز الرئيسة.
وبينما يقول مسؤولو الاستخبارات انهم لا يعتقدون ان هجمات الشهر الماضي هي استمرار لظاهرة، فانهم قلقون بشأن العوامل غير المتوقعة، واهمها تأثير تقليل الميزانية على القوات الامنية العراقية التي لاتزال ضعيفة، وعلى مستقبل قوات المتطوعين مدفوعة الاجر التي كان لها الدور المهم في تقليل العنف.
يقول احد مسؤولي الاستخبارات: "ان كان مستوى العنف اليوم هو على ما هو عليه، فلا بأس. لكنك ان سحبت قوات ابناء العراق من الشوارع فسوف تكون هناك فجوة... ما هو التأثير المتوقع لتقليل النفقات، وتأثير عدم حل هذه المسائل الشائكة، وتاثير الانتخابات؟ هناك الكثير من عدم اليقين هنا."
تتضمن "المسائل الشائكة" القوانين التي طال تأخيرها والتي سوف تحكم طريقة اقتسام السلطة والموارد النفطية، بالاضافة الى وضع مدينة كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها .
ترقب أنماط الهجمات
شعر العراقيون بالقلق من هجمات الشهر الماضي، والتي ادت الى مقتل اكبر عدد من الناس منذ شهر ايلول، اغلبهم من المدنيين. وكانت اهداف هذه الهجمات اضرحة شيعية كبرى في بغداد، ويبدو انها هدفت الى اعادة قدح الاقتتال الطائفي الذي جرّ العراق الى حرب اهلية قبل عامين.
لكن مجتمع الاستخبارات يراقب انماط الهجمات، وبالتحديد المدة الزمنية التي تفصل بين تخطيط وتنفيذ التفجيرات. يقول مسؤولو الاستخبارات ان قدرات تنظيم القاعدة في العراق على شن هجمات متكررة وفعالة ومعقدة قد اضمحلت بعد ان فككت الولايات المتحدة والعراق العناصر الرئيسة في شبكتها.
يقول احد مسؤولي الاستخبارات، والذي طلب عدم ذكر اسمه وهي سياسة متبعة في القضايا الاستخبارية: "لازلت ارى ان ظاهرة انخفاض الهجمات سوف تستمر في الوقت الذي نقترب فيه من موعدين رئيسين: الموعد النهائي للخروج من المدن، ومن ثم الانتخابات."
ويقول انه سوف يكون قلقا ان شهد تجددا سريعا في تنظيم هجمات منسقة:
ويقول احد مسؤولي الاستخبارات: "انها رؤية وتشخيص العنف، تأثير العنف، نوعية العنف، واين يقع ذلك العنف،" اكثر مما هي عدد الهجمات.
ويضيف هذا المسؤول: "القضية الاكبر هي البيئة التي تجري فيها هذه العمليات، حريتهم في الحركة، تجنيدهم. وفي نفس الوقت لديك تنامٍ في قدرات الحكومة على المستويات المحلية والوطنية، بينما تتطور القوات الامنية العراقية ببطء."
وعلى الرغم من ذلك، فان الهجمات الانتقامية من المتطرفين قد تعيد دورة العنف مجددا.
يقول مسؤول عالي المستوى في وزارة الخارجية الاميركية: "ان ما يثير خوفهم حقا هو ان القاعدة تركز على هجمات من شانها ان تقدح التوترات الطائفية. والعامل الحيوي هو: هل تنجح هجمات القاعدة في احداث هجمات مضادة؟ انت ترى ارتفاعا بسيطا في الهجمات، وارتفاعا كبيرا في الضحايا المدنيين، لكنك لا ترى تصاعدا في العنف الطائفي."
المستوى "المقبول" من العنف
بالنسبة الى المسؤولين الذين تحدثوا طويلا عن "المستوى المقبول من العنف" الذي بامكان القوات العراقية ان تتصدى له، والذي يتقبله الشعب العراقي، فان الوضع الحالي قد يكون اقرب ما يكون من ذلك المستوى.
يقول احد مسؤولي الاستخبارات: "سوف تبقى تشاهد هجمات نوعية، في عشرة اشهر، او اثني عشر شهرا او خمسة عشر. سوف تستمر في رؤية ذلك، لكنها ستكون اقل تأثيرا."
لكن السؤال الاقل توقعا سيبقى، مع انسحاب القوات الاميركية وتضافر المشاكل السياسية والمالية العراقية، هل ان القوات العراقية ستكون بعد عام من الان قادرة على الحد من هذه الهجمات بنفسها؟
Thursday, May 14, 2009
مدينة الشعراء تنعم بالاستقرار..البصرة تعود إلى جذورها
عن: كريستيان ساينس مونيتر
ترجمة :علاء غزالة
انحنى الشاعر خالد المياحي نحو لاقطة اذاعة الرشيد وفتح قلبه للمدينة، مستعملا كلمات كانت ستؤدي الى قتله قبل ان تستعيد القوات العراقية البصرة من ايدي المليشيات المتطرفة في العام الماضي. انشد قائلا: "انا راهب بحبك. بنيت اكبر الكنائس في روحي من اجلك"، ملوحا بيده بعاطفة تجسد صدى ما كتب. وراحت ارتجالات الكمان المؤثرة للعازف نائل حامد، الذي يجلس بالقرب منه، تسبح عبر الاثير. ثم التقط المذيع عودا عربيا تقليديا ليشترك معهما.
في هذه المدينة التي تمتلك جمالا ذاويا وقرونا من الحضارة، بدأ الشعر والموسيقى، التي انزوت تحت الارض في فترة سيطرة المليشيات، في التفتح من جديد.
استطرد السيد المياحي، الذي يبدو بهيأة نجم سينمائي وهو يلقي الشعر وكأنه يحترق: "حفرت صليبا في قلبي. ليس من احد مثلك في هذا الكون. انت سؤال احتواه كتاب باجمعه."
هذا البرنامج الحي هو في غاية التشويق، وفي هذه المدينة المحرومة، فانه يسقط مطرا مرحبا به. تشرق خطوط الهاتف باصوات فتيات يردن ان يشاركن حبهن للشعر، حيث يُستدعى عريف الشرطة وعاشق الشعر في كل حلقة.
يقول مدير المحطة نوفل العبيد: "يريد الناس العراقيون ان يستمعوا الى الموسيقى. انهم يريدون حياة جديدة، خصوصا في البصرة." وكان السيد العبيد، وهو صحفي، قد غادر العراق عام 2006 بعد ان خُطف وقـُتل احد اصدقائه، وقد عاد قبل ثمانية اشهر. ويقول: "لقد اخذت الامور بالاستقرار في البصرة، ولكن ليس 100 بالمائة. يمكن القول 60 او 75 بالمائة."
هذه المحطة التي طورتها اذاعة الرشيد في بغداد، تبث مزيجا من الموسيقى والشعر والحديث، غير ان عمرها يبلغ شهرين فقط.
لكن الشعر يعود الى قرون مضت. وهو كالهواء بالنسبة الى العراقيين. ففي البرامج الاذاعية في بغداد يتصل الناس ليطلبوا اذاعة القصائد بنفس الطريقة التي يتصلون ليطلبوا اغانيهم المفضلة. واذا توفي شاعر معروف فان ذلك مناسبة للحداد وطني.
وللبصرة تاريخ من الحضارة يعود الى 5000 سنة مضت عندما كانت جزءا من سومر القديمة. ويعتقد ان السومريين هم اول من اخترع نظام الكتابة. وتقع المدينة على شط العرب، حيث يلتقي دجلة بالفرات، وتتربع على ملحمة السندباد البحري، وعشرات الالاف من القصائد التي تلتها.
قصائد، وقصائد في كل مكان
لا يمكنك ان تدير وجهك في البصرة، في هذه الايام، بدون ان ترى او تسمع شعرا. وعلى الكورنيش المحاذي لشط العرب، حيث تتمشى العوائل بعد الغروب، يستند اثنان من الشعراء الجادين الشباب الى حافة السياج حاملين دفاتر ملاحظاتهم، ومراقبين الزوارق المارة.
احد الزوارق يحمل عرسا حيث يقرع الشبان المرتدين سراويل الجينز السميكة على الطبول ويرقصون بمرح في خلوتهم على السقف، وهي اشارة لم تخطر على البال قبل الربيع الماضي.
يكتب علي المنصوري وسيف الحلفي، وكلاهما طالب في جامعة البصرة، قصائد شعبية، وهو الشعر المحبب في الشارع، حيث يُكتب ويُتلى بلهجة دارجة، بدلا من اللغة الفصحى التقليدية الاكثر تعقيدا. هذه القصائد التي عادة ما تتحول الى اغان، هو شعر موجه للجماهير.
يقول السيد المنصوري، الذي يشتكي من ان المسؤولين الحكوميين لا يأخذونهم على محمل الجد: "نحن نكتب شعرا شعبيا بسبب حبنا واحترامنا الى تراثنا الادبي التقليدي." ويضيف انه حينما اعلنت الحكومة العراقية مؤخرا البصرة عاصمة للثقافة، لم يتم استدعاء اي من الشعراء الشعبيين الى الاحتفال.
الحب والامن من المواضيع المفضلة
معظم الشعراء، في الثقافة العربية المشحونة بالعواطف، هم على وشك الوقوع في الحب، حيث يكون الكثير منه بلا امل. لكن هناك تغيرا بين الجيل الشاب من الشعراء في البصرة. يقول المنصوري، الذي لا تقلقه الرومانسية اكثر شيء، بل ما يقلقه هو الحصول على عمل عندما يتخرج: "معظم الشعر الذي نكتبه يدور حول الوضع الامني والمأساة في العراق، وانا اكتب الشعر عن الارامل والايتام."
حينما يُسأل المنصوري ان يتلو شعرا مما يكتب، فانه يعقد حاجبيه، ويأخذ نفسا عميقا، ويقع في الحب مجددا. ينشد عن الفراق: "رحيلك نار لا تنطفي ولو شربت النيل."
يقول الحلفي، الذي يرتدي قميصا اصفر ذا مربعات، ويضع نظارة شمسية انيقة في وقت الغروب: "لقد تحولنا الى الشعر الوطني الذي يدعو الى التفاؤل اكثر منه الى الحزن. نرى الان القوارب تعود الى شط العرب والماء يبدأ في الصفو، والوضع يتحسن، والحمد لله. الان يطفو التفاؤل على قصائدنا."
ولكنه لم يختر ان يقرأ من شعره. وهو ينشد: "العاطفة مطلب. تقفز دقات قلبي لبعدك.. في لحظة مغادرتك، امسك بك، ثم اقفل راجعا، ولكني لا استطيع ان استعيد يدي."يقول إن من يكتب الشعر الشعبي هم الفقراء .يقول الحلفي، الذي يدرس الرياضيات، ان تلك الايام الصعبة قد ولت. ويضيف: "نحن متفائلون بالمستقبل. نحن نأمل ان يعود العراق كما كان سابقا... ان تُمسح جميع الدموع وان تُحل جميع مشاكل الشباب العراقي. الشعب العراقي اناس طيبون جدا. انهم يحبون الحياة، والاحداث التي مرت تثبت ان الشعب العراقي شعب طيب."هذا قول تسمعه المرة تلو الاخرى، في البصرة تحديدا. هذا القول الذي يترجم الى الانكليزية "اناس جيدون" يستعمله العراقيون الاخرون لوصف اهالي البصرة بالـ"طيبين"، بمعنى ذوي طبيعة حسنة. يعشق البصراويون مدينتهم الساحلية، او ذكرياتهم عنها، بنفس العاطفة التي تحملها امواج الاثير عبر اذاعة الرشيد في المساء.يقول عبيد، مدير المحطة: "لم استطع تحمل البقاء خارج العراق لاني احب مدينتي. لقد نشأت هنا. اتذكر اصدقائي وجيراني في كل ليلة، اصدقائي الذين ما يزالون على قيد الحياة، واصدقائي الذين فقدتهم."يصف عبيد، الذي ذهب الى عُمان، السنوات التي خضعت فيها المدينة للمليشيات بانها "جنون"، ويضيف: "حينها لم يكن بمقدوك ان تثق باي احد. كان يمكن ان تفقد حياتك في لحظة."وكان قد غادر العراق بعد تعرض صديقه فاخر حيدر، الذي كان يعمل مع جريدة نيويوك تايمز، الى الاختطاف على يد رجال يرتدون زي الشرطة، ومن ثم قتل في عام 2005. ويقول انه عاد ادراجه ليحاول ان يجعل الامور افضل في البصرة تخليدا لذكرى صديقه.
التعويض عن خمس سنوات من الاضطراب
يقول عبيد ان اكبر التحديات الان يكمن في التعويض عن خمس سنوات لم تجر فيها اعادة الاعمار. ترغب المدينة في اجتذاب المستثمرين، لكن هناك ساعات من انقطاع الكهرباء في كل يوم، وتعاني البنية التحتية من عقود من الاهمال.يقول عبيد انه بعد ان مرت السنوات الماضية، حينما كان العراقيون يستهدفون لتحدثهم لغة اجنبية، فان محطته تخطط لاذاعة اغان باللغة الانكليزية حالما يعثر على مذيعة، والتي تبعث على الراحة اكثر من الصوت الرجالي. وتبث المحطة 20 ساعة يوميا، ويصل بثها الى مسافة 65 ميلا (104 كيلومترات).
ويستطرد قائلا: "يحب الناس الاغاني الانكليزية، وهم يطلبون منا ان نبثها بعد منتصف الليل، فهم يبقون ساهرين حتى الساعة الثالثة صباحا، وهو الوقت الذي يرغبون في ان يستمعوا فيه الى تلك الاغاني."غير ان المحطة لابد من ان تضم عنصرا دينيا، طالما انها جزء من الثقافة. فهو يقول: "نحن نبث القرآن الكريم، تتلوه موسيقى كلاسيكية."
ترجمة :علاء غزالة
انحنى الشاعر خالد المياحي نحو لاقطة اذاعة الرشيد وفتح قلبه للمدينة، مستعملا كلمات كانت ستؤدي الى قتله قبل ان تستعيد القوات العراقية البصرة من ايدي المليشيات المتطرفة في العام الماضي. انشد قائلا: "انا راهب بحبك. بنيت اكبر الكنائس في روحي من اجلك"، ملوحا بيده بعاطفة تجسد صدى ما كتب. وراحت ارتجالات الكمان المؤثرة للعازف نائل حامد، الذي يجلس بالقرب منه، تسبح عبر الاثير. ثم التقط المذيع عودا عربيا تقليديا ليشترك معهما.
في هذه المدينة التي تمتلك جمالا ذاويا وقرونا من الحضارة، بدأ الشعر والموسيقى، التي انزوت تحت الارض في فترة سيطرة المليشيات، في التفتح من جديد.
استطرد السيد المياحي، الذي يبدو بهيأة نجم سينمائي وهو يلقي الشعر وكأنه يحترق: "حفرت صليبا في قلبي. ليس من احد مثلك في هذا الكون. انت سؤال احتواه كتاب باجمعه."
هذا البرنامج الحي هو في غاية التشويق، وفي هذه المدينة المحرومة، فانه يسقط مطرا مرحبا به. تشرق خطوط الهاتف باصوات فتيات يردن ان يشاركن حبهن للشعر، حيث يُستدعى عريف الشرطة وعاشق الشعر في كل حلقة.
يقول مدير المحطة نوفل العبيد: "يريد الناس العراقيون ان يستمعوا الى الموسيقى. انهم يريدون حياة جديدة، خصوصا في البصرة." وكان السيد العبيد، وهو صحفي، قد غادر العراق عام 2006 بعد ان خُطف وقـُتل احد اصدقائه، وقد عاد قبل ثمانية اشهر. ويقول: "لقد اخذت الامور بالاستقرار في البصرة، ولكن ليس 100 بالمائة. يمكن القول 60 او 75 بالمائة."
هذه المحطة التي طورتها اذاعة الرشيد في بغداد، تبث مزيجا من الموسيقى والشعر والحديث، غير ان عمرها يبلغ شهرين فقط.
لكن الشعر يعود الى قرون مضت. وهو كالهواء بالنسبة الى العراقيين. ففي البرامج الاذاعية في بغداد يتصل الناس ليطلبوا اذاعة القصائد بنفس الطريقة التي يتصلون ليطلبوا اغانيهم المفضلة. واذا توفي شاعر معروف فان ذلك مناسبة للحداد وطني.
وللبصرة تاريخ من الحضارة يعود الى 5000 سنة مضت عندما كانت جزءا من سومر القديمة. ويعتقد ان السومريين هم اول من اخترع نظام الكتابة. وتقع المدينة على شط العرب، حيث يلتقي دجلة بالفرات، وتتربع على ملحمة السندباد البحري، وعشرات الالاف من القصائد التي تلتها.
قصائد، وقصائد في كل مكان
لا يمكنك ان تدير وجهك في البصرة، في هذه الايام، بدون ان ترى او تسمع شعرا. وعلى الكورنيش المحاذي لشط العرب، حيث تتمشى العوائل بعد الغروب، يستند اثنان من الشعراء الجادين الشباب الى حافة السياج حاملين دفاتر ملاحظاتهم، ومراقبين الزوارق المارة.
احد الزوارق يحمل عرسا حيث يقرع الشبان المرتدين سراويل الجينز السميكة على الطبول ويرقصون بمرح في خلوتهم على السقف، وهي اشارة لم تخطر على البال قبل الربيع الماضي.
يكتب علي المنصوري وسيف الحلفي، وكلاهما طالب في جامعة البصرة، قصائد شعبية، وهو الشعر المحبب في الشارع، حيث يُكتب ويُتلى بلهجة دارجة، بدلا من اللغة الفصحى التقليدية الاكثر تعقيدا. هذه القصائد التي عادة ما تتحول الى اغان، هو شعر موجه للجماهير.
يقول السيد المنصوري، الذي يشتكي من ان المسؤولين الحكوميين لا يأخذونهم على محمل الجد: "نحن نكتب شعرا شعبيا بسبب حبنا واحترامنا الى تراثنا الادبي التقليدي." ويضيف انه حينما اعلنت الحكومة العراقية مؤخرا البصرة عاصمة للثقافة، لم يتم استدعاء اي من الشعراء الشعبيين الى الاحتفال.
الحب والامن من المواضيع المفضلة
معظم الشعراء، في الثقافة العربية المشحونة بالعواطف، هم على وشك الوقوع في الحب، حيث يكون الكثير منه بلا امل. لكن هناك تغيرا بين الجيل الشاب من الشعراء في البصرة. يقول المنصوري، الذي لا تقلقه الرومانسية اكثر شيء، بل ما يقلقه هو الحصول على عمل عندما يتخرج: "معظم الشعر الذي نكتبه يدور حول الوضع الامني والمأساة في العراق، وانا اكتب الشعر عن الارامل والايتام."
حينما يُسأل المنصوري ان يتلو شعرا مما يكتب، فانه يعقد حاجبيه، ويأخذ نفسا عميقا، ويقع في الحب مجددا. ينشد عن الفراق: "رحيلك نار لا تنطفي ولو شربت النيل."
يقول الحلفي، الذي يرتدي قميصا اصفر ذا مربعات، ويضع نظارة شمسية انيقة في وقت الغروب: "لقد تحولنا الى الشعر الوطني الذي يدعو الى التفاؤل اكثر منه الى الحزن. نرى الان القوارب تعود الى شط العرب والماء يبدأ في الصفو، والوضع يتحسن، والحمد لله. الان يطفو التفاؤل على قصائدنا."
ولكنه لم يختر ان يقرأ من شعره. وهو ينشد: "العاطفة مطلب. تقفز دقات قلبي لبعدك.. في لحظة مغادرتك، امسك بك، ثم اقفل راجعا، ولكني لا استطيع ان استعيد يدي."يقول إن من يكتب الشعر الشعبي هم الفقراء .يقول الحلفي، الذي يدرس الرياضيات، ان تلك الايام الصعبة قد ولت. ويضيف: "نحن متفائلون بالمستقبل. نحن نأمل ان يعود العراق كما كان سابقا... ان تُمسح جميع الدموع وان تُحل جميع مشاكل الشباب العراقي. الشعب العراقي اناس طيبون جدا. انهم يحبون الحياة، والاحداث التي مرت تثبت ان الشعب العراقي شعب طيب."هذا قول تسمعه المرة تلو الاخرى، في البصرة تحديدا. هذا القول الذي يترجم الى الانكليزية "اناس جيدون" يستعمله العراقيون الاخرون لوصف اهالي البصرة بالـ"طيبين"، بمعنى ذوي طبيعة حسنة. يعشق البصراويون مدينتهم الساحلية، او ذكرياتهم عنها، بنفس العاطفة التي تحملها امواج الاثير عبر اذاعة الرشيد في المساء.يقول عبيد، مدير المحطة: "لم استطع تحمل البقاء خارج العراق لاني احب مدينتي. لقد نشأت هنا. اتذكر اصدقائي وجيراني في كل ليلة، اصدقائي الذين ما يزالون على قيد الحياة، واصدقائي الذين فقدتهم."يصف عبيد، الذي ذهب الى عُمان، السنوات التي خضعت فيها المدينة للمليشيات بانها "جنون"، ويضيف: "حينها لم يكن بمقدوك ان تثق باي احد. كان يمكن ان تفقد حياتك في لحظة."وكان قد غادر العراق بعد تعرض صديقه فاخر حيدر، الذي كان يعمل مع جريدة نيويوك تايمز، الى الاختطاف على يد رجال يرتدون زي الشرطة، ومن ثم قتل في عام 2005. ويقول انه عاد ادراجه ليحاول ان يجعل الامور افضل في البصرة تخليدا لذكرى صديقه.
التعويض عن خمس سنوات من الاضطراب
يقول عبيد ان اكبر التحديات الان يكمن في التعويض عن خمس سنوات لم تجر فيها اعادة الاعمار. ترغب المدينة في اجتذاب المستثمرين، لكن هناك ساعات من انقطاع الكهرباء في كل يوم، وتعاني البنية التحتية من عقود من الاهمال.يقول عبيد انه بعد ان مرت السنوات الماضية، حينما كان العراقيون يستهدفون لتحدثهم لغة اجنبية، فان محطته تخطط لاذاعة اغان باللغة الانكليزية حالما يعثر على مذيعة، والتي تبعث على الراحة اكثر من الصوت الرجالي. وتبث المحطة 20 ساعة يوميا، ويصل بثها الى مسافة 65 ميلا (104 كيلومترات).
ويستطرد قائلا: "يحب الناس الاغاني الانكليزية، وهم يطلبون منا ان نبثها بعد منتصف الليل، فهم يبقون ساهرين حتى الساعة الثالثة صباحا، وهو الوقت الذي يرغبون في ان يستمعوا فيه الى تلك الاغاني."غير ان المحطة لابد من ان تضم عنصرا دينيا، طالما انها جزء من الثقافة. فهو يقول: "نحن نبث القرآن الكريم، تتلوه موسيقى كلاسيكية."
Thursday, May 07, 2009
بريطانيا تنهي وجودها العسكري في العراق
عن: الاندبندنت
ترجمة: علاء غزالة
تـُليت الاسماء الواحد تلو الآخر بينما كان عازف البوق ينشد لحنا حزينا. لقد حفل الوداع الاخير للعراق بتذكر اولئك الذين لم يستطيعوا ان يعودوا الى الوطن.وفي لندن، اعلن رئيس الوزراء، غولدن براون، نهاية العمليات القتالية رسميا، في صراع استمر اكثر من الحربين العالميتين. اما في البصرة، فقد كانت الاذرع تمتد لعناصر القوات البريطانية تودعهم بحزن بينما كانوا يقومون بآخر دورياتهم على امتداد الشوارع التي خاضوا فيها معارك حامية، وفقدوا فيها رفاقهم.وكان التورط البريطاني في العراق قد ابتدأ حين اشترك توني بلير مع جورج دبليو بوش في غزوه للعراق، الا انه انتهى يوم امس بنفس الارتباط الاميركي. وتم تسليم السلطة العسكرية في البصرة الى القوات الامريكية المؤلفة من 5,000 جندي، وهم الذين سوف يحلون محل القوات البريطانية التي كان تعدادها 3,800 عسكري.
وكان هناك شعور بين افراد القوات البريطانية في العراق منذ وقت طويل، بعد ان ارسلوا الى حرب لا تحظى بدعم شعبي، بان الناس لم يتفهموا طبيعة التحديات التي يواجهونها، وما قاموا بانجازه. يقول احد الضباط الشباب، والذي خدم ثلاث مرات هنا: "لقد ساهمت جدتي في المسيرات المناهضة للاحتلال. وكانت لدي شخصيا شكوك قوية ايضا. لكننا كجنود علينا أن نتبع الأوامر، وكل ما ينبغي علينا فعله هو ان نقدم افضل ما نستطيع، وان لا نسيء استخدام قوتنا. اعتقد اننا فعلنا اشياء جيدة في البصرة، لكني استطيع تفهم السبب في عدم رغبة العراقيين بوجود قوات اجنبية في بلدهم."
وفي حفل التأبين يوم امس الذي اقيم امام حائط يحمل اسماء القتلى، بدا ان هناك عزما جديا على عدم نسيان هذه التضحيات، في اقل تقدير. وقام الرفاق بتلاوة اسماء 234 من البريطانيين والقوات المتحالفة معها، بالاضافة الى المتوفين من المدنيين، بعزيمة وتحد.
وقال الاسقف العسكري الاب باسكال هانرانهام، خلال حفل التأبين الذي دام لساعة من الزمن: "كل اسم هو فريد، وكل اسم يخبر قصة. قصة ابن او ابنة، زوج او زوجة، اب او ام. كل اسم سوف يستدعي ذكريات قوية، ليس اقلها لدى العائلة والمحبين في الوطن." عزف البوقي لحن "المهمة الاخيرة"، بينما كانت طائرات التورنادو تزأر وهي تحلق بمستوى منخفض. ومن ثم، في تمام الساعة 2:46 مساءا انزل العلم الخاص بالفرقة المدرعة العشرين البريطانية، وهي آخر القوات القتالية المتبقية في العراق، وسط تهليل وتصفيق متقطع بين البريطانيين والاميركيين والوجهاء العراقيين. لقد انتهت المهمة العسكرية البريطانية رسميا.
ولا يمكن اغفال تغيب غولدن براون الذي كان في افغانستان وباكستان قبل 24 ساعة من هذا الاحتفال. وقد ترددت خفية اقوال بانه يريد ان يبتعد عن تلك المهمة التي علقت في شراك التجادل. بيد ان وزير الدفاع البريطاني، جون هوتون، الذي حظر الاحتفال فعلا، قال ان السيد براون لم يكن يتجاهل العراق، حيث انه التقى رئيس الوزراء نوري المالكي في لندن.
وقال وزير الدفاع ان تحقيقا سوف يفتح في المستقبل لتقييم التورط البريطاني في العراق، لكن علينا في هذا الوقت ان "نفتخر بقواتنا. فهم الافضل في العالم، ويجب ان نكون جدا فخورين بما حققوه من تمكين العراقيين في بناء الديمقراطية."
وكان اكثر من 15,000 عنصر في الجيش البريطاني قد خدموا في العراق. وسوف يتم تحويل القاعدة في مطار البصرة الى فندق، بينما سيضم المقر الاميركي الجديد حفنة من عناصر الجيش البريطاني. ستكون طبعات اقدام المملكة المتحدة على الرمال العراقية في المستقبل تجارية وسياسية، وهو احد اسباب استضافة السيد المالكي ومعظم وزراء الحكومة العراقية في مؤتمر تجاري في لندن.
يقول نايجل هايدوود، القنصل العام البريطاني: "لقد بدأ دورنا في التغير، ولن يكون عسكريا بعد الان. لكننا عملنا الكثير من الاستثمارات في هذا المكان وننوي بكل تأكيد ان يكون لنا وجود مؤثر هنا. يمتلك العراق مستقبلا اقتصاديا نابضا، ونحن نساعد في بنائه."
تمتلك البصرة حوالي 70 بالمائة من الاحتياطي النفطي العراقي، رغم أن تدني أسعار النفط يعني انه يتوجب تخفيض ميزانية المحافظات الى النصف. لكن ميناء ام قصر، حيث سيبقى فريق من البحرية الملكية لتدريب نظرائهم من العراقيين، هو مثال على الامكانية المستقبلية للاقتصاد العراقي، مع احتمال ان يتحول الى منطقة للتبادل التجاري الحر للمنطقة باسرها. وقام السيد هوتون بزيارة ام قصر قبل ان يضع باقة من الزهور على ضريح الشهداء في منطقة الحيانية بمدينة البصرة، والذي كان مخصصا لضحايا "علي الكيمياوي."
وتعد منطقة الحيانية من المناطق المعروفة للبريطانيين. فقد كانت معقلا للمليشيات ومن ثم صارت مسرحا للكمائن ضد الدوريات البريطانية وموقع اطلاق قذائف الهاون والصواريخ على مقرهم في مطار البصرة.
على كل حال، فان بادرة السيد هوتون تؤكد على الدور البريطاني في تحرير العراق من نظام صدام، وهو ما يكن له في جنوب العراق، على وجه الخصوص، الشكر والعرفان. بيد ان الاضطراب الذي اعقب الغزو في عام 2003 قد ادى الى وقوع الكثير من الضحايا
اذ فقد حاكم علي ابراهيمي، البالغ 58 عاما من العمر، اثنين من افراد عائلته في اعمال العنف قبل وبعد الحرب، كما تعرض هو نفسه الى السجن من قبل الشرطة السرية. يقول: "بدأ البريطانيون بشكل حسن في العراق وقد رحب بهم معظمنا حينما جاءوا. وكنا نكن التقدير اليهم لانهم لم يكونوا عدوانيين مثل الاميركيين، كما انهم احترموا حضارتنا. لكنهم سمحوا للمليشيات بان تكبر بحيث لم يعد بالامكان السيطرة عليها، ثم عانينا."
لا يستطيع هاني القادر، المعلم الذي لديه ست ابناء، ان يفهم كيف انه بعد مرور ستة اعوام من اعلان بوش النصر في الحرب رسميا، مازالت كهرباء المدينة غير صالحة. لكنه يقول: "غير إننا لا نستطيع ان نلوم البريطانيين والاميركيين فقط، فماذا عن سياسيينا ؟ الآن مع رحيل البريطانيين يتوجب علينا ان ننظر في انفسنا."
البصرة بالأرقام
3,302 هو اقل تقدير لعدد العراقيين الذين قتلوا في البصرة منذ بداية الحرب. وقتل 179 جنديا بريطانيا في العراق.
51% نسبة الاقبال على التصويت في الانتخابات المحلية التي اجريت هذا العام
هجومان صاروخيان على قاعدة المطار هذا العام مقارنة بـ 400 هجوم في العام 2005.
ترجمة: علاء غزالة
تـُليت الاسماء الواحد تلو الآخر بينما كان عازف البوق ينشد لحنا حزينا. لقد حفل الوداع الاخير للعراق بتذكر اولئك الذين لم يستطيعوا ان يعودوا الى الوطن.وفي لندن، اعلن رئيس الوزراء، غولدن براون، نهاية العمليات القتالية رسميا، في صراع استمر اكثر من الحربين العالميتين. اما في البصرة، فقد كانت الاذرع تمتد لعناصر القوات البريطانية تودعهم بحزن بينما كانوا يقومون بآخر دورياتهم على امتداد الشوارع التي خاضوا فيها معارك حامية، وفقدوا فيها رفاقهم.وكان التورط البريطاني في العراق قد ابتدأ حين اشترك توني بلير مع جورج دبليو بوش في غزوه للعراق، الا انه انتهى يوم امس بنفس الارتباط الاميركي. وتم تسليم السلطة العسكرية في البصرة الى القوات الامريكية المؤلفة من 5,000 جندي، وهم الذين سوف يحلون محل القوات البريطانية التي كان تعدادها 3,800 عسكري.
وكان هناك شعور بين افراد القوات البريطانية في العراق منذ وقت طويل، بعد ان ارسلوا الى حرب لا تحظى بدعم شعبي، بان الناس لم يتفهموا طبيعة التحديات التي يواجهونها، وما قاموا بانجازه. يقول احد الضباط الشباب، والذي خدم ثلاث مرات هنا: "لقد ساهمت جدتي في المسيرات المناهضة للاحتلال. وكانت لدي شخصيا شكوك قوية ايضا. لكننا كجنود علينا أن نتبع الأوامر، وكل ما ينبغي علينا فعله هو ان نقدم افضل ما نستطيع، وان لا نسيء استخدام قوتنا. اعتقد اننا فعلنا اشياء جيدة في البصرة، لكني استطيع تفهم السبب في عدم رغبة العراقيين بوجود قوات اجنبية في بلدهم."
وفي حفل التأبين يوم امس الذي اقيم امام حائط يحمل اسماء القتلى، بدا ان هناك عزما جديا على عدم نسيان هذه التضحيات، في اقل تقدير. وقام الرفاق بتلاوة اسماء 234 من البريطانيين والقوات المتحالفة معها، بالاضافة الى المتوفين من المدنيين، بعزيمة وتحد.
وقال الاسقف العسكري الاب باسكال هانرانهام، خلال حفل التأبين الذي دام لساعة من الزمن: "كل اسم هو فريد، وكل اسم يخبر قصة. قصة ابن او ابنة، زوج او زوجة، اب او ام. كل اسم سوف يستدعي ذكريات قوية، ليس اقلها لدى العائلة والمحبين في الوطن." عزف البوقي لحن "المهمة الاخيرة"، بينما كانت طائرات التورنادو تزأر وهي تحلق بمستوى منخفض. ومن ثم، في تمام الساعة 2:46 مساءا انزل العلم الخاص بالفرقة المدرعة العشرين البريطانية، وهي آخر القوات القتالية المتبقية في العراق، وسط تهليل وتصفيق متقطع بين البريطانيين والاميركيين والوجهاء العراقيين. لقد انتهت المهمة العسكرية البريطانية رسميا.
ولا يمكن اغفال تغيب غولدن براون الذي كان في افغانستان وباكستان قبل 24 ساعة من هذا الاحتفال. وقد ترددت خفية اقوال بانه يريد ان يبتعد عن تلك المهمة التي علقت في شراك التجادل. بيد ان وزير الدفاع البريطاني، جون هوتون، الذي حظر الاحتفال فعلا، قال ان السيد براون لم يكن يتجاهل العراق، حيث انه التقى رئيس الوزراء نوري المالكي في لندن.
وقال وزير الدفاع ان تحقيقا سوف يفتح في المستقبل لتقييم التورط البريطاني في العراق، لكن علينا في هذا الوقت ان "نفتخر بقواتنا. فهم الافضل في العالم، ويجب ان نكون جدا فخورين بما حققوه من تمكين العراقيين في بناء الديمقراطية."
وكان اكثر من 15,000 عنصر في الجيش البريطاني قد خدموا في العراق. وسوف يتم تحويل القاعدة في مطار البصرة الى فندق، بينما سيضم المقر الاميركي الجديد حفنة من عناصر الجيش البريطاني. ستكون طبعات اقدام المملكة المتحدة على الرمال العراقية في المستقبل تجارية وسياسية، وهو احد اسباب استضافة السيد المالكي ومعظم وزراء الحكومة العراقية في مؤتمر تجاري في لندن.
يقول نايجل هايدوود، القنصل العام البريطاني: "لقد بدأ دورنا في التغير، ولن يكون عسكريا بعد الان. لكننا عملنا الكثير من الاستثمارات في هذا المكان وننوي بكل تأكيد ان يكون لنا وجود مؤثر هنا. يمتلك العراق مستقبلا اقتصاديا نابضا، ونحن نساعد في بنائه."
تمتلك البصرة حوالي 70 بالمائة من الاحتياطي النفطي العراقي، رغم أن تدني أسعار النفط يعني انه يتوجب تخفيض ميزانية المحافظات الى النصف. لكن ميناء ام قصر، حيث سيبقى فريق من البحرية الملكية لتدريب نظرائهم من العراقيين، هو مثال على الامكانية المستقبلية للاقتصاد العراقي، مع احتمال ان يتحول الى منطقة للتبادل التجاري الحر للمنطقة باسرها. وقام السيد هوتون بزيارة ام قصر قبل ان يضع باقة من الزهور على ضريح الشهداء في منطقة الحيانية بمدينة البصرة، والذي كان مخصصا لضحايا "علي الكيمياوي."
وتعد منطقة الحيانية من المناطق المعروفة للبريطانيين. فقد كانت معقلا للمليشيات ومن ثم صارت مسرحا للكمائن ضد الدوريات البريطانية وموقع اطلاق قذائف الهاون والصواريخ على مقرهم في مطار البصرة.
على كل حال، فان بادرة السيد هوتون تؤكد على الدور البريطاني في تحرير العراق من نظام صدام، وهو ما يكن له في جنوب العراق، على وجه الخصوص، الشكر والعرفان. بيد ان الاضطراب الذي اعقب الغزو في عام 2003 قد ادى الى وقوع الكثير من الضحايا
اذ فقد حاكم علي ابراهيمي، البالغ 58 عاما من العمر، اثنين من افراد عائلته في اعمال العنف قبل وبعد الحرب، كما تعرض هو نفسه الى السجن من قبل الشرطة السرية. يقول: "بدأ البريطانيون بشكل حسن في العراق وقد رحب بهم معظمنا حينما جاءوا. وكنا نكن التقدير اليهم لانهم لم يكونوا عدوانيين مثل الاميركيين، كما انهم احترموا حضارتنا. لكنهم سمحوا للمليشيات بان تكبر بحيث لم يعد بالامكان السيطرة عليها، ثم عانينا."
لا يستطيع هاني القادر، المعلم الذي لديه ست ابناء، ان يفهم كيف انه بعد مرور ستة اعوام من اعلان بوش النصر في الحرب رسميا، مازالت كهرباء المدينة غير صالحة. لكنه يقول: "غير إننا لا نستطيع ان نلوم البريطانيين والاميركيين فقط، فماذا عن سياسيينا ؟ الآن مع رحيل البريطانيين يتوجب علينا ان ننظر في انفسنا."
البصرة بالأرقام
3,302 هو اقل تقدير لعدد العراقيين الذين قتلوا في البصرة منذ بداية الحرب. وقتل 179 جنديا بريطانيا في العراق.
51% نسبة الاقبال على التصويت في الانتخابات المحلية التي اجريت هذا العام
هجومان صاروخيان على قاعدة المطار هذا العام مقارنة بـ 400 هجوم في العام 2005.
أطفال البصرة يتعلمون العيش مع الأمل
عن: الغارديان
ترجمة: علاء غزالة
أدت ثلاثون عاما من الحروب الى ازهاق ارواح عدد كبير جدا من الناس، بحيث اضحى نصف تعداد السكان من هذه المدينة من الأطفال حيث يتحدث مارتن جولف عن العنف المرعب الذي عاشوا فيه، وكيف يحلمون اليوم، مع تحسن الوضع الامني، في الهروب من الفقر والعيش في حياة طبيعية من العمل واللعب بسلام. من المعروف عن الاطفال في العراق انهم يكبرون قبل عمرهم، لكن الطفولة في البصرة، على مدى ثلاثة اجيال، ليست الا لمحة قصيرة من الزمن. ومع انتهاء الاحتلال، الذي كان يفترض ان يغير ولو جزئيا من هذا الواقع، فان حماة مستقبل البصرة اليافعين يتكلمون بايجابية عن السنوات القادمة. غالبا ما تترك المليشيات، التي تفشت في البصرة في معظم فترة السنوات السابقة، الاطفال لشأنهم، غير ان حياتهم العائلية وتعليمهم قد تأثرا بشكل كبير.
واليوم، بعد ان القى الاستقرار النسبي بظلاله عليهم فان اطفال المدينة يشعرون بحرية اكثر من اية فئة اخرى في مجتمع المدينة، وبالخصوص النساء، في الحديث عن حيواتهم واحلامهم.
وقد رحب الاولاد –تحديدا– بالملاعب الجديدة التي اتيحت لهم بعد العمليات العسكرية التي طهرت المدينة قبل 13 شهرا، وهم الذين طالما امضوا وقتهم في لعب كرة القدم في الشوارع. اما البنات، فهن يتحدثن عن امضاء المزيد من الوقت في المدرسة.
من الصعب الحصول على مؤشرات اجتماعية ذات دلالة في هذه المدينة التي بالكاد اقامت عماد نفسها على مدى عقود من الزمن. غير ان شذرات من احصاءات حول القطاعين الصحي والتعليمي، وهما الاكثر تأثيرا على الاطفال، تبين انهما كانا القطاعين الاكثر اهمالا من غيرهما من الخدمات في خضم سنوات العنف.
وقد ادعى المسؤولون الصحيون في عام 2006 ان نسبة الامراض التي تنتقل عن طريق الماء قد ازدادت بين الاطفال بنسبة 30% منذ بداية الحرب. كما ارتفعت نسبة الوفيات بين الاطفال الرضع بحدة.
اما ارقام الايتام في المدينة وحولها فقد كانت اكبر بكثير من المعتاد، وذلك يعود بالدرجة الاساس الى الحرب العراقية-الايرانية، التي حصدت ارواح رجال المدينة لمدة تقرب من عقد من الزمان، والتي انتهت عام 1988. وقد كانت جبهات القتال الامامية على مسافة ليس ببعيدة عن شمال شرق المدينة في معظم سنين الحرب.
وقد ازهقت ارواح اكثر من 600,000 من العراقيين في تلك الحرب، والكثير منهم من البصرة. غير ان حرب الخليج عام 1991 ادت الى ازهاق ارواح عدد كبير آخر، يضاف الى ذلك اعمال الانتقام الوحشية التي مارسها نظام صدام فيما بعد ذلك. واليوم، تجد الاطفال في كل مكان في البصرة، يقفون على ابواب خربة وهم يرتدون ملابس رثة، قد اضحوا سكان المدينة الاكثر هجرا، نموذجا للجوع والحرمان، لم يبق لهم الا امل ضئيل في الترفع عن ظروفهم.
تبقى ملاجيء الأيتام في احتياج مستمر، غير ان الطعام فيها جيد. فالطفلة صبيحة احمد ذات الاثني عشر ربيعا عاشت في الملجأ لمدة ثلاثة اعوام وتشعر بايجابية حول الحياة في البصرة. تقول: "استطيع ان اغني والعب وادرس. حياتي في تحسن مستمر وكذلك مدينة البصرة. اينما اذهب في المدينة اشاهد بنايات جديدة، والوان مختلفة، ومتنزهات جديدة، وعشب اخضر، ومطاعم. اريد ان يكون هذا هو مستقبل العراق."
لكن مازال امام مشاريع الاعانة الجديدة وخطط الاعمار، على قلتها، ان تصل الى الاحياء الاكثر فقرا في المدينة. ففي هذه الاحياء تعيش العوائل التي تحتوي على اكبر عدد من الاطفال. لكن الاطفال هم وثيقة تأمين مع الزمن، حيث ما ان يصلوا الى عمر معين حتى يتم تشغليهم.
فما ان بلغ طه ياسين عمر الاثني عشر عاما حتى اخرج من المدرسة وتم تشغليه في جمع العلب المعدنية لاعادة تصنيعها. يقول: "لا يستطيع والدي ان يعمل، فقد أصيب بالشلل نتيجة الحرب. يتوجب علي العمل لكي اوفر الاموال الى العائلة. نحن فقراء جدا. انا اقوم بجمع علب البيبسي الفارغة وبيعها بسعر 250 دينارا عن كل كيلوغرام واحد."
ويضيف: "ابدأ بالعمل في الساعة السادسة صباحا وانتهي في الساعة السابعة او الثامنة مساء. حينما لا استطيع العمل يهلكنا الجوع."
ويستطرد: "لقد التقيت بالبريطانيين مرات عديدة. وقد كانوا لطفاء وقدموا لي الشكولاتة في بعض الاحيان، وفي احيان اخرى اعطوني مالا."
لكن التحسن الامني المضطرد في الاونة الاخيرة جلب معه سيئات بالنسبة الى الاولاد المهووسين في كرة القدم، والذين ينصبون الملاعب اينما وجدوا مساحة مناسبة لذلك. ويتم اقامة المسابقات بين الاحياء على نحو منتظم، بين مستنقعات مياه المجاري والنفايات السامة المتروكة.
ويصدر المجلس المحلي بين آونة واخرى تحذيرا الى عامة الشعب لتجنب التعرض الى هذه المواقع، لكنهم ضحايا المستقبل، مثل ما هو الحال في كل ما يخص الاطفال في البصرة، هم تاريخ يَنتظر ان يُكتب.
فيما يلي قصص لاطفال تبدأ دائما مع الفقر والخوف في بداية الاحتلال. لكن نظرتهم الان اكثر ايجابية بالمقارنة مع ابائهم.
فاضل حسن، 15 عاما، عامل
في المجلس
"حصلت على عمل في المجلس قبل خمسة واربعين يوما، وانا في غاية السعادة. الحمد لله، سوف تتغير حياتي الان. احصل على 200 دولار كل شهر، وهذا اساس جيد لبناء حياتي. كل شيء يسير نحو الاحسن هنا.
"حينما يتقوى المجتمع تأتي التجارة وكذلك الاستثمارات والزراعة.
"لقد ساعدنا البريطانيون. فقد كنا غارقين في مياه المجاري ويغشانا الظلام والامراض قبل ان يأتوا. انا اشعر ان الوضع اصبح اكثر امنا واكثر حرية بمقدار سبعين مرة. وانا احلم بتكوين اسرة وبناء منزل."
كوثر صادق، 13 عاما، يتيمة تعيش في ملجأ الزهراء
"عشت هنا منذ وفاة والدي قبل سبع سنوات. لدي سبع اخوات وحينما جاءت الحرب اصبحت الامور مرعبة بالنسبة لنا. لكني ادرس الحاسوب في المدرسة الان واشعر بالامان حينما استمع الى الموسيقى والاناشيد الدينية المفضلة لدي. كما انني اتمتع بالمهرجانات والاحتفالات الاخرى. اريد ان اصبح خبيرة بالحاسوب. "آمل اننا قد تجاوزنا احلك الاوقات.
علي نجم، 15 عاما، طالب في اعدادية الكفاح
الامور احسن الان 100%. هناك المزيد من الاستقرار، لكن الاشياء السيئة مازالت تحدث. بات بامكاننا الاحتفال والشعور بحرية اكبر من قبل. لكني مازلت خائفا. اريد ان اساعد في جعل هذه المدينة هي الافضل في الخليج.
"حينما فاز العراق بكأس اسيا لكرة القدم، اقمنا احتفالاتنا بالدفوف والاغاني. لكن اعضاء المليشيا اعتقلوني وحلقوا رأسي. لقد منعوا أي شخص من التمتع بتلك اللحظات.
لقد مضى عقد من الزمان او يزيد من الاهمال وهناك الكثير من العمل لينجز هنا. نريد مكتبات ونحتاج الى نواد رياضية ومدارس موسيقى.
غير ان حياة عائلتي قد تحسنت. فبعد العام 2003 عمل والدي في سوق السيارات وقد ابلى بلاء حسنا. لم تكن هناك قيود مثل التي كانت في زمن صدام. لقد تم بناء مدرج لملعب، ولكنه بعيد جدا عن المدينة ونحتاج الى المزيد.
"طموحي ان اصبح ضابطا في الجيش. احب بلدي واريد ان اكون مخلصا له. واريد ان ادحر الاعداء في المستقبل."
مهدي عبد الله، 15 عاما،
عامل بناء
وجدت عملا في البناء منذ ستة اشهر. احصل على 130 دولارا في الشهر. تركت مقاعد الدراسة مبكرا، لاني اضطررت الى ذلك. ليس لدى عائلتي أي مورد.
"احلم بان يستمر الاستقرار هنا وان يجد الناس عملا وان يعيشوا حياتهم بكرامة. انا لا اطلب ثروة او كنزا. كل ما اصبو اليه هو الكرامة المجردة. اشعر بالارتياح الان لان لدي عملا. اريد ان اتزوج وان اعيل نفسي وعائلتي.
"تعوم البصرة على بحر من النفط. وقد كان لها على الدوام وسائل للحفاظ على الناس فوق الماء (تمنعهم من الغرق). بامكاننا ان نرفعها اكثر فاكثر، ونتحول الى مرحلة جديدة من حياتنا هنا."
نور مناي، 15 عاما، طالبة
في اعدادية الفراهيدي
"فررنا من منزلنا في حي الشعب ببغداد قبل ثلاثة اعوام بسبب العنف. وقد ظن والدي ان البصرة ستكون اكثر امنا. وقد كانت كذلك باديء الامر، لكن المليشيات خربت الوضع الامني. اما الان فقد بدأ الامر ينعكس نحو الاحسن من جديد.
"بعد شن العملية العسكرية التي أجلت المليشيات (في آذار 2008)، تركني والدي اذهب الى المدرسة بدون ان يصحبني احد. وكان هذا هو الوضع في السابق.
"لكني لم استطع الذهاب الى المدرسة طوال العام 2006. وصعب علي التفكير حينذاك بانني قد لا اكمل دراستي. لكن والدي وعدني بان الظروف سوف تتغير. وقد تغيرت بالفعل. انا سعيدة للغاية.
"بامكاني الان الذهاب الى السوق وزيارة الاصدقاء، لكن مازلنا نفتقد النوادي الرياضية ودور السينما والمسارح. ارغب في ان اصبح عالمة حاسوب وان اساعد والدي، فهو مهندس وقد اصبح موسور الحال الان."
عمار موسى، 12 عاما، بائع رصيف يبيع العلكة والمناديل
"عملت في هذا التقاطع منذ عام 2003 وقد اصبحت الامور افضل بكثير. زاد دخلي واستطيع العمل بامن بدون انفجارات. استطيع ان ابقى هنا من الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، في الصيف والشتاء. يمكنني شراء الملابس والطعام.
"اعيش مع امي وابي واخواتي الاربع، كما حصل والدي على عمل يومي. لقد كان من النادر ان يعمل في عام 2007.
"اذا بقي الوضع الامني على ما هو عليه الان، فسوف يأتي السلام الينا جميعا. وعندها ربما احصل على عمل افضل.
محمد منهل، 9 اعوام، تلميذ مدرسة ابتدائية
"لقد تحسنت حياتي كثيرا مؤخرا. تدعني والدتي العب كرة القدم والتنس ورياضات اخرى مع اصدقائي، حتى وان كانت صالة اللعب بعيدة عن المنزل. ونحن نلعب في الطرقات لساعتين بعد الظهر واستطيع ان افعل أي شيء معظم الاوقات.
غير ان المشكلة الكبرى في حياتنا هي الكهرباء، خصوصا في الليل. نحن نحتاج اليها في الدراسة ومشاهدة قنوات الرياضة على التلفاز. لقد كان هناك تحسن ضئيل، لكننا نحتاج اليها على مدى 24 ساعة، وليس لست الى عشر ساعات التي نحصل عليها الان. اريد ان اصبح مهندسا في يوم من الايام لكي اصلح الكهرباء.
"قبل عام 2007 حبستني امي في المنزل بسبب الوضع الامني في البصرة. كما انها لم تدعني حتى ان اذهب الى المدرسة، ولم استطع اللعب خارجا ابدا. وهي تقول ان الكثير من الاطفال اختطفوا في البصرة. لكن كلانا يشعر بالارتياح اكثر الان.
"وقد ذهبت في الصيف الماضي الى سوريا لقضاء العطلة. وفي ايام الجمع نذهب الى المتنزه او الى النهر. غير ان مدرستي ليست جيدة. فهي قديمة ومتهالكة ونحن بحاجة الى تجهيزات وطرق تدريس جديدة."
صبيحة احمد، 12 عاما، منظمة الزهراء للايتام
"اتيت الى هنا قبل ثلاثة اعوام، بعد ان توفي والدي. وقد عشت حياة طبيعية. احب مدرساتي، وهن في غاية اللطف معي وجيدات في تدريسهن. انا ادرس في مدرسة الزهراء الابتدائية وهم ينظمون الكثير من الاحتفالات، مع اداء مسرحي ومعارض فنية. اريد ان اصبح محترفة موسيقى في يوم من الايام.
اوس فؤاد، 15 عاما، طالب
في اعدادية الكفاح
"كانت الامور مأساوية هنا قبل عام 2003. فقد عشنا في الجبهة الامامية لثلاثة حروب وعانينا اكثر من أي المحافظات العراقية الاخرى. لقد عشنا في فقر مدقع. وكانت هناك مشاكل في القطاع الصحي والقطاع التعليمي ولم يكن بامكاننا تحمل نفقات الذهاب الى المدرسة. وقد حصل والدي على عمل في جامعة البصرة حيث كان راتبه عشرة دولارات في الشهر فقط.
"لدي ثلاثة اخوة واختين. وقد تركتنا امنا بسبب ظروفها. لكن بعد عام 2003 حدث تحول في حياة عائلتي. اصبح والدي معاون عميد احدى الكليات في جامعة البصرة، ويصل راتبه الان الى الفي دولار في الشهر. وقد عدت الى المدرسة وكذلك عاد اليها اخواني واخواتي.
بإمكاني الآن أن العب كرة السلة، التي احبها كثيرا، وبامكاننا الولوج الى شبكة الملعومات الدولية (الانترنت). كما نستطيع التفكير بالسفر.
"وقد تحسنت الامور مرة اخرى عام 2008. يمكنني الان ان ارتحل في سفرة مدرسية والبقاء خارج المنزل حتى الساعة العاشرة او الحادية عشرة مساء. اريد ان اصبح طبيبا حتى اعتني بالاجيال القادمة من اطفال البصرة، فهم يستحقون الافضل."
حامد جاسم، 11 عاما، عامل خردة
"اعمل مع اطفال اخرين لكي نكسب بعض المال من اجل عوائلنا. توفي والدي نتيجة المرض عام 2005. ويعمل معي ايضا اخي الاصغر واسمه علي ويبلغ تسعة اعوام من العمر.نبدأ العمل في الساعة الخامسة من صباح كل يوم، لاننا اذا نهضنا للعمل باكرا فسوف نجد المزيد من الخردة لنجمعها. نحن بالكاد نستطيع ان نوفر طعامنا.
"نحن نعيش في مبنى مدمر تابع للامم المتحدة. ليس هناك من جدران في هذه البناية، لكننا مع ذلك في حال افضل من حالنا عام 2007. واحصل على دولار واحد او دولارين كل يوم، لكن الحياة بدأت تسير نحو الافضل. فقد تحسن دخل عائلتي، وإذا عملت بجد اكبر احصل على ايراد اكثر. اريد ان اعمل في المجلس في المستقبل، او ان اصبح جنديا.
"السلام هو الكنز الاثمن في حياتي. انه يعني اننا يمكننا ان نعيد بناء الاشياء، وان نلعب في بعض الاحيان مع الاصدقاء."
ترجمة: علاء غزالة
أدت ثلاثون عاما من الحروب الى ازهاق ارواح عدد كبير جدا من الناس، بحيث اضحى نصف تعداد السكان من هذه المدينة من الأطفال حيث يتحدث مارتن جولف عن العنف المرعب الذي عاشوا فيه، وكيف يحلمون اليوم، مع تحسن الوضع الامني، في الهروب من الفقر والعيش في حياة طبيعية من العمل واللعب بسلام. من المعروف عن الاطفال في العراق انهم يكبرون قبل عمرهم، لكن الطفولة في البصرة، على مدى ثلاثة اجيال، ليست الا لمحة قصيرة من الزمن. ومع انتهاء الاحتلال، الذي كان يفترض ان يغير ولو جزئيا من هذا الواقع، فان حماة مستقبل البصرة اليافعين يتكلمون بايجابية عن السنوات القادمة. غالبا ما تترك المليشيات، التي تفشت في البصرة في معظم فترة السنوات السابقة، الاطفال لشأنهم، غير ان حياتهم العائلية وتعليمهم قد تأثرا بشكل كبير.
واليوم، بعد ان القى الاستقرار النسبي بظلاله عليهم فان اطفال المدينة يشعرون بحرية اكثر من اية فئة اخرى في مجتمع المدينة، وبالخصوص النساء، في الحديث عن حيواتهم واحلامهم.
وقد رحب الاولاد –تحديدا– بالملاعب الجديدة التي اتيحت لهم بعد العمليات العسكرية التي طهرت المدينة قبل 13 شهرا، وهم الذين طالما امضوا وقتهم في لعب كرة القدم في الشوارع. اما البنات، فهن يتحدثن عن امضاء المزيد من الوقت في المدرسة.
من الصعب الحصول على مؤشرات اجتماعية ذات دلالة في هذه المدينة التي بالكاد اقامت عماد نفسها على مدى عقود من الزمن. غير ان شذرات من احصاءات حول القطاعين الصحي والتعليمي، وهما الاكثر تأثيرا على الاطفال، تبين انهما كانا القطاعين الاكثر اهمالا من غيرهما من الخدمات في خضم سنوات العنف.
وقد ادعى المسؤولون الصحيون في عام 2006 ان نسبة الامراض التي تنتقل عن طريق الماء قد ازدادت بين الاطفال بنسبة 30% منذ بداية الحرب. كما ارتفعت نسبة الوفيات بين الاطفال الرضع بحدة.
اما ارقام الايتام في المدينة وحولها فقد كانت اكبر بكثير من المعتاد، وذلك يعود بالدرجة الاساس الى الحرب العراقية-الايرانية، التي حصدت ارواح رجال المدينة لمدة تقرب من عقد من الزمان، والتي انتهت عام 1988. وقد كانت جبهات القتال الامامية على مسافة ليس ببعيدة عن شمال شرق المدينة في معظم سنين الحرب.
وقد ازهقت ارواح اكثر من 600,000 من العراقيين في تلك الحرب، والكثير منهم من البصرة. غير ان حرب الخليج عام 1991 ادت الى ازهاق ارواح عدد كبير آخر، يضاف الى ذلك اعمال الانتقام الوحشية التي مارسها نظام صدام فيما بعد ذلك. واليوم، تجد الاطفال في كل مكان في البصرة، يقفون على ابواب خربة وهم يرتدون ملابس رثة، قد اضحوا سكان المدينة الاكثر هجرا، نموذجا للجوع والحرمان، لم يبق لهم الا امل ضئيل في الترفع عن ظروفهم.
تبقى ملاجيء الأيتام في احتياج مستمر، غير ان الطعام فيها جيد. فالطفلة صبيحة احمد ذات الاثني عشر ربيعا عاشت في الملجأ لمدة ثلاثة اعوام وتشعر بايجابية حول الحياة في البصرة. تقول: "استطيع ان اغني والعب وادرس. حياتي في تحسن مستمر وكذلك مدينة البصرة. اينما اذهب في المدينة اشاهد بنايات جديدة، والوان مختلفة، ومتنزهات جديدة، وعشب اخضر، ومطاعم. اريد ان يكون هذا هو مستقبل العراق."
لكن مازال امام مشاريع الاعانة الجديدة وخطط الاعمار، على قلتها، ان تصل الى الاحياء الاكثر فقرا في المدينة. ففي هذه الاحياء تعيش العوائل التي تحتوي على اكبر عدد من الاطفال. لكن الاطفال هم وثيقة تأمين مع الزمن، حيث ما ان يصلوا الى عمر معين حتى يتم تشغليهم.
فما ان بلغ طه ياسين عمر الاثني عشر عاما حتى اخرج من المدرسة وتم تشغليه في جمع العلب المعدنية لاعادة تصنيعها. يقول: "لا يستطيع والدي ان يعمل، فقد أصيب بالشلل نتيجة الحرب. يتوجب علي العمل لكي اوفر الاموال الى العائلة. نحن فقراء جدا. انا اقوم بجمع علب البيبسي الفارغة وبيعها بسعر 250 دينارا عن كل كيلوغرام واحد."
ويضيف: "ابدأ بالعمل في الساعة السادسة صباحا وانتهي في الساعة السابعة او الثامنة مساء. حينما لا استطيع العمل يهلكنا الجوع."
ويستطرد: "لقد التقيت بالبريطانيين مرات عديدة. وقد كانوا لطفاء وقدموا لي الشكولاتة في بعض الاحيان، وفي احيان اخرى اعطوني مالا."
لكن التحسن الامني المضطرد في الاونة الاخيرة جلب معه سيئات بالنسبة الى الاولاد المهووسين في كرة القدم، والذين ينصبون الملاعب اينما وجدوا مساحة مناسبة لذلك. ويتم اقامة المسابقات بين الاحياء على نحو منتظم، بين مستنقعات مياه المجاري والنفايات السامة المتروكة.
ويصدر المجلس المحلي بين آونة واخرى تحذيرا الى عامة الشعب لتجنب التعرض الى هذه المواقع، لكنهم ضحايا المستقبل، مثل ما هو الحال في كل ما يخص الاطفال في البصرة، هم تاريخ يَنتظر ان يُكتب.
فيما يلي قصص لاطفال تبدأ دائما مع الفقر والخوف في بداية الاحتلال. لكن نظرتهم الان اكثر ايجابية بالمقارنة مع ابائهم.
فاضل حسن، 15 عاما، عامل
في المجلس
"حصلت على عمل في المجلس قبل خمسة واربعين يوما، وانا في غاية السعادة. الحمد لله، سوف تتغير حياتي الان. احصل على 200 دولار كل شهر، وهذا اساس جيد لبناء حياتي. كل شيء يسير نحو الاحسن هنا.
"حينما يتقوى المجتمع تأتي التجارة وكذلك الاستثمارات والزراعة.
"لقد ساعدنا البريطانيون. فقد كنا غارقين في مياه المجاري ويغشانا الظلام والامراض قبل ان يأتوا. انا اشعر ان الوضع اصبح اكثر امنا واكثر حرية بمقدار سبعين مرة. وانا احلم بتكوين اسرة وبناء منزل."
كوثر صادق، 13 عاما، يتيمة تعيش في ملجأ الزهراء
"عشت هنا منذ وفاة والدي قبل سبع سنوات. لدي سبع اخوات وحينما جاءت الحرب اصبحت الامور مرعبة بالنسبة لنا. لكني ادرس الحاسوب في المدرسة الان واشعر بالامان حينما استمع الى الموسيقى والاناشيد الدينية المفضلة لدي. كما انني اتمتع بالمهرجانات والاحتفالات الاخرى. اريد ان اصبح خبيرة بالحاسوب. "آمل اننا قد تجاوزنا احلك الاوقات.
علي نجم، 15 عاما، طالب في اعدادية الكفاح
الامور احسن الان 100%. هناك المزيد من الاستقرار، لكن الاشياء السيئة مازالت تحدث. بات بامكاننا الاحتفال والشعور بحرية اكبر من قبل. لكني مازلت خائفا. اريد ان اساعد في جعل هذه المدينة هي الافضل في الخليج.
"حينما فاز العراق بكأس اسيا لكرة القدم، اقمنا احتفالاتنا بالدفوف والاغاني. لكن اعضاء المليشيا اعتقلوني وحلقوا رأسي. لقد منعوا أي شخص من التمتع بتلك اللحظات.
لقد مضى عقد من الزمان او يزيد من الاهمال وهناك الكثير من العمل لينجز هنا. نريد مكتبات ونحتاج الى نواد رياضية ومدارس موسيقى.
غير ان حياة عائلتي قد تحسنت. فبعد العام 2003 عمل والدي في سوق السيارات وقد ابلى بلاء حسنا. لم تكن هناك قيود مثل التي كانت في زمن صدام. لقد تم بناء مدرج لملعب، ولكنه بعيد جدا عن المدينة ونحتاج الى المزيد.
"طموحي ان اصبح ضابطا في الجيش. احب بلدي واريد ان اكون مخلصا له. واريد ان ادحر الاعداء في المستقبل."
مهدي عبد الله، 15 عاما،
عامل بناء
وجدت عملا في البناء منذ ستة اشهر. احصل على 130 دولارا في الشهر. تركت مقاعد الدراسة مبكرا، لاني اضطررت الى ذلك. ليس لدى عائلتي أي مورد.
"احلم بان يستمر الاستقرار هنا وان يجد الناس عملا وان يعيشوا حياتهم بكرامة. انا لا اطلب ثروة او كنزا. كل ما اصبو اليه هو الكرامة المجردة. اشعر بالارتياح الان لان لدي عملا. اريد ان اتزوج وان اعيل نفسي وعائلتي.
"تعوم البصرة على بحر من النفط. وقد كان لها على الدوام وسائل للحفاظ على الناس فوق الماء (تمنعهم من الغرق). بامكاننا ان نرفعها اكثر فاكثر، ونتحول الى مرحلة جديدة من حياتنا هنا."
نور مناي، 15 عاما، طالبة
في اعدادية الفراهيدي
"فررنا من منزلنا في حي الشعب ببغداد قبل ثلاثة اعوام بسبب العنف. وقد ظن والدي ان البصرة ستكون اكثر امنا. وقد كانت كذلك باديء الامر، لكن المليشيات خربت الوضع الامني. اما الان فقد بدأ الامر ينعكس نحو الاحسن من جديد.
"بعد شن العملية العسكرية التي أجلت المليشيات (في آذار 2008)، تركني والدي اذهب الى المدرسة بدون ان يصحبني احد. وكان هذا هو الوضع في السابق.
"لكني لم استطع الذهاب الى المدرسة طوال العام 2006. وصعب علي التفكير حينذاك بانني قد لا اكمل دراستي. لكن والدي وعدني بان الظروف سوف تتغير. وقد تغيرت بالفعل. انا سعيدة للغاية.
"بامكاني الان الذهاب الى السوق وزيارة الاصدقاء، لكن مازلنا نفتقد النوادي الرياضية ودور السينما والمسارح. ارغب في ان اصبح عالمة حاسوب وان اساعد والدي، فهو مهندس وقد اصبح موسور الحال الان."
عمار موسى، 12 عاما، بائع رصيف يبيع العلكة والمناديل
"عملت في هذا التقاطع منذ عام 2003 وقد اصبحت الامور افضل بكثير. زاد دخلي واستطيع العمل بامن بدون انفجارات. استطيع ان ابقى هنا من الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، في الصيف والشتاء. يمكنني شراء الملابس والطعام.
"اعيش مع امي وابي واخواتي الاربع، كما حصل والدي على عمل يومي. لقد كان من النادر ان يعمل في عام 2007.
"اذا بقي الوضع الامني على ما هو عليه الان، فسوف يأتي السلام الينا جميعا. وعندها ربما احصل على عمل افضل.
محمد منهل، 9 اعوام، تلميذ مدرسة ابتدائية
"لقد تحسنت حياتي كثيرا مؤخرا. تدعني والدتي العب كرة القدم والتنس ورياضات اخرى مع اصدقائي، حتى وان كانت صالة اللعب بعيدة عن المنزل. ونحن نلعب في الطرقات لساعتين بعد الظهر واستطيع ان افعل أي شيء معظم الاوقات.
غير ان المشكلة الكبرى في حياتنا هي الكهرباء، خصوصا في الليل. نحن نحتاج اليها في الدراسة ومشاهدة قنوات الرياضة على التلفاز. لقد كان هناك تحسن ضئيل، لكننا نحتاج اليها على مدى 24 ساعة، وليس لست الى عشر ساعات التي نحصل عليها الان. اريد ان اصبح مهندسا في يوم من الايام لكي اصلح الكهرباء.
"قبل عام 2007 حبستني امي في المنزل بسبب الوضع الامني في البصرة. كما انها لم تدعني حتى ان اذهب الى المدرسة، ولم استطع اللعب خارجا ابدا. وهي تقول ان الكثير من الاطفال اختطفوا في البصرة. لكن كلانا يشعر بالارتياح اكثر الان.
"وقد ذهبت في الصيف الماضي الى سوريا لقضاء العطلة. وفي ايام الجمع نذهب الى المتنزه او الى النهر. غير ان مدرستي ليست جيدة. فهي قديمة ومتهالكة ونحن بحاجة الى تجهيزات وطرق تدريس جديدة."
صبيحة احمد، 12 عاما، منظمة الزهراء للايتام
"اتيت الى هنا قبل ثلاثة اعوام، بعد ان توفي والدي. وقد عشت حياة طبيعية. احب مدرساتي، وهن في غاية اللطف معي وجيدات في تدريسهن. انا ادرس في مدرسة الزهراء الابتدائية وهم ينظمون الكثير من الاحتفالات، مع اداء مسرحي ومعارض فنية. اريد ان اصبح محترفة موسيقى في يوم من الايام.
اوس فؤاد، 15 عاما، طالب
في اعدادية الكفاح
"كانت الامور مأساوية هنا قبل عام 2003. فقد عشنا في الجبهة الامامية لثلاثة حروب وعانينا اكثر من أي المحافظات العراقية الاخرى. لقد عشنا في فقر مدقع. وكانت هناك مشاكل في القطاع الصحي والقطاع التعليمي ولم يكن بامكاننا تحمل نفقات الذهاب الى المدرسة. وقد حصل والدي على عمل في جامعة البصرة حيث كان راتبه عشرة دولارات في الشهر فقط.
"لدي ثلاثة اخوة واختين. وقد تركتنا امنا بسبب ظروفها. لكن بعد عام 2003 حدث تحول في حياة عائلتي. اصبح والدي معاون عميد احدى الكليات في جامعة البصرة، ويصل راتبه الان الى الفي دولار في الشهر. وقد عدت الى المدرسة وكذلك عاد اليها اخواني واخواتي.
بإمكاني الآن أن العب كرة السلة، التي احبها كثيرا، وبامكاننا الولوج الى شبكة الملعومات الدولية (الانترنت). كما نستطيع التفكير بالسفر.
"وقد تحسنت الامور مرة اخرى عام 2008. يمكنني الان ان ارتحل في سفرة مدرسية والبقاء خارج المنزل حتى الساعة العاشرة او الحادية عشرة مساء. اريد ان اصبح طبيبا حتى اعتني بالاجيال القادمة من اطفال البصرة، فهم يستحقون الافضل."
حامد جاسم، 11 عاما، عامل خردة
"اعمل مع اطفال اخرين لكي نكسب بعض المال من اجل عوائلنا. توفي والدي نتيجة المرض عام 2005. ويعمل معي ايضا اخي الاصغر واسمه علي ويبلغ تسعة اعوام من العمر.نبدأ العمل في الساعة الخامسة من صباح كل يوم، لاننا اذا نهضنا للعمل باكرا فسوف نجد المزيد من الخردة لنجمعها. نحن بالكاد نستطيع ان نوفر طعامنا.
"نحن نعيش في مبنى مدمر تابع للامم المتحدة. ليس هناك من جدران في هذه البناية، لكننا مع ذلك في حال افضل من حالنا عام 2007. واحصل على دولار واحد او دولارين كل يوم، لكن الحياة بدأت تسير نحو الافضل. فقد تحسن دخل عائلتي، وإذا عملت بجد اكبر احصل على ايراد اكثر. اريد ان اعمل في المجلس في المستقبل، او ان اصبح جنديا.
"السلام هو الكنز الاثمن في حياتي. انه يعني اننا يمكننا ان نعيد بناء الاشياء، وان نلعب في بعض الاحيان مع الاصدقاء."
Thursday, April 30, 2009
ماذا خلف البريطانيون بعد ست سنوات في البصرة؟
عن: الغارديان
ترجمة: علاء غزالة
يقوم مارتن جلوف، بتقييم وضع البصرة بعد رحيل القوات البريطانية عن العراق، وهي المدينة التي أصبحت اكثر امنا ولكنها أيضا تفتقر جديا الى البنية التحتية. امضى الدكتور رياض عامر حياته في العمل في النظام الصحي بالبصرة، الذي هو عبارة عن مستشفيات تشبه المستشفيات الميدانية في الحرب العالمية الاولى، ذات ردهات تذكر بالقاعات التي وصفها تشالز ديكنز، وهي بذلك تـُعد من بين الاسوأ في العراق. يقول الدكتور عامر ان الكثير من العاملين في القطاع الصحي رحبوا بالبريطانيين حينما قدِموا قبل ست سنوات، لاعتقادهم ان الدبابات والجنود سوف يجلبون معهم الموارد والخبرات التي يفتقر اليها الناس، والتي لم يحصلوا عليها ابدا تحت حكم صدام. ويضيف: "لقد كان الوضع شديد البؤس هنا بين العامين 1980 و2003 لقد كان بحالة من الاهمال الكامل". واليوم بينما تتهيأ بريطانيا لانهاء احتلالها للعراق، فان الدكتور عامر الذي عُيّن مديرا عاما لصحة البصرة في العام الماضي، يَدعي انه قد تحقق الكثير.
يقول: " في اقل تقدير اصبح للنظام الصحي اساس الان. انه مايزال غير كافٍ لسد احتياجاتنا، لكننا في وضع افضل مما كنا عليه في السابق".
وهو يقدر ان نحو80% من الإنشاءات والأبنية التي خطط لها في عام 2003 قد انجزت بالفعل، بينما سيتم انجاز المتبقي منها في نهاية العام الحالي. من هذه المنشأت مستشفى للأطفال والذي يضم 150 سريراً.
ويضيف الدكتور عامر: "لدينا الان 12 مستشفى في مركز المدينة وستة في الاقضية ومستشفى للاطفال، إضافة الى مركز جراحي متخصص يتحدث الكويتيون بشأنه." كما توجد 20 مركزا صحيا شعبيا، إضافة الى جناح متخصص بامراض القلب. لكن سيكون هناك اختبار اخر قريبا، مثل الحفاظ على الزخم وتطوير مهارات الكوادر، التي يقول عامر انها انخفضت بحدة على مدى عقد ونصف من التخبط، ويؤكد ان "ذلك هو هاجسنا الان، هناك عجز في نوعية العناية الصحية التي نقدمها، خصوصاً في مجالي الاسعافات الاولية والتمريض. فعلى سبيل المثال نمتلك الان 150 سيارة اسعاف، لكن واحدة فقط من بين كل عشر يتم استخدامها، لاننا لا نمتلك الكوادر المدربة الكافية. من الممكن ان نفقد كل ما حققناه بسرعة".
مثلما يمكن أن تنتكس جميع المنجزات التي تحققت في الخدمات الاساسية، مثل الكهرباء والخدمات المدنية ونمو السياحة، التي شهد الكثير منها تطوراً ملموساً.
تدعي القوات البريطانية المغادرة انها لعبت دورا اساسيا في تحقيق الامن، وهو الاساس الضروري الذي تعتمد عليه كافة القطاعات للوقوف على أقدامها. يأخذ البصراويون على عاتقهم الحفاظ على الاستقرار الهش، بدلالة التحسن الامني المضطرد، وقد فاجأوا حقا العديد من العوائل العائدة زرافات ووحدانا بعمرانهم المقاهي على ضفاف شط العرب والاحياء السكنية الخضر، حتى ان مكتب السياحة في البصرة كشف عن انه قد تم افتتاح ستة محال لبيع الخمور، لقد كان بيع الخمر قبل اثني عشر شهراً كافياً لإعدام الفاعل على يد المليشيات التي كانت تدير المدينة، وحتى بعد اكثر من عام على فرار المليشيات، لا يُنظر الى الوضع الامني على انه مسلم به.
يقول جواد لطيف، صاحب متجر في منطقة العشار ويبلغ 39 عاما من العمر: "يمكنني ان اقول ان الحياة طبيعية بنسبة 90% في مدينة البصرة الان، لقد اندحرت المليشيات بشكل كبير، نحن نقول ان اليوم افضل من الامس، وسيكون الغد افضل منهما، وستثبت صحة ذلك بمشيئة الله". ويستطرد قائلاً: "يساعد الاستقرار الامني الناس على العمل، واليوم يستطيع اولادي الذهاب الى المدرسة بدون خوف على الرغم من حدوث انفجارات من حين لآخر، مثل تفجير العبوة الناسفة على جانب الطريق يوم امس، وقد منعت اولادي من الذهاب الى المدرسة قبل عملية صولة الفرسان (وهي العملية العسكرية التي شنتها الحكومة لتطهير المدينة)، اما الان فباستطاعتهم الذهاب الى المدرسة، لكنني ما انفك اضع عيني عليهم طوال الوقت".
وقد بُعثت الشرطة العراقية، التي كانت مخترقة بشكل كبير في البصرة، في غضون الاشهر الاثني عشر الماضية، على انهم حماة المدينة الجدد، كما ان عناصرها تكتسب –بثبات– ثقة الشعب، الذي كان لديه في السابق سبب في الخوف منهم.
يقول احمد سالم، وهو عامل فندق: "لقد كان الوضع رهيباً، فقد قتلت المليشيات الكثير من الرجال والنساء الأبرياء، وعادة ما كانت النسوة يقتلن بناءاً على شائعات بانهن سيئات، بلا دليل على الإطلاق، وقد قتلت صيدلانيات وطبيبات ومدرسات لانهن لم يرتدين الحجاب.
لم تذهب جميع عناصر المليشيات، ولكن 50% منهم ذهبوا، اما الباقون فهم هادئون، لان القوات العراقية قد اصبحت اكثر قوة".
يعود أعضاء بعض المليشيات بشكل متزايد، وكان بعضهم انتمى إليها لأسباب فكرية تنظيرية والبعض الاخر مجرد انتهازيين استغلوا فترة الفراغ الامني من اجل ابتزاز وقتل الاغنياء. كما ان بعضهم قد اطلق سراحه من المعتقلات العراقية، بينما اطلق سراح البعض الاخر من المعتقلات التي تديرها القوات الاميركية والتي تقوم بالافراج عن 1500 معتقل شهريا، حيث انها ستغلق السجنين اللذين تديرهما بنهاية العام.
ولم تؤدِ عودة الرجال المشتبه بانتمائهم الى المليشيات، حتى الان، الى قدح شرارة العنف، يقول مدير شرطة منطقة البصرة، العقيد جواد: "نحن نعرف اين هم ومن هم. لقد ذهبوا في السابق مع مصدر القوة، وهم يعلمون اننا الان نحن مصدر القوة".
وقد قامت المليشيات، في عزّ سطوتها، بتحطيم الخدمات الاساسية المتهالكة اصلا بهدف اعادة المجتمع الى الوراء، وقد تعرضت منشآت الكهرباء الرئيسة الى هجمات متكررة، غير انها لم تستعد عافيتها بعد.
يقول هاشم لعيبي، المتحدث باسم لجنة الكهرباء في البصرة: "يبلغ معدل تجهيز الكهرباء في المدينة ثلاثاً الى أربع ساعات يوميا. لكن قطع الكهرباء سوف يزيد في فصل الصيف نتيجة الاحمال الاضافية من مكيفات الهواء والمراوح والأدوات الكهربائية الأخرى".
وترتبط شبكة توزيع كهرباء البصرة مع شبكة التوليد في بغداد، التي تُجهز جميع انحاء البلاد.
يقول لعيبي ان شبكة كهرباء البصرة، التي عفّا عليها الزمن، تكافح من اجل الحصول على تجهيز اكثر من بغداد، ويضيف: "لقد استنزفت جميع قدرات الشبكات، فقد تم بناؤها في السبعينيات والثمانينيات، حتى ان مجرد محاولة تحديثها لن تفلح في تحسين الوضع، يجب علينا ان نبدأ من جديد". وبغية البدء من الصفر فان الكلف ستكون مرتفعة والمدد ستكون طويلة، ما يمنع المستثمرين الاجانب من الاستثمار في هذا القطاع. كما ان المساعدات التي قدمها الجيش البريطاني والوكالات الحكومية كانت محدودة. يقول لعيبي: "لقد زادت مساهمتهم بعد عملية صولة الفرسان.
غير انهم لم يقدموا مشاريع ستراتيجية، وان بنوا مشاريع صغيرة وفرت فرص عمل، ورمموا بعضا من محطات الكهرباء الصغيرة (التي تعرض الكثير منها الى التدمير اثناء القتال)". ويمضي لعيبي الى القول: "من ناحية اخرى، انفقت قوات التحالف مئات الملايين من اجل بناء معتقل بوكا، بينما مايزال 3,5 مليون بصراوي بدون كهرباء في معظم الاحيان.
ان هذه الخدمة هي خدمة أساسية لبناء المجتمع، حيث ان اغلب الحرف والوظائف تعتمد على الكهرباء، وبدونها ليس للناس من عمل".
وبالمثل، لا يملك الناس وسيلة أو طريقة لتشغيل المعدات الثقيلة التي هم بأمس الحاجة اليها لتنظيف شبكات القنوات المائية التي تخترق اقطار المدينة، والتي تعاني من تراكم النفايات والمياه الأسنة، تلك المواد السامة التي تخلفت عن اجيال بسبب الإهمال.. تسبح في هذه القنوات الملايين من القناني البلاستيكية الى جانب هياكل السيارات الغارقة وبرج لخزان ماء غريب الشكل قد تمكن منه الصدأ منذ حرب الخليج الاولى، أي قبل 18 عاما، ولم تبدأ البلدية بعد في التعامل مع المشاكل الصحية الناجمة عن البرك الخضر والقرمزية العفنة، والمتجمعة من مياه المجاري ومخلفات المعامل الصناعية، والتي تمتد على جوانب اراض جرداء تستخدم حاليا كملاعب لكرة القدم. وفي الضواحي، ترى اكواما من هياكل السيارات المجمعة فوق بعضها البعض والتي تغطي المنطقة المنبسطة المحيطة بالبصرة، ترسم صورة مماثلة لحضائر سيارات الخردة في افلام (ماد ماكس).
يقول جمال خلف، رئيس مجلس البصرة: "يعتبر سكان مدينة البصرة ان رفع الانقاض من المناطق المحيطة بالمدينة هو من اولى الأولويات، لكننا لا نملك الآليات اللازمة للقيام بذلك".
وكان القائد الأميركي في العراق، الجنرال رأي اوديرنو، قد قال في احتفالية استبدال القوات البريطانية بالقوات الاميركية، والتي اقيمت في القاعدة البريطانية بالبصرة، ان واحدا من كل اربعة من سكان البصرة لديه ماء صالح للشرب في مسكنه، وان واحدا من كل عشرة يرتبط منزله بالمجاري. يقول خلف: "ربما تكون الارقام اقل من تلك، ليست هناك بنية تحتية، ولم نشهد جهوداً في السنوات الست المنصرمة من اجل تغيير ذلك".
يقول احمد حسن، وهو مدير احدى شركات تأجير الآليات الثقيلة في البصرة، ان معظم عمله يأتي من المجلس. وهو قد يكون افضل قصة نجاح في الاعمال امكن لنا ان نعثر عليه في البصرة في الوقت الحالي، غير ان محدودية عدد الشاحنات الحوضية ومعدات التنظيف التي يمتلكها لم تمكنه من تحقيق تأثير كبير في حل هذه المشكلة التي يقدر المجلس انها تكلف المليارات من الدولارات وزمنا يمتد عشر سنوات للوصول الى حل نهائي.
وهو يقول: "احصل على مبلغ يتراوح بين 100 الى 300 دولار في اليوم الواحد عن تأجير الآليات. لكن حتى في ميدان عملي يتوجب علي ان اتعامل مع وسيط من البلدية، يستقطع جزءاً من وارداتي، تلعب المحسوبية والرشوة دورا كبيرا في هذا المجال". يقع على أطراف مدينة البصرة الجنوبية والشمالية عدد من حقول النفط الضخمة التي يُنظر اليها على انها ستكون في المستقبل عصب الحياة للمدينة، لكن حتى هذا المورد الوحيد الملموس شابته حالة من عدم اليقين هذا العام بسبب انخفاض اسعار النفط العالمية، والتي اجبرت بغداد على اعادة النظر في الموارد المتوقعة، وبالتالي الميزانية المخصصة لكل من المحافظات الثماني عشرة. كما ان تناقص الدخل يلقي بظلاله ايضا على مستويات البطالة، والتي ارتفعت من 35% اواسط عام 2005 الى 71% في كانون الثاني الماضي. وكان من المتوقع ان ينخفض هذا الرقم اكثر من ذلك مع وعود بتوفير الوظائف في صفوف الشرطة، ومنظومة توزيع المياه، واعمال المجاري والتنظيف، لكن يتوقع الان ان يتوقف النمو في الوظائف، او حتى ان ينعكس.
غير ان دبلوماسيين غربيين ينظرون الى انخفاض واردات النفط وتأثيره على الموازنات المحلية على انه سبب محتمل لقلاقل سياسية، فهم يخشون ان تضيع المكاسب الامنية التي حصلت خلال الشهور الاثني عشر الماضية بسهولة اذا ادى التقليل في الموازنات الى تعطيل مشاريع الخدمات التي طالما قطعت الوعود بتنفيذها. يقول مسؤول بريطاني رفيع المستوى: "انهم الان في موقف لا يُحسدون عليه.
فما ان تمكنوا من وضع العملية الأمنية على المسار الصحيح، حتى بدأوا يواجهون ازمة موازنة سوف لن تساعدهم في كسب رضا المحافظات".
ويُقر علي الدباغ، المتحدث باسم الحكومة، بوجود الازمة. فهو يقول، من مكتبه ببغداد: "هذا هو احد التحديات التي نواجهها، ليس فقط في عام 2009 وانما في العام 2010 كذلك.
على العموم، لدى العراق إمكانات جيدة، والتي يمكن ان تتحقق عن طريق الديون او الاستثمارات الخاصة او اية وسائل اخرى. لكن لا احد يستطيع ان ينكر التحديات التي نواجهها".
ويستطرد قائلا: "نحن لا ننكر ان توفير الخدمات وخلق الوظائف سوف يساعدان في الموقف السياسي، اعتقد ان القطاع الخاص يمكن ان يكون له دور في التعويض عن تخفيض الميزانية. حيث يمكن له ان يوفر وظائف تسد النقص الحاصل نتيجة انخفاض اسعار النفط".
يقول محافظ البصرة ، محمد الوائلي: "سوف نتلقى فقط 150 مليون دولار من بغداد هذا العام.
يمثل هذا اقل من ربع الميزانية التي طالبت بها، ومع ذلك فهي قد تكون خاضعة الى التخفيض لاحقا"، وهو يعتقد انه يجب ان يتاح المجال للاستثمارات الاجنبية، وهي الخطوة التي اصبحت ممكنة الان مع تحقيق المكاسب الأمنية.
ويضيف: "يجب ان نبني منشآت قوية ومقتدرة هنا، ويمكن لها ان تدوم لسنوات طويلة، لقد قدم البريطانيون بعض برامج المساعدة هنا، لكن كان بإمكانهم فعل المزيد، اكثر بكثير، لقد تعقد وجودهم مع تفشي المليشيات، حتى انهم لم يغادروا قاعدتهم لمدة طويلة".
ولم يشاهد لطيف، صاحب متجر في البصرة، البريطانيين بكثرة عندما كانوا هنا، لكنه يقول انه مقتنع بما حققه وجودهم، ويضيف: "حتى في احلك الاوقات، كنت ارى وضع البصرة افضل مما كان تحت حكم نظام صدام، حينما اتهمني البعثيون بالخروج على القانون وحاولوا قتلي في خضم الانتفاضة عام 1991".
ويستطرد قائلا: "لم يقدم البريطانيون الكثير للعراقيين، ولم يكن ما قدموه بالمقدار الذي توقعناه. لكنهم جلبوا الديمقراطية".
ويؤكد: "قد تكون البصرة هي مدينة المستقبل. انها بوابة العراق الى الخليج ومواردها هائلة. لدينا الغاز والنفط والماء والنخيل. سوف نصل الى ما نصبو اليه في يوم من الأيام".
ترجمة: علاء غزالة
يقوم مارتن جلوف، بتقييم وضع البصرة بعد رحيل القوات البريطانية عن العراق، وهي المدينة التي أصبحت اكثر امنا ولكنها أيضا تفتقر جديا الى البنية التحتية. امضى الدكتور رياض عامر حياته في العمل في النظام الصحي بالبصرة، الذي هو عبارة عن مستشفيات تشبه المستشفيات الميدانية في الحرب العالمية الاولى، ذات ردهات تذكر بالقاعات التي وصفها تشالز ديكنز، وهي بذلك تـُعد من بين الاسوأ في العراق. يقول الدكتور عامر ان الكثير من العاملين في القطاع الصحي رحبوا بالبريطانيين حينما قدِموا قبل ست سنوات، لاعتقادهم ان الدبابات والجنود سوف يجلبون معهم الموارد والخبرات التي يفتقر اليها الناس، والتي لم يحصلوا عليها ابدا تحت حكم صدام. ويضيف: "لقد كان الوضع شديد البؤس هنا بين العامين 1980 و2003 لقد كان بحالة من الاهمال الكامل". واليوم بينما تتهيأ بريطانيا لانهاء احتلالها للعراق، فان الدكتور عامر الذي عُيّن مديرا عاما لصحة البصرة في العام الماضي، يَدعي انه قد تحقق الكثير.
يقول: " في اقل تقدير اصبح للنظام الصحي اساس الان. انه مايزال غير كافٍ لسد احتياجاتنا، لكننا في وضع افضل مما كنا عليه في السابق".
وهو يقدر ان نحو80% من الإنشاءات والأبنية التي خطط لها في عام 2003 قد انجزت بالفعل، بينما سيتم انجاز المتبقي منها في نهاية العام الحالي. من هذه المنشأت مستشفى للأطفال والذي يضم 150 سريراً.
ويضيف الدكتور عامر: "لدينا الان 12 مستشفى في مركز المدينة وستة في الاقضية ومستشفى للاطفال، إضافة الى مركز جراحي متخصص يتحدث الكويتيون بشأنه." كما توجد 20 مركزا صحيا شعبيا، إضافة الى جناح متخصص بامراض القلب. لكن سيكون هناك اختبار اخر قريبا، مثل الحفاظ على الزخم وتطوير مهارات الكوادر، التي يقول عامر انها انخفضت بحدة على مدى عقد ونصف من التخبط، ويؤكد ان "ذلك هو هاجسنا الان، هناك عجز في نوعية العناية الصحية التي نقدمها، خصوصاً في مجالي الاسعافات الاولية والتمريض. فعلى سبيل المثال نمتلك الان 150 سيارة اسعاف، لكن واحدة فقط من بين كل عشر يتم استخدامها، لاننا لا نمتلك الكوادر المدربة الكافية. من الممكن ان نفقد كل ما حققناه بسرعة".
مثلما يمكن أن تنتكس جميع المنجزات التي تحققت في الخدمات الاساسية، مثل الكهرباء والخدمات المدنية ونمو السياحة، التي شهد الكثير منها تطوراً ملموساً.
تدعي القوات البريطانية المغادرة انها لعبت دورا اساسيا في تحقيق الامن، وهو الاساس الضروري الذي تعتمد عليه كافة القطاعات للوقوف على أقدامها. يأخذ البصراويون على عاتقهم الحفاظ على الاستقرار الهش، بدلالة التحسن الامني المضطرد، وقد فاجأوا حقا العديد من العوائل العائدة زرافات ووحدانا بعمرانهم المقاهي على ضفاف شط العرب والاحياء السكنية الخضر، حتى ان مكتب السياحة في البصرة كشف عن انه قد تم افتتاح ستة محال لبيع الخمور، لقد كان بيع الخمر قبل اثني عشر شهراً كافياً لإعدام الفاعل على يد المليشيات التي كانت تدير المدينة، وحتى بعد اكثر من عام على فرار المليشيات، لا يُنظر الى الوضع الامني على انه مسلم به.
يقول جواد لطيف، صاحب متجر في منطقة العشار ويبلغ 39 عاما من العمر: "يمكنني ان اقول ان الحياة طبيعية بنسبة 90% في مدينة البصرة الان، لقد اندحرت المليشيات بشكل كبير، نحن نقول ان اليوم افضل من الامس، وسيكون الغد افضل منهما، وستثبت صحة ذلك بمشيئة الله". ويستطرد قائلاً: "يساعد الاستقرار الامني الناس على العمل، واليوم يستطيع اولادي الذهاب الى المدرسة بدون خوف على الرغم من حدوث انفجارات من حين لآخر، مثل تفجير العبوة الناسفة على جانب الطريق يوم امس، وقد منعت اولادي من الذهاب الى المدرسة قبل عملية صولة الفرسان (وهي العملية العسكرية التي شنتها الحكومة لتطهير المدينة)، اما الان فباستطاعتهم الذهاب الى المدرسة، لكنني ما انفك اضع عيني عليهم طوال الوقت".
وقد بُعثت الشرطة العراقية، التي كانت مخترقة بشكل كبير في البصرة، في غضون الاشهر الاثني عشر الماضية، على انهم حماة المدينة الجدد، كما ان عناصرها تكتسب –بثبات– ثقة الشعب، الذي كان لديه في السابق سبب في الخوف منهم.
يقول احمد سالم، وهو عامل فندق: "لقد كان الوضع رهيباً، فقد قتلت المليشيات الكثير من الرجال والنساء الأبرياء، وعادة ما كانت النسوة يقتلن بناءاً على شائعات بانهن سيئات، بلا دليل على الإطلاق، وقد قتلت صيدلانيات وطبيبات ومدرسات لانهن لم يرتدين الحجاب.
لم تذهب جميع عناصر المليشيات، ولكن 50% منهم ذهبوا، اما الباقون فهم هادئون، لان القوات العراقية قد اصبحت اكثر قوة".
يعود أعضاء بعض المليشيات بشكل متزايد، وكان بعضهم انتمى إليها لأسباب فكرية تنظيرية والبعض الاخر مجرد انتهازيين استغلوا فترة الفراغ الامني من اجل ابتزاز وقتل الاغنياء. كما ان بعضهم قد اطلق سراحه من المعتقلات العراقية، بينما اطلق سراح البعض الاخر من المعتقلات التي تديرها القوات الاميركية والتي تقوم بالافراج عن 1500 معتقل شهريا، حيث انها ستغلق السجنين اللذين تديرهما بنهاية العام.
ولم تؤدِ عودة الرجال المشتبه بانتمائهم الى المليشيات، حتى الان، الى قدح شرارة العنف، يقول مدير شرطة منطقة البصرة، العقيد جواد: "نحن نعرف اين هم ومن هم. لقد ذهبوا في السابق مع مصدر القوة، وهم يعلمون اننا الان نحن مصدر القوة".
وقد قامت المليشيات، في عزّ سطوتها، بتحطيم الخدمات الاساسية المتهالكة اصلا بهدف اعادة المجتمع الى الوراء، وقد تعرضت منشآت الكهرباء الرئيسة الى هجمات متكررة، غير انها لم تستعد عافيتها بعد.
يقول هاشم لعيبي، المتحدث باسم لجنة الكهرباء في البصرة: "يبلغ معدل تجهيز الكهرباء في المدينة ثلاثاً الى أربع ساعات يوميا. لكن قطع الكهرباء سوف يزيد في فصل الصيف نتيجة الاحمال الاضافية من مكيفات الهواء والمراوح والأدوات الكهربائية الأخرى".
وترتبط شبكة توزيع كهرباء البصرة مع شبكة التوليد في بغداد، التي تُجهز جميع انحاء البلاد.
يقول لعيبي ان شبكة كهرباء البصرة، التي عفّا عليها الزمن، تكافح من اجل الحصول على تجهيز اكثر من بغداد، ويضيف: "لقد استنزفت جميع قدرات الشبكات، فقد تم بناؤها في السبعينيات والثمانينيات، حتى ان مجرد محاولة تحديثها لن تفلح في تحسين الوضع، يجب علينا ان نبدأ من جديد". وبغية البدء من الصفر فان الكلف ستكون مرتفعة والمدد ستكون طويلة، ما يمنع المستثمرين الاجانب من الاستثمار في هذا القطاع. كما ان المساعدات التي قدمها الجيش البريطاني والوكالات الحكومية كانت محدودة. يقول لعيبي: "لقد زادت مساهمتهم بعد عملية صولة الفرسان.
غير انهم لم يقدموا مشاريع ستراتيجية، وان بنوا مشاريع صغيرة وفرت فرص عمل، ورمموا بعضا من محطات الكهرباء الصغيرة (التي تعرض الكثير منها الى التدمير اثناء القتال)". ويمضي لعيبي الى القول: "من ناحية اخرى، انفقت قوات التحالف مئات الملايين من اجل بناء معتقل بوكا، بينما مايزال 3,5 مليون بصراوي بدون كهرباء في معظم الاحيان.
ان هذه الخدمة هي خدمة أساسية لبناء المجتمع، حيث ان اغلب الحرف والوظائف تعتمد على الكهرباء، وبدونها ليس للناس من عمل".
وبالمثل، لا يملك الناس وسيلة أو طريقة لتشغيل المعدات الثقيلة التي هم بأمس الحاجة اليها لتنظيف شبكات القنوات المائية التي تخترق اقطار المدينة، والتي تعاني من تراكم النفايات والمياه الأسنة، تلك المواد السامة التي تخلفت عن اجيال بسبب الإهمال.. تسبح في هذه القنوات الملايين من القناني البلاستيكية الى جانب هياكل السيارات الغارقة وبرج لخزان ماء غريب الشكل قد تمكن منه الصدأ منذ حرب الخليج الاولى، أي قبل 18 عاما، ولم تبدأ البلدية بعد في التعامل مع المشاكل الصحية الناجمة عن البرك الخضر والقرمزية العفنة، والمتجمعة من مياه المجاري ومخلفات المعامل الصناعية، والتي تمتد على جوانب اراض جرداء تستخدم حاليا كملاعب لكرة القدم. وفي الضواحي، ترى اكواما من هياكل السيارات المجمعة فوق بعضها البعض والتي تغطي المنطقة المنبسطة المحيطة بالبصرة، ترسم صورة مماثلة لحضائر سيارات الخردة في افلام (ماد ماكس).
يقول جمال خلف، رئيس مجلس البصرة: "يعتبر سكان مدينة البصرة ان رفع الانقاض من المناطق المحيطة بالمدينة هو من اولى الأولويات، لكننا لا نملك الآليات اللازمة للقيام بذلك".
وكان القائد الأميركي في العراق، الجنرال رأي اوديرنو، قد قال في احتفالية استبدال القوات البريطانية بالقوات الاميركية، والتي اقيمت في القاعدة البريطانية بالبصرة، ان واحدا من كل اربعة من سكان البصرة لديه ماء صالح للشرب في مسكنه، وان واحدا من كل عشرة يرتبط منزله بالمجاري. يقول خلف: "ربما تكون الارقام اقل من تلك، ليست هناك بنية تحتية، ولم نشهد جهوداً في السنوات الست المنصرمة من اجل تغيير ذلك".
يقول احمد حسن، وهو مدير احدى شركات تأجير الآليات الثقيلة في البصرة، ان معظم عمله يأتي من المجلس. وهو قد يكون افضل قصة نجاح في الاعمال امكن لنا ان نعثر عليه في البصرة في الوقت الحالي، غير ان محدودية عدد الشاحنات الحوضية ومعدات التنظيف التي يمتلكها لم تمكنه من تحقيق تأثير كبير في حل هذه المشكلة التي يقدر المجلس انها تكلف المليارات من الدولارات وزمنا يمتد عشر سنوات للوصول الى حل نهائي.
وهو يقول: "احصل على مبلغ يتراوح بين 100 الى 300 دولار في اليوم الواحد عن تأجير الآليات. لكن حتى في ميدان عملي يتوجب علي ان اتعامل مع وسيط من البلدية، يستقطع جزءاً من وارداتي، تلعب المحسوبية والرشوة دورا كبيرا في هذا المجال". يقع على أطراف مدينة البصرة الجنوبية والشمالية عدد من حقول النفط الضخمة التي يُنظر اليها على انها ستكون في المستقبل عصب الحياة للمدينة، لكن حتى هذا المورد الوحيد الملموس شابته حالة من عدم اليقين هذا العام بسبب انخفاض اسعار النفط العالمية، والتي اجبرت بغداد على اعادة النظر في الموارد المتوقعة، وبالتالي الميزانية المخصصة لكل من المحافظات الثماني عشرة. كما ان تناقص الدخل يلقي بظلاله ايضا على مستويات البطالة، والتي ارتفعت من 35% اواسط عام 2005 الى 71% في كانون الثاني الماضي. وكان من المتوقع ان ينخفض هذا الرقم اكثر من ذلك مع وعود بتوفير الوظائف في صفوف الشرطة، ومنظومة توزيع المياه، واعمال المجاري والتنظيف، لكن يتوقع الان ان يتوقف النمو في الوظائف، او حتى ان ينعكس.
غير ان دبلوماسيين غربيين ينظرون الى انخفاض واردات النفط وتأثيره على الموازنات المحلية على انه سبب محتمل لقلاقل سياسية، فهم يخشون ان تضيع المكاسب الامنية التي حصلت خلال الشهور الاثني عشر الماضية بسهولة اذا ادى التقليل في الموازنات الى تعطيل مشاريع الخدمات التي طالما قطعت الوعود بتنفيذها. يقول مسؤول بريطاني رفيع المستوى: "انهم الان في موقف لا يُحسدون عليه.
فما ان تمكنوا من وضع العملية الأمنية على المسار الصحيح، حتى بدأوا يواجهون ازمة موازنة سوف لن تساعدهم في كسب رضا المحافظات".
ويُقر علي الدباغ، المتحدث باسم الحكومة، بوجود الازمة. فهو يقول، من مكتبه ببغداد: "هذا هو احد التحديات التي نواجهها، ليس فقط في عام 2009 وانما في العام 2010 كذلك.
على العموم، لدى العراق إمكانات جيدة، والتي يمكن ان تتحقق عن طريق الديون او الاستثمارات الخاصة او اية وسائل اخرى. لكن لا احد يستطيع ان ينكر التحديات التي نواجهها".
ويستطرد قائلا: "نحن لا ننكر ان توفير الخدمات وخلق الوظائف سوف يساعدان في الموقف السياسي، اعتقد ان القطاع الخاص يمكن ان يكون له دور في التعويض عن تخفيض الميزانية. حيث يمكن له ان يوفر وظائف تسد النقص الحاصل نتيجة انخفاض اسعار النفط".
يقول محافظ البصرة ، محمد الوائلي: "سوف نتلقى فقط 150 مليون دولار من بغداد هذا العام.
يمثل هذا اقل من ربع الميزانية التي طالبت بها، ومع ذلك فهي قد تكون خاضعة الى التخفيض لاحقا"، وهو يعتقد انه يجب ان يتاح المجال للاستثمارات الاجنبية، وهي الخطوة التي اصبحت ممكنة الان مع تحقيق المكاسب الأمنية.
ويضيف: "يجب ان نبني منشآت قوية ومقتدرة هنا، ويمكن لها ان تدوم لسنوات طويلة، لقد قدم البريطانيون بعض برامج المساعدة هنا، لكن كان بإمكانهم فعل المزيد، اكثر بكثير، لقد تعقد وجودهم مع تفشي المليشيات، حتى انهم لم يغادروا قاعدتهم لمدة طويلة".
ولم يشاهد لطيف، صاحب متجر في البصرة، البريطانيين بكثرة عندما كانوا هنا، لكنه يقول انه مقتنع بما حققه وجودهم، ويضيف: "حتى في احلك الاوقات، كنت ارى وضع البصرة افضل مما كان تحت حكم نظام صدام، حينما اتهمني البعثيون بالخروج على القانون وحاولوا قتلي في خضم الانتفاضة عام 1991".
ويستطرد قائلا: "لم يقدم البريطانيون الكثير للعراقيين، ولم يكن ما قدموه بالمقدار الذي توقعناه. لكنهم جلبوا الديمقراطية".
ويؤكد: "قد تكون البصرة هي مدينة المستقبل. انها بوابة العراق الى الخليج ومواردها هائلة. لدينا الغاز والنفط والماء والنخيل. سوف نصل الى ما نصبو اليه في يوم من الأيام".
اتهامات لأميركيين بسرقة وقود من الجيش الأميركي
عن: نيويورك تايمز
ترجمة: علاء غزالة
في لعبة الثقة التي من شأنها أن تحط من قدر احد أكثر المواقع الأميركية تحصينا في العراق، قامت ثلة من المتعاقدين الأميركيين وسائقي شاحناتهم النيباليين بتزوير مستندات، بدون وجل، من اجل سرقة ما لا تقل قيمته عن 40 مليون دولار قيمة وقود الطائرات والديزل في مستودع عسكري، حسبما جاء في لائحة الاتهام التي أودعتها هيئة المحلفين الكبرى في فرجينيا يوم الجمعة الماضي. وكان الرجال المشتركون في عملية النصب المذهلة التي وقعت في منطقة الحرب، والذين يبلغ عددهم نحو اثني عشر شخصا، قد اعدوا الأوراق الثبوتية المزورة، وخرجوا في الطرقات بهويات مزورة، ما يظهر براعة في تقليد الأوراق الرسمية. وتشير أوراق المحكمة إلى أن هؤلاء الرجال دأبوا على ملء خزانات شاحناتهم بالوقود من المستودع الأميركي الرئيس في مطار بغداد، ومن ثم قيادة الشاحنات إلى مدينة بغداد وبيع الوقود في السوق السوداء المحلية.
كما تنص أوراق الدعوى القضائية على أن تلك العصابة باعت عشرة ملايين غالون من الوقود المسروق خلال عامي 2007 و2008، وربما أكثر من ذلك بكثير، إلى تجار السوق السوداء المعروفين باتصالاتهم مع المتمردين في العراق. كما أنهم معروفون بسيطرتهم على قطاع كبير من هذه السوق بتقاضيهم نسباً عالية من عوائدها.
تصف لائحة الاتهام هذه العملية بطريقة مشابهة لما نشاهده في أفلام التشويق والجريمة الدولية: رسائل الكترونية مشفرة تحتوي على تفاصيل الدفع إلى أعضاء المجموعة، شخص يدعى بونغ يتقمص شخصية عنصر امني،يقوم بتزوير توقيع ضابط التعاقدات الأميركي، السر جنت بوناس. ويقول أعضاء العصابة أنهم عملوا لصالح شركة تسمى (فيوتشر سيرفس، خدمات المستقبل).
كما تقول وثيقة المحكمة أن أعضاء هذه المجموعة لم يجدوا سببا لان يكتفوا بما حصلوا عليه من مال، لأنه كان سهلا جدا، حتى جاء العملاء الفيدراليون. وجاء في إحدى الرسائل الالكترونية التي تم اعتراضها، وكانت قد أرسلت في كانون الثاني من عام 2008 إلى روبرت جون جفري المتهم بالانتماء إلى العصابة: "لا أرى مشكلة، ويمكن لهذا الأمر أن يدوم عاما أو عامين آخرين." لكن لم يتم تعريف المرسل إلا بالحرفين (آر. واي.) في أوراق المحكمة.
غير إن آر. واي. أضاف بلمحة من القلق: "سوف أكون ممتنا لك إذا لم تناقش الجوانب القانونية فيما نقوم به مع أي شخص".
وكانت لائحة الدعوى، التي تم إيداعها في محكمة الكساندريا الفيدرالية بفرجينيا، قد اتهمت السيد جفري، 55 عاما، بالتآمر وسرقة ممتلكات حكومية، وهي الجرائم التي تقول وزارة العدل أن عقوبتها القصوى تصل إلى السجن 15 عاما وغرامة مالية تزيد على 250,000 دولار. وقد تولى عملاء من الأف بي اي التحقيقات التي تضمنت عمليات مراقبة من قبل الوكلاء الفيدراليين واعتراض رسائل الكترونية بالإضافة إلى المقابلات مع المخبرين، كما شارك في التحقيقات مكتب مكافحة تزوير المشتريات الحكومية في وزارة العدل.
يذكر ان لي وليام دوبوا، 32 عاما، وهو من مدينة ليكسينغتون بولاية ساوث كارولاينا، اعترف في أواخر العام الماضي بالمشاركة في عملية النصب هذه، لكن لم ترد غير تفاصيل قليلة حينذاك. ولا يعرف إلا القليل عن أي من الرجلين. فالسيد جفري عاش في الفترة الأخيرة بولاية بنسلفانيا.
وتذكر لائحة الدعوى انه قد يكون عشرة من النيباليين ونحو ستة رجال آخرين، يبدو أنهم عراقيون وأميركيون، متورطين في هذه القضية، وقد أدلى احدهم، وهو الفريدو اغويلار، والذي تمت الإشارة إليه باسم بونغ في الرسائل الالكترونية، أدلى بتفاصيل وافية لعملية النصب إلى المحققين، حيث يتظاهرون بأنهم متعاقدون أميركيون يقومون بحماية القوافل المؤلفة من شاحنات حوضية مزورة، وليس من المعروف إذا كانت قد وجهت اتهامات جنائية إلى السيد اغويلار.
وتؤكد أوراق المحكمة إن الرجال، الذين انتحلوا شخصية متعاقدين أمنيين، قد حازوا على هويات تعريف شخصية صادرة عن وزارة الدفاع، واظهروا وثائق حكومية مزورة لعناصر من الجيش الأميركي والعراقي في متاهة نقاط التفتيش التي تؤدي إلى المستودع الهائل، في كامب فيكتوري (المطار) وما كان على منتسبي الجيش إلا أن يسمحوا للقوافل بالمرور.
ولم توضح وثائق المحكمة إذا كان منتسبو القوات العسكرية الأميركية، وفي الجيش تحديدا، قد تعرضوا إلى استغفال واسع النطاق، أو إنهم كانوا مشتركين في هذه العملية. غير أن المحققين اخلوا سبيل السرجنت ارفنت بوناس وبرأوا ساحته.
وتقول أوراق القضية إن السيد جفري قد استخدم نماذج يبدو إن السرجنت بوناس قد وقعها للحصول على هوية وزارة الدفاع التعريفية في 17 كانون الأول 2007. لكن السرجنت بوناس قال في لقائه مع العملاء الفيدراليين انه لم يكن موجودا في العراق في ذلك الوقت.
و تنص هذه الأوراق على أن: "بوناس قد عاد إلى هاواي في تشرين الثاني من عام 2007، حيث تقاعد من الجيش الأميركي في آيار 2008."
ومع ذلك، فان لائحة الدعوى والأوراق الأخرى لا توضح كيف تمكنت المجموعة من تزوير أو الحصول على تواقيع ضباط الجيش الأميركي على الأوراق الرسمية، مرارا وتكرارا.
وقال اللفتنانت كولونيل كريستوفر غارفر: "طالما كانت هناك إجراءات قضائية جارية بشأن هذه القضية، فمن غير اللائق أن يعلق الجيش عليها في الوقت الحالي".
ترجمة: علاء غزالة
في لعبة الثقة التي من شأنها أن تحط من قدر احد أكثر المواقع الأميركية تحصينا في العراق، قامت ثلة من المتعاقدين الأميركيين وسائقي شاحناتهم النيباليين بتزوير مستندات، بدون وجل، من اجل سرقة ما لا تقل قيمته عن 40 مليون دولار قيمة وقود الطائرات والديزل في مستودع عسكري، حسبما جاء في لائحة الاتهام التي أودعتها هيئة المحلفين الكبرى في فرجينيا يوم الجمعة الماضي. وكان الرجال المشتركون في عملية النصب المذهلة التي وقعت في منطقة الحرب، والذين يبلغ عددهم نحو اثني عشر شخصا، قد اعدوا الأوراق الثبوتية المزورة، وخرجوا في الطرقات بهويات مزورة، ما يظهر براعة في تقليد الأوراق الرسمية. وتشير أوراق المحكمة إلى أن هؤلاء الرجال دأبوا على ملء خزانات شاحناتهم بالوقود من المستودع الأميركي الرئيس في مطار بغداد، ومن ثم قيادة الشاحنات إلى مدينة بغداد وبيع الوقود في السوق السوداء المحلية.
كما تنص أوراق الدعوى القضائية على أن تلك العصابة باعت عشرة ملايين غالون من الوقود المسروق خلال عامي 2007 و2008، وربما أكثر من ذلك بكثير، إلى تجار السوق السوداء المعروفين باتصالاتهم مع المتمردين في العراق. كما أنهم معروفون بسيطرتهم على قطاع كبير من هذه السوق بتقاضيهم نسباً عالية من عوائدها.
تصف لائحة الاتهام هذه العملية بطريقة مشابهة لما نشاهده في أفلام التشويق والجريمة الدولية: رسائل الكترونية مشفرة تحتوي على تفاصيل الدفع إلى أعضاء المجموعة، شخص يدعى بونغ يتقمص شخصية عنصر امني،يقوم بتزوير توقيع ضابط التعاقدات الأميركي، السر جنت بوناس. ويقول أعضاء العصابة أنهم عملوا لصالح شركة تسمى (فيوتشر سيرفس، خدمات المستقبل).
كما تقول وثيقة المحكمة أن أعضاء هذه المجموعة لم يجدوا سببا لان يكتفوا بما حصلوا عليه من مال، لأنه كان سهلا جدا، حتى جاء العملاء الفيدراليون. وجاء في إحدى الرسائل الالكترونية التي تم اعتراضها، وكانت قد أرسلت في كانون الثاني من عام 2008 إلى روبرت جون جفري المتهم بالانتماء إلى العصابة: "لا أرى مشكلة، ويمكن لهذا الأمر أن يدوم عاما أو عامين آخرين." لكن لم يتم تعريف المرسل إلا بالحرفين (آر. واي.) في أوراق المحكمة.
غير إن آر. واي. أضاف بلمحة من القلق: "سوف أكون ممتنا لك إذا لم تناقش الجوانب القانونية فيما نقوم به مع أي شخص".
وكانت لائحة الدعوى، التي تم إيداعها في محكمة الكساندريا الفيدرالية بفرجينيا، قد اتهمت السيد جفري، 55 عاما، بالتآمر وسرقة ممتلكات حكومية، وهي الجرائم التي تقول وزارة العدل أن عقوبتها القصوى تصل إلى السجن 15 عاما وغرامة مالية تزيد على 250,000 دولار. وقد تولى عملاء من الأف بي اي التحقيقات التي تضمنت عمليات مراقبة من قبل الوكلاء الفيدراليين واعتراض رسائل الكترونية بالإضافة إلى المقابلات مع المخبرين، كما شارك في التحقيقات مكتب مكافحة تزوير المشتريات الحكومية في وزارة العدل.
يذكر ان لي وليام دوبوا، 32 عاما، وهو من مدينة ليكسينغتون بولاية ساوث كارولاينا، اعترف في أواخر العام الماضي بالمشاركة في عملية النصب هذه، لكن لم ترد غير تفاصيل قليلة حينذاك. ولا يعرف إلا القليل عن أي من الرجلين. فالسيد جفري عاش في الفترة الأخيرة بولاية بنسلفانيا.
وتذكر لائحة الدعوى انه قد يكون عشرة من النيباليين ونحو ستة رجال آخرين، يبدو أنهم عراقيون وأميركيون، متورطين في هذه القضية، وقد أدلى احدهم، وهو الفريدو اغويلار، والذي تمت الإشارة إليه باسم بونغ في الرسائل الالكترونية، أدلى بتفاصيل وافية لعملية النصب إلى المحققين، حيث يتظاهرون بأنهم متعاقدون أميركيون يقومون بحماية القوافل المؤلفة من شاحنات حوضية مزورة، وليس من المعروف إذا كانت قد وجهت اتهامات جنائية إلى السيد اغويلار.
وتؤكد أوراق المحكمة إن الرجال، الذين انتحلوا شخصية متعاقدين أمنيين، قد حازوا على هويات تعريف شخصية صادرة عن وزارة الدفاع، واظهروا وثائق حكومية مزورة لعناصر من الجيش الأميركي والعراقي في متاهة نقاط التفتيش التي تؤدي إلى المستودع الهائل، في كامب فيكتوري (المطار) وما كان على منتسبي الجيش إلا أن يسمحوا للقوافل بالمرور.
ولم توضح وثائق المحكمة إذا كان منتسبو القوات العسكرية الأميركية، وفي الجيش تحديدا، قد تعرضوا إلى استغفال واسع النطاق، أو إنهم كانوا مشتركين في هذه العملية. غير أن المحققين اخلوا سبيل السرجنت ارفنت بوناس وبرأوا ساحته.
وتقول أوراق القضية إن السيد جفري قد استخدم نماذج يبدو إن السرجنت بوناس قد وقعها للحصول على هوية وزارة الدفاع التعريفية في 17 كانون الأول 2007. لكن السرجنت بوناس قال في لقائه مع العملاء الفيدراليين انه لم يكن موجودا في العراق في ذلك الوقت.
و تنص هذه الأوراق على أن: "بوناس قد عاد إلى هاواي في تشرين الثاني من عام 2007، حيث تقاعد من الجيش الأميركي في آيار 2008."
ومع ذلك، فان لائحة الدعوى والأوراق الأخرى لا توضح كيف تمكنت المجموعة من تزوير أو الحصول على تواقيع ضباط الجيش الأميركي على الأوراق الرسمية، مرارا وتكرارا.
وقال اللفتنانت كولونيل كريستوفر غارفر: "طالما كانت هناك إجراءات قضائية جارية بشأن هذه القضية، فمن غير اللائق أن يعلق الجيش عليها في الوقت الحالي".
Thursday, April 23, 2009
هـل يستطــيــع اوبــامــا ان يترجـم اقوالــه الى افعال؟
عن: الاندبندنت
ترجمة: علاء غزالة
تمثل بداية الحرب على العراق في عام 2003 نقطة تحول حيوية في علاقة الولايات المتحدة مع معظم الدول في المنطقة. يقول وزير الخارجية العراقي، هوشيار زيباري: "لم تشعر ايا من دول الجوار، ولا واحدة منها، بالارتياح للاحتلال الاميركي للعراق." وقد صُدم البيت الابيض من موقف تركيا، حليفتها طويلة الاجل، المتمثل برفضها السماح للقوات الاميركية استعمال الاراضي التركية لغزو العراق. يحاول باراك اوباما، الذي قام باول زيارة رسمية الى تركيا، ان يفك الارتباط مع العراق من دون ان يبدو هاربا منه، او ان يترك الفوضى في البلاد خلفه. وهو يحاول ان يستعيد حلفاءه السابقين، وكما اوضح في خطابه في انقرة ، فهو يسعى الى انهاء المواجهة بين الولايات المتحدة والاسلام، وهو ما كان تراث بوش.
ليس من السهل على اوباما ان يعكس المد المعادي لاميركا، او ان يضع نهاية الى الحروب التي بدأها بوش. ومع كل ادعاءات الحكومة العراقية حول عودة الحياة الطبيعية الى بغداد، فقد شهدت الايام القليلة الماضية تصاعدا في اعمال العنف. ففي اليوم الذي سبق وصول الرئيس الى العراق، انفجرت ست قنابل في اجزاء مختلفة من بغداد، مخلفة 37 قتيلا.
وبقدر ما يود اوباما ان يتعامل مع الحرب في العراق على انها تاريخ قديم، فان الولايات المتحدة مازالت تجهد للنفاذ بجلدها منها. فحقيقة ان الرئيس الاميركي لم يجد مفرا من القدوم الى العراق في زيارة مفـــــاجئــــــــــة، كما فعل جورج بوش وتوني بلير على الدوام لاسباب امنية، تظهر ان الصراع يأبى ان يزول.
وقد بقي رئيس وزراء العراق داخل المنطقة الخضراء معظم الاوقات. ولم يستطع الرئيس الاميركي ان يطير الى المنطقة الخضراء بالطائرات العمودية بسبب الطقس السيئ، ولكن طريق المطار لايزال غير آمن، وتبقى بغداد واحدة من اكثر المدن خطرا في العالم. كما ان الوضع السياسي العراقي قد تبدل نهائيا بعد الغزو الاميركي وسوف يكون من الصعب تشكيل دولة عراقية مستقرة لا تعتمد على الولايات المتحدة. وقد اظهر استطلاع للرأي اجري في العراق ان معظم العراقيين يعتقدون ان الولايات المتحدة، وليست حكومتهم، هي من يسيطر على الاوضاع في بلدهم.
هناك تغيّر واحد يصب في صالح اوباما، وهو ان وسائل الاعلام الاميركية توقفت، الى حد كبير، عن تغطية الصراع (في العراق) بسبب نضوب مواردهم المالية، اضافة الى ان معظم الاميركيين يعتقدون انه قد تم احراز النصر في هذه الحرب. لكن الخطر امام هذا الرئيس انه اذا حدث تفجر في الاوضاع بالعراق فانه قد يُلام على هدر النصر الذي احرزه سلفه.
يُعد تغيير الخطاب الدبلوماسي للولايات المتحدة اسهل من تغيير الحقائق على الارض في العراق وافغانستان. وقد جاء خطاب اوباما امام البرلمان التركي في انقرة رهانا محسوبا بعناية لطمأنة العالم الاسلامي ان الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع الاسلام.
فقد خالف في كل شيء قاله التهديدات المتشنجة التي اطلقها جورج بوش فيما بعد احداث 11 ايلول حول اطلاق "حملة صليبية" والكلام حول مهاجمة المحافظين الجدد لـ" الفاشية الاسلامية" او الادعاء بان هناك "تصادماً في الحضارات."
يكن قادة الدول ذات الغالبية الاسلامية التقدير للنبرة المختلفة لخطاب الولايات المتحدة الرسمي، لكنهم يتساءلون في الجلسات الخاصة عن المدى الذي يمكن فيه لأوباما ان يحدث تغيير حقيقياً.
واعرب الطلبة التركيون في لقائهم مع اوباما في اسنطبول عن شكوكهم في ان الافعال الامريكية سوف تختلف كثيرا في المستقبل عنها تحت حكم بوش. لكن اوباما اجاب بعقلانية انه يجب ان يُمنح الوقت الكافي وان "تحريك سفينة الدولة هي عملية بطيئة." لكنه اشار ايضا الى الانسحاب من العراق على انه علامة على مطابقة الافعال للاقوال.
تقع اسطنبول على الحدود بين اوروبا واسيا، وهو موقع جيد للرئيس الاميركي لكي يعلن عن موقف اكثر تهدئة للعالم الاسلامي. وتمتليء المدينة بالمعالم الفخمة لكل من المسيحية والاسلام، غير ان البلاد شهدت تسامحا دينيا ملموسا اكثر في زمن الامبراطورية العثمانية عنه منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة في عام 1923. وقد زار اوباما الكنيسة البيزنطية العظيمة (آيا صوفيا)، كما اطلعه رجال دين معممون على روائع المسجد الازرق.
بيد ان مشهد النسوة التركيات اللائي ارتدين تنانير قصيرة ولم يعتمرن غطاء الرأس وهن يوجهن الى اوباما اسئلة باللغة الانكليزية بطلاقة يعطي انطباعا خاطئا عن التوازن بين القوى العلمانية والدينية في تركيا الحديثة.
فالحقيقة ان العلمانية في حالة احتضار في العمق الريفي وفي حالة تراجع حتى في اسطنبول ذاتها. والقصابون الذي يبيعون لحم الخنزير اصبحوا قلة بالمقارنة مع عددهم قبل عشرين عاما. وقد اصبح الحصول على المشروبات الروحية صعبا الى حد ما، فيما عدا السياح الاجانب، بسبب الضرائب العالية على الخمور والتكلفة الباهظة للحصول على اجازة بيع الخمور في المطاعم.
ربما تكون الطبقة الوسطى القديمة، خصوصا في اسطنبول وانقرة وازمير، عازمة على الدفاع عن الدولة العلمانية. لكن الشركات الجديدة التي تعرف باسم "النمور الاناضولية" والتي قادت النمو الاقتصادي التركي المذهل، هي مملوكة –عموما– الى العوائل المحافظة التي يرتدي نساؤها الحجاب.
يقول احد الخبراء في الشؤون التركية: "اصبحت تركيا من الناحية الاجتماعية اكثر توجها نحو الدين، على الرغم من ان حزب العدالة والتقدم الحاكم يتحرك بحذر."
تعتمد جهود اوباما من اجل عكس اتجاه السياسة الاميركية نحو العالم الاسلامي، في آخر الامر، على المدى الذي يستطيع فيه ان يغير من السياسة الاميركية تجاه اسرائيل والفلسطينيين، واحتلال العراق، والمواجهة مع ايران وسوريا، والحرب في افغانستان.
وعلى سبيل المثال، فان الايرانيين يلاحظون انه على الرغم من تقرب اوباما الودي نحوهم، الا ان المسؤولين الاميركيين في واشنطن الذين يعملون على تطبيق العقوبات ضدهم هم انفسهم قد تداولوها من ادارة بوش.
اتخذت المواجهة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي فيما بعد احداث 11 ايلول شكل المعارضة للغزو الاجنبي والاحتلال، اكثر منها حول الفروقات الثقافية، فحتى اكثر الدول الاسلامية تنظيرا في الفكر الاسلامي، مثل المملكة العربية السعودية، دعمت الولايات المتحدة الاميركية، كما ان لديها شكوكا في عمق التأثير الذي يمارسه المتعصبون الدينيون على مقاتلي القاعدة.
يقول الميجر ماثيو الكساندر، رئيس المحققين في العراق، والذي يُنسب اليه الفضل في العثور على مخبأ قائد تنظيم القاعدة في العراق، ابو مصعب الزرقاوي، يقول انه لم يعثر من خلال عمليات الاستجواب الـ 1300 التي اشرف عليها الا على شخص واحد فقط يعدّه ايديولوجيا حقيقيا. ويًقتبس عنه قوله: "لقد استمعت المرة تلو الاخرى الى المقاتلين الاجانب، واخرين من العراقيين، يقولون أن السبب رقم واحد الذي دفعهم الى حمل السلاح والالتحاق بالقاعدة هو سوء معاملة المعتقلين في ابو غريب، واعمال التعذيب المرخص بها، والاساءات في معتقل غوانتانامو."
هذا التشخيص من الميجر الكساندر يؤكده تاريخ التطرف الاسلامي في انحاء العالم الاسلامي على مدى السنوات الثلاثين الماضية.
لقد كان نجاح الثورة الايرانية ضد الشاه بين عامي 1978 و1979 هو ما بدأ الحقبة التي اصبح فيها الغرب يرى الاسلام السياسي تهديدا، لكن خطاب آية الله الخميني الى الايرانيين كان يضم على الدوام مشاعر قومية قوية، كما ان نفيه على يد الشاه عام 1964 جاء بسبب جهره بمعارضة منح حقوق استخدام الاراضي الايرانية الى عناصر الجيش الاميركي في ايران.
ان تفوق الاسلام السياسي على القومية العلمانية في العالم العربي كان في الاغلب بسبب قدرة الانظمة السابقة على مقاومة اعداء المجتمع او الدولة. ففي مصر تقوضت قومية جمال عبد الناصر بالهزيمة المذلة في حرب 1967 مع اسرائيل. وفي العراق، كان صدام حسين قائدا كارثيا بلا جدال، وقد بدأت جميع الانظمة العسكرية التي تدعو الى القومية في العالم العربي، او انتهت، بحكم فردي فاسد ووحشي. وعلى النقيض من ذلك، فان الاسلام السياسي كان قادرا على المضي قدما، الى حد ما، في تحقيق وعوده في الدفاع عن المجتمع.
وفي لبنان، تمكن مقاتلو حزب الله بنجاح من التضييق على القوات الاسرائيلية في التسعينيات في الوقت الذي ترك القادة العسكريون، تحت امرة ياسر عرفات، رجالهم وفرّوا بعيدا.
وفي غزة هذا العام، تمكنت حماس من تأطير نفسها على انها الحركة الفلسطينية الوحيدة التي تلتزم بمقاومة اسرائيل.
وفي العراق، لم تتمكن القاعدة من اثبات وجودها حتى اظهرت نفسها على انها معارضة للاحتلال الاميركي، وعلى انها حليف للقوميين العراقيين، برغم انها حليف لا يتوانى عن اعمال القتل، ذو نهج فكري متطرف.
اما في افغانستان، فقد تحلـّت حركة طالبان بصفة مقاتلة المحتل الاحنبي.
ومن ناحية ثانية، فان الحركات العلمانية
ترجمة: علاء غزالة
تمثل بداية الحرب على العراق في عام 2003 نقطة تحول حيوية في علاقة الولايات المتحدة مع معظم الدول في المنطقة. يقول وزير الخارجية العراقي، هوشيار زيباري: "لم تشعر ايا من دول الجوار، ولا واحدة منها، بالارتياح للاحتلال الاميركي للعراق." وقد صُدم البيت الابيض من موقف تركيا، حليفتها طويلة الاجل، المتمثل برفضها السماح للقوات الاميركية استعمال الاراضي التركية لغزو العراق. يحاول باراك اوباما، الذي قام باول زيارة رسمية الى تركيا، ان يفك الارتباط مع العراق من دون ان يبدو هاربا منه، او ان يترك الفوضى في البلاد خلفه. وهو يحاول ان يستعيد حلفاءه السابقين، وكما اوضح في خطابه في انقرة ، فهو يسعى الى انهاء المواجهة بين الولايات المتحدة والاسلام، وهو ما كان تراث بوش.
ليس من السهل على اوباما ان يعكس المد المعادي لاميركا، او ان يضع نهاية الى الحروب التي بدأها بوش. ومع كل ادعاءات الحكومة العراقية حول عودة الحياة الطبيعية الى بغداد، فقد شهدت الايام القليلة الماضية تصاعدا في اعمال العنف. ففي اليوم الذي سبق وصول الرئيس الى العراق، انفجرت ست قنابل في اجزاء مختلفة من بغداد، مخلفة 37 قتيلا.
وبقدر ما يود اوباما ان يتعامل مع الحرب في العراق على انها تاريخ قديم، فان الولايات المتحدة مازالت تجهد للنفاذ بجلدها منها. فحقيقة ان الرئيس الاميركي لم يجد مفرا من القدوم الى العراق في زيارة مفـــــاجئــــــــــة، كما فعل جورج بوش وتوني بلير على الدوام لاسباب امنية، تظهر ان الصراع يأبى ان يزول.
وقد بقي رئيس وزراء العراق داخل المنطقة الخضراء معظم الاوقات. ولم يستطع الرئيس الاميركي ان يطير الى المنطقة الخضراء بالطائرات العمودية بسبب الطقس السيئ، ولكن طريق المطار لايزال غير آمن، وتبقى بغداد واحدة من اكثر المدن خطرا في العالم. كما ان الوضع السياسي العراقي قد تبدل نهائيا بعد الغزو الاميركي وسوف يكون من الصعب تشكيل دولة عراقية مستقرة لا تعتمد على الولايات المتحدة. وقد اظهر استطلاع للرأي اجري في العراق ان معظم العراقيين يعتقدون ان الولايات المتحدة، وليست حكومتهم، هي من يسيطر على الاوضاع في بلدهم.
هناك تغيّر واحد يصب في صالح اوباما، وهو ان وسائل الاعلام الاميركية توقفت، الى حد كبير، عن تغطية الصراع (في العراق) بسبب نضوب مواردهم المالية، اضافة الى ان معظم الاميركيين يعتقدون انه قد تم احراز النصر في هذه الحرب. لكن الخطر امام هذا الرئيس انه اذا حدث تفجر في الاوضاع بالعراق فانه قد يُلام على هدر النصر الذي احرزه سلفه.
يُعد تغيير الخطاب الدبلوماسي للولايات المتحدة اسهل من تغيير الحقائق على الارض في العراق وافغانستان. وقد جاء خطاب اوباما امام البرلمان التركي في انقرة رهانا محسوبا بعناية لطمأنة العالم الاسلامي ان الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع الاسلام.
فقد خالف في كل شيء قاله التهديدات المتشنجة التي اطلقها جورج بوش فيما بعد احداث 11 ايلول حول اطلاق "حملة صليبية" والكلام حول مهاجمة المحافظين الجدد لـ" الفاشية الاسلامية" او الادعاء بان هناك "تصادماً في الحضارات."
يكن قادة الدول ذات الغالبية الاسلامية التقدير للنبرة المختلفة لخطاب الولايات المتحدة الرسمي، لكنهم يتساءلون في الجلسات الخاصة عن المدى الذي يمكن فيه لأوباما ان يحدث تغيير حقيقياً.
واعرب الطلبة التركيون في لقائهم مع اوباما في اسنطبول عن شكوكهم في ان الافعال الامريكية سوف تختلف كثيرا في المستقبل عنها تحت حكم بوش. لكن اوباما اجاب بعقلانية انه يجب ان يُمنح الوقت الكافي وان "تحريك سفينة الدولة هي عملية بطيئة." لكنه اشار ايضا الى الانسحاب من العراق على انه علامة على مطابقة الافعال للاقوال.
تقع اسطنبول على الحدود بين اوروبا واسيا، وهو موقع جيد للرئيس الاميركي لكي يعلن عن موقف اكثر تهدئة للعالم الاسلامي. وتمتليء المدينة بالمعالم الفخمة لكل من المسيحية والاسلام، غير ان البلاد شهدت تسامحا دينيا ملموسا اكثر في زمن الامبراطورية العثمانية عنه منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة في عام 1923. وقد زار اوباما الكنيسة البيزنطية العظيمة (آيا صوفيا)، كما اطلعه رجال دين معممون على روائع المسجد الازرق.
بيد ان مشهد النسوة التركيات اللائي ارتدين تنانير قصيرة ولم يعتمرن غطاء الرأس وهن يوجهن الى اوباما اسئلة باللغة الانكليزية بطلاقة يعطي انطباعا خاطئا عن التوازن بين القوى العلمانية والدينية في تركيا الحديثة.
فالحقيقة ان العلمانية في حالة احتضار في العمق الريفي وفي حالة تراجع حتى في اسطنبول ذاتها. والقصابون الذي يبيعون لحم الخنزير اصبحوا قلة بالمقارنة مع عددهم قبل عشرين عاما. وقد اصبح الحصول على المشروبات الروحية صعبا الى حد ما، فيما عدا السياح الاجانب، بسبب الضرائب العالية على الخمور والتكلفة الباهظة للحصول على اجازة بيع الخمور في المطاعم.
ربما تكون الطبقة الوسطى القديمة، خصوصا في اسطنبول وانقرة وازمير، عازمة على الدفاع عن الدولة العلمانية. لكن الشركات الجديدة التي تعرف باسم "النمور الاناضولية" والتي قادت النمو الاقتصادي التركي المذهل، هي مملوكة –عموما– الى العوائل المحافظة التي يرتدي نساؤها الحجاب.
يقول احد الخبراء في الشؤون التركية: "اصبحت تركيا من الناحية الاجتماعية اكثر توجها نحو الدين، على الرغم من ان حزب العدالة والتقدم الحاكم يتحرك بحذر."
تعتمد جهود اوباما من اجل عكس اتجاه السياسة الاميركية نحو العالم الاسلامي، في آخر الامر، على المدى الذي يستطيع فيه ان يغير من السياسة الاميركية تجاه اسرائيل والفلسطينيين، واحتلال العراق، والمواجهة مع ايران وسوريا، والحرب في افغانستان.
وعلى سبيل المثال، فان الايرانيين يلاحظون انه على الرغم من تقرب اوباما الودي نحوهم، الا ان المسؤولين الاميركيين في واشنطن الذين يعملون على تطبيق العقوبات ضدهم هم انفسهم قد تداولوها من ادارة بوش.
اتخذت المواجهة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي فيما بعد احداث 11 ايلول شكل المعارضة للغزو الاجنبي والاحتلال، اكثر منها حول الفروقات الثقافية، فحتى اكثر الدول الاسلامية تنظيرا في الفكر الاسلامي، مثل المملكة العربية السعودية، دعمت الولايات المتحدة الاميركية، كما ان لديها شكوكا في عمق التأثير الذي يمارسه المتعصبون الدينيون على مقاتلي القاعدة.
يقول الميجر ماثيو الكساندر، رئيس المحققين في العراق، والذي يُنسب اليه الفضل في العثور على مخبأ قائد تنظيم القاعدة في العراق، ابو مصعب الزرقاوي، يقول انه لم يعثر من خلال عمليات الاستجواب الـ 1300 التي اشرف عليها الا على شخص واحد فقط يعدّه ايديولوجيا حقيقيا. ويًقتبس عنه قوله: "لقد استمعت المرة تلو الاخرى الى المقاتلين الاجانب، واخرين من العراقيين، يقولون أن السبب رقم واحد الذي دفعهم الى حمل السلاح والالتحاق بالقاعدة هو سوء معاملة المعتقلين في ابو غريب، واعمال التعذيب المرخص بها، والاساءات في معتقل غوانتانامو."
هذا التشخيص من الميجر الكساندر يؤكده تاريخ التطرف الاسلامي في انحاء العالم الاسلامي على مدى السنوات الثلاثين الماضية.
لقد كان نجاح الثورة الايرانية ضد الشاه بين عامي 1978 و1979 هو ما بدأ الحقبة التي اصبح فيها الغرب يرى الاسلام السياسي تهديدا، لكن خطاب آية الله الخميني الى الايرانيين كان يضم على الدوام مشاعر قومية قوية، كما ان نفيه على يد الشاه عام 1964 جاء بسبب جهره بمعارضة منح حقوق استخدام الاراضي الايرانية الى عناصر الجيش الاميركي في ايران.
ان تفوق الاسلام السياسي على القومية العلمانية في العالم العربي كان في الاغلب بسبب قدرة الانظمة السابقة على مقاومة اعداء المجتمع او الدولة. ففي مصر تقوضت قومية جمال عبد الناصر بالهزيمة المذلة في حرب 1967 مع اسرائيل. وفي العراق، كان صدام حسين قائدا كارثيا بلا جدال، وقد بدأت جميع الانظمة العسكرية التي تدعو الى القومية في العالم العربي، او انتهت، بحكم فردي فاسد ووحشي. وعلى النقيض من ذلك، فان الاسلام السياسي كان قادرا على المضي قدما، الى حد ما، في تحقيق وعوده في الدفاع عن المجتمع.
وفي لبنان، تمكن مقاتلو حزب الله بنجاح من التضييق على القوات الاسرائيلية في التسعينيات في الوقت الذي ترك القادة العسكريون، تحت امرة ياسر عرفات، رجالهم وفرّوا بعيدا.
وفي غزة هذا العام، تمكنت حماس من تأطير نفسها على انها الحركة الفلسطينية الوحيدة التي تلتزم بمقاومة اسرائيل.
وفي العراق، لم تتمكن القاعدة من اثبات وجودها حتى اظهرت نفسها على انها معارضة للاحتلال الاميركي، وعلى انها حليف للقوميين العراقيين، برغم انها حليف لا يتوانى عن اعمال القتل، ذو نهج فكري متطرف.
اما في افغانستان، فقد تحلـّت حركة طالبان بصفة مقاتلة المحتل الاحنبي.
ومن ناحية ثانية، فان الحركات العلمانية
عيد الفصح في العراق يبعث الروح في المجتمع المسيحي
عن: كريستيان ساينس مونيتر
ترجمة: علاء غزالة
احتفل المسيحيون العراقيون يوم الاحد الماضي علنا في بغداد، في واحدة من المناطق التي كانت تعد الاكثر خطرا، وذلك للمرة الاولى منذ ثلاث سنوات.
واضافة الى الاحتفال بعيد قيامة المسيح، فان القداس الذي اقيم في منطقة الدورة يمثل انبعاثا لهذه الطائفة من جديد . فالدورة هي واحدة من احياء قليلة في العاصمة العراقية التي بدأ المسيحيون في العودة اليها بعد ان هُجّروا منها بسبب العنف وعلى يد المتطرفين. ويمثل المسيحيون اقلية ضئيلة في العراق اذ لا تكاد نسبتهم تتجاوز 3 بالمئة من تعداد سكان العراق في الوقت الحاضر. ويُعتقد ان اكثر من 300,000 من مسيحيي العراق البالغ تعدادهم 800,000 نسمة قد غادروا منذ عام 2003.
وقد غامر المؤمنون من المسيحيين يوم الاحد من اجل التأكيد على هويتهم العراقية التي تمتد جذورها هناك الى الايام الاولى للمسيحية. ان اغلب مسيحيي العراق هم من الكلدان، وينتمون الى الكنيسة الكاثوليكية الشرقية، وهم يعتقدون انهم ينحدرون من البابليين. وقد اقام الاسقف شليمون وردوني، من البطرياركية البابلية، القداس في كنيسة القديسين بطرس وبولس الكائنة في حي الدورة جنوبي بغداد، باللغتين العربية والارامية، وهي لغة السيد المسيح.
وهي المرة الاولى التي يُتلى فيها القداس منذ عام 2007، بعد ان تضررت ونُهبت في القتال الذي نشب في منطقة الدورة.
قال الاسقف للجمع المحتفل بهذه المناسبة: "اليوم نحتفل بعيد الفصح، لكن لدينا سبب آخر للاحتفال في هذه المنطقة التي تعرضت الى الدمار وهُجّرت عوائلها. اتذكر كيف كانت هذه الكنيسة ممتلئة بالمصلين بداخلها وفي ساحاتها الخارجية، وكانت القاعة مليئة بالناس الطيبين." وكانت آخر مرة اجتمعوا فيها للاحتفال بعيد الفصح في عام 2006 تحت نظر رجال مسلحين من وزارة الداخلية اعتلوا سطحها لحمايتها.
وقد امضى العمال اسابيع في اصلاح اثار الاطلاقات النارية وترميم البناية. ولايزال دير قريب، تعرض للنهب بعد ان احتلته القوات الاميركية، لايزال شاغرا.
يقول لؤي بداويدي، وهو احد مئتين من المؤمنين الذي توالوا على الكنيسة المرممة حديثا يوم الاحد: "بقينا في بيوتنا في العامين الماضيين يوم الفصح وشاهدنا القداس على التلفاز." ويضيف ان خبز القداس كان يُجلب الى المصلين في منازلهم.
الدعم الرسمي للمسيحيينوقام عميد في وزارة الداخلية بتقديم التهاني الى المحتفلين، في لفتة من الحكومة العراقية لطمأنة المسيحيين انهم مرحب بهم. كما حضر القداس قائد قوة المتطوعين الامنية التي تسمى ابناء العراق وجلس الى جانب المسؤول بوزارة الداخلية في الصف الاول من مقاعد كنيسة الدورة.
وقال الاسقف وردوني مخاطبا المسؤولين الامنيين: "انهم رسل سلام. اخبروا الجميع ان المسيحيين يريدون السلام." ركعت امرأة شابة، ترتدي بنطالا من الجينز السميك وقميصا نصف كان يحمل صفوفا من النجوم البراقة على ركبتيها، الى جانب قريباتها اللائي غطين شعورهن بوشاح خفيف. وقامت احدى المصليات، وهي وفاء شابا، والتي تعرضت للاختطاف قبل ثلاث سنوات، بتمرير قطعة من القماش بوقار على صولجان الاسقف المرصع بالذهب والفضة. ثم طرق صبي واسع العينين اجراس المذبح بينما غُمرت الكنيسة بالبخور.
ردد المصلون: "بُعث المسيح." رددوا هذه الكلمات القديمة باللغة القديمة.
هجّرتهم القاعدةاصبحت الدورة، في خضم فورة العنف التي نشبت في عام 2006، معقلا للقاعدة في العراق. فبإضافة الى العنف ، وُزعت منشورات تهدد بقتل المسيحيين اذا اقاموا صلواتهم علنا، وتأمرهم بالتحول الى الاسلام.
حينما تصدت الميليشيات لقتال المسلحين، أصبح حي الدورة على درجة من الخطورة بحيث لا يمكن المكوث فيه. يقول جورج اوراوا، الذي اعاد عائلتة من شمال العراق: "كانت هناك 3,000 عائلة مسيحية هنا، اما الان فلم يبق سوى 500 عائلة فقط."
واليوم تمتليء الكنيسة بالعوائل الذين لديهم اقرباء من الذين هاجروا في غضون الاعوام الست المنصرمة.
تقول رندة صباغ، الطالبة الجامعية التي عادت الى الدورة مع والديها قبل ستة شهور: "انها لمفاجأة كبيرة ان ترى هذا العدد من الناس هنا." وقد عاشوا في حي سكني آخر في بغداد، الا ان احد اخوتها هاجر الى استراليا وذهب الاخر الى سوريا.
ويلقي الاسقف وردوني باللائمة في الهجرة على البلدان الاوروبية والولايات المتحدة، التي يقول انها ساعدت المسيحيين على مغادرة العراق بدلا من تحسين معيشتهم في بلدهم.
وقال في مقابلة سابقة هذا الاسبوع: "بدلا من البحث عن وظائف لهم والمساعدة على تحقيق السلام، وتحقيق المصالحة في البلاد، قبلوا المهاجرين. هذا سيئ."
وادت الهجمات في الموصل في شهر تشرين الثاني الى هجرة جماعية ثانية الى منطقة كردستان في شمال العراق وعبر الحدود العراقية. غير ان موجة الهجمات في الاسبوع الماضي ببغداد، والتي ساد الاعتقاد بانها اصبحت اكثر امنا في الشهور الاخيرة، أقلقت الكثيرين.
يقول الاسقف: "اعتقدنا قبل اسبوع ان الوضع اصبح افضل بكثير. لكن ما حدث يجعلنا اكثر قلقا لانه لن يكون هناك تغيير طالما بقيت تلك السيارات المفخخة."
لكنه يصر على ان يبقى وجود للطائفة المسيحية في العراق.
ويضيف: "هذا بلدنا. لن يتمكن احد من طردنا. لقد كنا هنا قبل كل شيء."
ترجمة: علاء غزالة
احتفل المسيحيون العراقيون يوم الاحد الماضي علنا في بغداد، في واحدة من المناطق التي كانت تعد الاكثر خطرا، وذلك للمرة الاولى منذ ثلاث سنوات.
واضافة الى الاحتفال بعيد قيامة المسيح، فان القداس الذي اقيم في منطقة الدورة يمثل انبعاثا لهذه الطائفة من جديد . فالدورة هي واحدة من احياء قليلة في العاصمة العراقية التي بدأ المسيحيون في العودة اليها بعد ان هُجّروا منها بسبب العنف وعلى يد المتطرفين. ويمثل المسيحيون اقلية ضئيلة في العراق اذ لا تكاد نسبتهم تتجاوز 3 بالمئة من تعداد سكان العراق في الوقت الحاضر. ويُعتقد ان اكثر من 300,000 من مسيحيي العراق البالغ تعدادهم 800,000 نسمة قد غادروا منذ عام 2003.
وقد غامر المؤمنون من المسيحيين يوم الاحد من اجل التأكيد على هويتهم العراقية التي تمتد جذورها هناك الى الايام الاولى للمسيحية. ان اغلب مسيحيي العراق هم من الكلدان، وينتمون الى الكنيسة الكاثوليكية الشرقية، وهم يعتقدون انهم ينحدرون من البابليين. وقد اقام الاسقف شليمون وردوني، من البطرياركية البابلية، القداس في كنيسة القديسين بطرس وبولس الكائنة في حي الدورة جنوبي بغداد، باللغتين العربية والارامية، وهي لغة السيد المسيح.
وهي المرة الاولى التي يُتلى فيها القداس منذ عام 2007، بعد ان تضررت ونُهبت في القتال الذي نشب في منطقة الدورة.
قال الاسقف للجمع المحتفل بهذه المناسبة: "اليوم نحتفل بعيد الفصح، لكن لدينا سبب آخر للاحتفال في هذه المنطقة التي تعرضت الى الدمار وهُجّرت عوائلها. اتذكر كيف كانت هذه الكنيسة ممتلئة بالمصلين بداخلها وفي ساحاتها الخارجية، وكانت القاعة مليئة بالناس الطيبين." وكانت آخر مرة اجتمعوا فيها للاحتفال بعيد الفصح في عام 2006 تحت نظر رجال مسلحين من وزارة الداخلية اعتلوا سطحها لحمايتها.
وقد امضى العمال اسابيع في اصلاح اثار الاطلاقات النارية وترميم البناية. ولايزال دير قريب، تعرض للنهب بعد ان احتلته القوات الاميركية، لايزال شاغرا.
يقول لؤي بداويدي، وهو احد مئتين من المؤمنين الذي توالوا على الكنيسة المرممة حديثا يوم الاحد: "بقينا في بيوتنا في العامين الماضيين يوم الفصح وشاهدنا القداس على التلفاز." ويضيف ان خبز القداس كان يُجلب الى المصلين في منازلهم.
الدعم الرسمي للمسيحيينوقام عميد في وزارة الداخلية بتقديم التهاني الى المحتفلين، في لفتة من الحكومة العراقية لطمأنة المسيحيين انهم مرحب بهم. كما حضر القداس قائد قوة المتطوعين الامنية التي تسمى ابناء العراق وجلس الى جانب المسؤول بوزارة الداخلية في الصف الاول من مقاعد كنيسة الدورة.
وقال الاسقف وردوني مخاطبا المسؤولين الامنيين: "انهم رسل سلام. اخبروا الجميع ان المسيحيين يريدون السلام." ركعت امرأة شابة، ترتدي بنطالا من الجينز السميك وقميصا نصف كان يحمل صفوفا من النجوم البراقة على ركبتيها، الى جانب قريباتها اللائي غطين شعورهن بوشاح خفيف. وقامت احدى المصليات، وهي وفاء شابا، والتي تعرضت للاختطاف قبل ثلاث سنوات، بتمرير قطعة من القماش بوقار على صولجان الاسقف المرصع بالذهب والفضة. ثم طرق صبي واسع العينين اجراس المذبح بينما غُمرت الكنيسة بالبخور.
ردد المصلون: "بُعث المسيح." رددوا هذه الكلمات القديمة باللغة القديمة.
هجّرتهم القاعدةاصبحت الدورة، في خضم فورة العنف التي نشبت في عام 2006، معقلا للقاعدة في العراق. فبإضافة الى العنف ، وُزعت منشورات تهدد بقتل المسيحيين اذا اقاموا صلواتهم علنا، وتأمرهم بالتحول الى الاسلام.
حينما تصدت الميليشيات لقتال المسلحين، أصبح حي الدورة على درجة من الخطورة بحيث لا يمكن المكوث فيه. يقول جورج اوراوا، الذي اعاد عائلتة من شمال العراق: "كانت هناك 3,000 عائلة مسيحية هنا، اما الان فلم يبق سوى 500 عائلة فقط."
واليوم تمتليء الكنيسة بالعوائل الذين لديهم اقرباء من الذين هاجروا في غضون الاعوام الست المنصرمة.
تقول رندة صباغ، الطالبة الجامعية التي عادت الى الدورة مع والديها قبل ستة شهور: "انها لمفاجأة كبيرة ان ترى هذا العدد من الناس هنا." وقد عاشوا في حي سكني آخر في بغداد، الا ان احد اخوتها هاجر الى استراليا وذهب الاخر الى سوريا.
ويلقي الاسقف وردوني باللائمة في الهجرة على البلدان الاوروبية والولايات المتحدة، التي يقول انها ساعدت المسيحيين على مغادرة العراق بدلا من تحسين معيشتهم في بلدهم.
وقال في مقابلة سابقة هذا الاسبوع: "بدلا من البحث عن وظائف لهم والمساعدة على تحقيق السلام، وتحقيق المصالحة في البلاد، قبلوا المهاجرين. هذا سيئ."
وادت الهجمات في الموصل في شهر تشرين الثاني الى هجرة جماعية ثانية الى منطقة كردستان في شمال العراق وعبر الحدود العراقية. غير ان موجة الهجمات في الاسبوع الماضي ببغداد، والتي ساد الاعتقاد بانها اصبحت اكثر امنا في الشهور الاخيرة، أقلقت الكثيرين.
يقول الاسقف: "اعتقدنا قبل اسبوع ان الوضع اصبح افضل بكثير. لكن ما حدث يجعلنا اكثر قلقا لانه لن يكون هناك تغيير طالما بقيت تلك السيارات المفخخة."
لكنه يصر على ان يبقى وجود للطائفة المسيحية في العراق.
ويضيف: "هذا بلدنا. لن يتمكن احد من طردنا. لقد كنا هنا قبل كل شيء."
Wednesday, April 15, 2009
العراق يسعى الى اثبات قدرته على حكم نفسه.. ويحقق نجاحا
عن: الهيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة
تخوض الحكومة العراقية حملة محمومة، مع رحيل الاميركيين وتحسن الوضع الامني، لاقناع العالم انها دولة مستقلة، غير تابعة لا الى الولايات المتحدة ولا الى ايران.
وقد حدد رئيس الوزراء نوري المالكي أطر السياسة الخارجية الناشئة للبلاد في خطابه بمؤتمر القمة العربية الذي انعقد قبل اسبوعين في الدوحة، مؤكدا على هوية العراق العربية المسلمة، ومشيرا الى انه لا يقتفي أثر السياسات العلمانية للولايات المتحدة.
وقال المالكي في خطابه بمؤتمر القمة، الذي ضم ممثلين عن 22 دولة: "ان هوية العراق العربية والاسلامية ووحدته وسيادته هي خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وهي ليست عرضة للمساومة."
لكن رسالته تلك قد تكون صعبة التسويق مع بقاء 130,000 جندي اميركي على التربة العراقية، وتواجد المستشارين الاميركيين في معظم المؤسسات الامنية العراقية، على الرغم من انها اصبحت اسهل اليوم مما كانت عليه قبل عام، أي قبل ان يتأكد انسحاب القوات الاميركية.
يتسائل هوشيار زيباري، وزير الخرجية العراقي: "كيف يمكن لك ان تُمثل بلدا تحت الاحتلال الاجنبي؟ لقد كان ذلك تحديا صعبا، تحديا جسيما."
يُكسب التقرب من الولايات المتحدة قادة الدول في معظم ارجاء الشرق الاوسط ازدراء العرب الذين ينظرون الى الولايات المتحدة على انها حليف قوي الى اسرائيل، وعلى انها امبراطورية استعمارية، وعدوة للمسلمين. وفي اوربا، التي عارض الكثير من اقطارها الغزو الاميركي، فان العديد من هذه البلدان لاتزال متشككة، حتى وقت قريب، في استقلال العراق مع استمرار التواجد الاميركي، بالاضافة الى الوضع الامني غير المستقر.
ويقول السيد زيباري انه ما ان اعلنت الولايات المتحدة عن الانسحاب المؤكد والتزامها بعدم الاحتفاظ بقواعد دائمة في العراق، حتى بدأت بلدان العالم والمنظمات الدولية التزامها بفتح سفارات لها في العراق، باعداد متفاوتة، والقيام بزيارات رسمية.
ويوجد في بغداد اليوم اربعون سفيرا لبلد اجنبي، بالاضافة الى 12 وكالة دولية، بضمنها الامم المتحدة ومنظمة الصليب الاحمر. وقد قام الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي بزيارة الى العراق في شهر شباط هي الاولى التي يقوم بها رئيس فرنسي منذ بدء الغزو في عام 2003، كما اضحى فران والتر ستينمير اول وزير خارجية الماني يزور بغداد منذ 22 عاما.
وقد عارض كلا من هذين البلدين الغزو الاميركي، لكنهما يبدوان الان مستعدان لصياغة علاقات وثيقة مع بغداد.
ودعا العراق القادة السوريين والايرانيين الى فتح سفارات لها في العراق (...)، في جهوده لاثبات قدرته على حكم نفسه، برغم ان هذين البلدين لديهما علاقات غير ودية مع الولايات المتحدة، كما تواصل العراق ايضا مع منافسي الولايات المتحدة العالميين، وهما الصين وروسيا.
يقول مصطفى العاني، مدير معهد الدفاع في مركز ابحاث الخليج، وهي مجموعة مستقلة يقع مقرها في الامارات العربية المتحدة: "انهم يحاولون ان يثبتوا استقلالهم عن الولايات المتحدة، وهم يحاولون ان يرسموا سياسة خارجية واضحة، ويمكننا ان نرى بلدانا اخرى تبدأ في التحدث الى العراق جديا."
غير انه الاصعب بالنسبة الى العراق ان يظهر للعالم تحرره من التأثير الايراني. يقول السيد زيباري: "هناك بعض الشكوك في عقول ورؤوس (قادة) بعض البلدان العربية." حيث ان اكثر البلدان تشككا هي المملكة العربية السعودية، وهي احدى اكثر جيران العراق نفوذا. اذ ان السعوديين لمّا يفتتحوا سفارة لهم في بغداد على الرغم من الدعوات والمجاملات المتكررة.
ففي حين تعتذر السعودية عن فعل ذلك بالوضع الامني، الا ان السبب الاكبر يكمن في انها مازالت غير واثقة من الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة، والذين تخشى انهم يفضلوا ايران، او حتى ان يضحوا توابع تدور في فلك ايران. السعوديين هم من اهل السنة، والايرانيين هم من الشيعة، وقبل مدة طويلة على رسم الحدود الحالية بين الدول، تنافس العرب والفرس فيما بينهم ومع الدولة العثمانية من اجل الهيمنة والسيطرة على المنطقة التي اصبحت تشكل العراق اليوم.
وقد قال الامير تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودية والسفير السابق في الولايات المتحدة، في مؤتمر بعمان يوم السبت ان المملكة العربية السعودية اخبرت الولايات المتحدة من قبل انها حينما جلبت الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة بعد الغزو عام 2003، فانها: "سلمت العراق الى ايران على طبق من ذهب،" حسب ما اوردت صحيفة الوطن اليومية السعودية.
ولا يمكن دحض النفوذ الايراني. فهي الشريك التجاري الثاني للعراق بعد تركيا، بميزان تبادل تجاري يبلغ اربعة مليارات دولار. وهي تساعد في توفير التمويل للعديد من الاحزاب الشيعية، وترسل الملايين من الزوار الى العتبات المقدسة في العراق كل عام.
ويقول السيد زيباري، الذي يعي جيدا الجهود الايرانية الحثيثة لممارسة نفوذها في العراق، انه كان يحذر السعودية مؤخرا انهم اذا لم يساعدوا في ملء الفجوة بعد رحيل الاميركيين، فان الايرانيين سوف يقومون بذلك. ويضيف: "نحن نقول لهم ان عليهم ان يكونوا هنا. لماذا عليكم ان تتذمروا من توسّع النفوذ (الايراني)؟ انهم هنا، لكنكم لستم هنا."
وكانت ايران هي الدولة الاولى التي تعترف بالعراق بعد الغزو الاميركي، كما انها تواصلت بحنكة مع السياسيين العراقيين من مختلف الطوائف والاعراق. وقد تمكنت، من خلال علاقاتها مع السياسيين النافذين، من المناورة خلف الكواليس، مؤثرة على القرار السياسي العراقي الداخلي، وفي بعض الاحيان قامت بتقويض السياسات الحكومية.
يقول السيد زيباري: "لقد اقمنا علاقاتنا معهم مع صعوبات بالغة، سياسية ورسمية."
ويضيف: "لقد كانت هناك زيارت، الكثير من الزيارات. ففي كل اسبوع هناك وفد ايراني يزور العراق او وفد عراقي يزور ايران. لدى ايران الكثير من القوة اللينة (الدبلوماسية)، وهم يستعملونها بذكاء."
يقول جوست هيلترمان، كبير محللي العراق في المجموعة الدولية للازمات، وهي منظمة بحثية تتخذ مقرات لها في واشنطن وبروكسل ان العرق المشتت بين ايران والعالم العربي يبدو على الارجح ان سيغدو "محطا للصراع". غير ان شبكة الامان بالنسبة للبلاد، شاء العراقيين ام ابوا، سوف تبقى، في الاغلب، الولايات المتحدة.
يقول السيد هيلترمان: "سوف يبعدون انفسهم عن الولايات المتحدة في العلن. لكنهم في الوقت ذاته سوف يبقون روابط وثيقة معهم. انهم بحاجة اليهم لتحقيق الامن. سوف يكون عليهم الهرولة في كل الاوقات."
ترجمة: علاء غزالة
تخوض الحكومة العراقية حملة محمومة، مع رحيل الاميركيين وتحسن الوضع الامني، لاقناع العالم انها دولة مستقلة، غير تابعة لا الى الولايات المتحدة ولا الى ايران.
وقد حدد رئيس الوزراء نوري المالكي أطر السياسة الخارجية الناشئة للبلاد في خطابه بمؤتمر القمة العربية الذي انعقد قبل اسبوعين في الدوحة، مؤكدا على هوية العراق العربية المسلمة، ومشيرا الى انه لا يقتفي أثر السياسات العلمانية للولايات المتحدة.
وقال المالكي في خطابه بمؤتمر القمة، الذي ضم ممثلين عن 22 دولة: "ان هوية العراق العربية والاسلامية ووحدته وسيادته هي خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وهي ليست عرضة للمساومة."
لكن رسالته تلك قد تكون صعبة التسويق مع بقاء 130,000 جندي اميركي على التربة العراقية، وتواجد المستشارين الاميركيين في معظم المؤسسات الامنية العراقية، على الرغم من انها اصبحت اسهل اليوم مما كانت عليه قبل عام، أي قبل ان يتأكد انسحاب القوات الاميركية.
يتسائل هوشيار زيباري، وزير الخرجية العراقي: "كيف يمكن لك ان تُمثل بلدا تحت الاحتلال الاجنبي؟ لقد كان ذلك تحديا صعبا، تحديا جسيما."
يُكسب التقرب من الولايات المتحدة قادة الدول في معظم ارجاء الشرق الاوسط ازدراء العرب الذين ينظرون الى الولايات المتحدة على انها حليف قوي الى اسرائيل، وعلى انها امبراطورية استعمارية، وعدوة للمسلمين. وفي اوربا، التي عارض الكثير من اقطارها الغزو الاميركي، فان العديد من هذه البلدان لاتزال متشككة، حتى وقت قريب، في استقلال العراق مع استمرار التواجد الاميركي، بالاضافة الى الوضع الامني غير المستقر.
ويقول السيد زيباري انه ما ان اعلنت الولايات المتحدة عن الانسحاب المؤكد والتزامها بعدم الاحتفاظ بقواعد دائمة في العراق، حتى بدأت بلدان العالم والمنظمات الدولية التزامها بفتح سفارات لها في العراق، باعداد متفاوتة، والقيام بزيارات رسمية.
ويوجد في بغداد اليوم اربعون سفيرا لبلد اجنبي، بالاضافة الى 12 وكالة دولية، بضمنها الامم المتحدة ومنظمة الصليب الاحمر. وقد قام الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي بزيارة الى العراق في شهر شباط هي الاولى التي يقوم بها رئيس فرنسي منذ بدء الغزو في عام 2003، كما اضحى فران والتر ستينمير اول وزير خارجية الماني يزور بغداد منذ 22 عاما.
وقد عارض كلا من هذين البلدين الغزو الاميركي، لكنهما يبدوان الان مستعدان لصياغة علاقات وثيقة مع بغداد.
ودعا العراق القادة السوريين والايرانيين الى فتح سفارات لها في العراق (...)، في جهوده لاثبات قدرته على حكم نفسه، برغم ان هذين البلدين لديهما علاقات غير ودية مع الولايات المتحدة، كما تواصل العراق ايضا مع منافسي الولايات المتحدة العالميين، وهما الصين وروسيا.
يقول مصطفى العاني، مدير معهد الدفاع في مركز ابحاث الخليج، وهي مجموعة مستقلة يقع مقرها في الامارات العربية المتحدة: "انهم يحاولون ان يثبتوا استقلالهم عن الولايات المتحدة، وهم يحاولون ان يرسموا سياسة خارجية واضحة، ويمكننا ان نرى بلدانا اخرى تبدأ في التحدث الى العراق جديا."
غير انه الاصعب بالنسبة الى العراق ان يظهر للعالم تحرره من التأثير الايراني. يقول السيد زيباري: "هناك بعض الشكوك في عقول ورؤوس (قادة) بعض البلدان العربية." حيث ان اكثر البلدان تشككا هي المملكة العربية السعودية، وهي احدى اكثر جيران العراق نفوذا. اذ ان السعوديين لمّا يفتتحوا سفارة لهم في بغداد على الرغم من الدعوات والمجاملات المتكررة.
ففي حين تعتذر السعودية عن فعل ذلك بالوضع الامني، الا ان السبب الاكبر يكمن في انها مازالت غير واثقة من الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة، والذين تخشى انهم يفضلوا ايران، او حتى ان يضحوا توابع تدور في فلك ايران. السعوديين هم من اهل السنة، والايرانيين هم من الشيعة، وقبل مدة طويلة على رسم الحدود الحالية بين الدول، تنافس العرب والفرس فيما بينهم ومع الدولة العثمانية من اجل الهيمنة والسيطرة على المنطقة التي اصبحت تشكل العراق اليوم.
وقد قال الامير تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودية والسفير السابق في الولايات المتحدة، في مؤتمر بعمان يوم السبت ان المملكة العربية السعودية اخبرت الولايات المتحدة من قبل انها حينما جلبت الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة بعد الغزو عام 2003، فانها: "سلمت العراق الى ايران على طبق من ذهب،" حسب ما اوردت صحيفة الوطن اليومية السعودية.
ولا يمكن دحض النفوذ الايراني. فهي الشريك التجاري الثاني للعراق بعد تركيا، بميزان تبادل تجاري يبلغ اربعة مليارات دولار. وهي تساعد في توفير التمويل للعديد من الاحزاب الشيعية، وترسل الملايين من الزوار الى العتبات المقدسة في العراق كل عام.
ويقول السيد زيباري، الذي يعي جيدا الجهود الايرانية الحثيثة لممارسة نفوذها في العراق، انه كان يحذر السعودية مؤخرا انهم اذا لم يساعدوا في ملء الفجوة بعد رحيل الاميركيين، فان الايرانيين سوف يقومون بذلك. ويضيف: "نحن نقول لهم ان عليهم ان يكونوا هنا. لماذا عليكم ان تتذمروا من توسّع النفوذ (الايراني)؟ انهم هنا، لكنكم لستم هنا."
وكانت ايران هي الدولة الاولى التي تعترف بالعراق بعد الغزو الاميركي، كما انها تواصلت بحنكة مع السياسيين العراقيين من مختلف الطوائف والاعراق. وقد تمكنت، من خلال علاقاتها مع السياسيين النافذين، من المناورة خلف الكواليس، مؤثرة على القرار السياسي العراقي الداخلي، وفي بعض الاحيان قامت بتقويض السياسات الحكومية.
يقول السيد زيباري: "لقد اقمنا علاقاتنا معهم مع صعوبات بالغة، سياسية ورسمية."
ويضيف: "لقد كانت هناك زيارت، الكثير من الزيارات. ففي كل اسبوع هناك وفد ايراني يزور العراق او وفد عراقي يزور ايران. لدى ايران الكثير من القوة اللينة (الدبلوماسية)، وهم يستعملونها بذكاء."
يقول جوست هيلترمان، كبير محللي العراق في المجموعة الدولية للازمات، وهي منظمة بحثية تتخذ مقرات لها في واشنطن وبروكسل ان العرق المشتت بين ايران والعالم العربي يبدو على الارجح ان سيغدو "محطا للصراع". غير ان شبكة الامان بالنسبة للبلاد، شاء العراقيين ام ابوا، سوف تبقى، في الاغلب، الولايات المتحدة.
يقول السيد هيلترمان: "سوف يبعدون انفسهم عن الولايات المتحدة في العلن. لكنهم في الوقت ذاته سوف يبقون روابط وثيقة معهم. انهم بحاجة اليهم لتحقيق الامن. سوف يكون عليهم الهرولة في كل الاوقات."
Tuesday, April 14, 2009
بعد ست سنوات من الغزو: مازالت الأردن تسـتضيف الآلاف من اللاجــئين العـراقـــيين
عن: كريستيان ساينس مونيتر
ترجمة: علاء غزالة
تشبثت رائدة علي بالامل ان الوضع سوف يتحسن في بغداد. لكن حينما تعرضت عائلتها الى التهديد، قرروا انه قد حان الوقت للمغادرة، رائدة تنتمي الى الطائفة الشيعية لكن زوجها، محمد، هو من اهل السنة، وهو ما كان ذات مرة وضعا شائكا بالنسبة للعوائل التي تسكن منطقة الدورة، ذلك الحي السكني المختلط في بغداد والذي تحول الى الخط الأمامي في ارض المعركة، حتى بات الاختطاف والقتل والتفجير الانتحاري والغارات المستمرة التي يقوم بها الجيش الأميركي مستهدفا المتمردين، بات كل ذلك هو الوضع الطبيعي. تستذكر ذلك رائدة، بينما كان اطفالها مسمرين الى جهاز التلفاز لمشاهدة أفلام الكارتون: «تلقينا رسالة تهديد، مرروها من اسفل الباب".
تقول: (غادروا العراق او سوف تقتلون جميعا، حتى أطفالكم)»، وقد تلقت اخت زوجها رسالة مماثلة لكنها لم تعرها أهمية، ومن ثم اختطف زوجها ولم يسمع عنه شيئا بعد ذلك أبداً.
وهكذا جاءت السيدة رائدة علي وزوجها محمد وأطفالهما الأربعة الى الأردن قبل اكثر من سنة، بعد ان احتملوا اعمال العنف المستمرة منذ ان أسقطت الولايات المتحدة النظام العراقي قبل ست سنوات.
وبعد ان غادرت العائلة، ادت زيادة القوات الأميركية وتكثيف الجهود لمقارعة التمرد إلى انخفاض كبير في اعمال العنف، ومن ثم تقلصت القصص الإخبارية على الصفحات الأولى التي تغطي التأثيرات الجانبية للحرب في العراق. لكن هنا في الأردن، التي يقطنها اكثر من نصف مليون لاجئ عراقي، ولم يعد منهم الى العراق غير 300 شخص فقط، فان العراقيين مازالوا يتقاطرون عبر الحدود.
يقول رفيق تسجانن، مدير مكتب عمان لمنظمة الهجرة العالمية: «هناك اتجاه مثير للاهتمام انه مايزال هناك قادمون جدد من العراق. وعلى النقيض من المهاجرين السابقين، فان القادمين الجدد يذهبون الى القرى بدلا من عمان، التي ترتفع فيها كلفة المعيشة. ليس لدى هؤلاء اللاجئين سوى مال قليل ولذلك يبحثون عن ارخص القرى للعيش فيها».
وبينما عَلِق الزوجان في عمان فانهما يعيشان، بشكل غير قانوني، في حي سكني هادئ وفقير في العاصمة يدعى (المحطة)، وهما بالكاد يستطيعان ان يوفرا بدل الإيجار الشهري البالغ 150 دولارا بسبب انهما غير مرخصين للعمل. فالزوج، محمد، ينام في النهار ويعمل في الليل بأي عمل يمكن ان يجده مهما كان منخفض الأجر، لكن اثنين من أطفالهما الأربعة، وهما قصي البالغ 10 سنوات من العمر ولطيفة التي تصغره بعام واحد، يذهبان الى المدرسة. ليست هناك انفجارات، ولا اختفاءات، ولا رسائل تهديد من عقب الباب.
الأردن: المحطة الأولى للاجئين
تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ان حوالي 4,7 مليون عراقي قد تركوا بيوتهم منذ بدء الحرب، ما يشكل زيادة كبيرة عن الرقم المسجل قبل عامين والبالغ 3,8 مليون، والعراقيون هم اكثر طالبي اللجوء السياسي في أوروبا، وفي انتظار تحقيق أحلامهم، سواء في بناء حياة جديدة في الغرب او الانتظار حتى تزول الغمة عن العراق ويعود صالحا للعيش من جديد، فان العراقيين عموما يمرون في الأردن بادئ الامر.
يقول مسؤولو الهجرة انه من شبه المستحيل تقدير عدد العراقيين الذين يعيشون الان في الأردن، لان الغالبية الساحقة منهم غير مسجلين، وقد أعطت مجموعة نرويجية تسمى (فافو) تقديرا للعراقيين الذين يعيشون في الاردن يبلغ نصف مليون لاجئ، وذلك في دراستها التي نشرت مؤخرا. لكن آخرون يقولون ان الرقم قد انخفض بسبب قبول طلبات إعادة التوطين في بلدان اخرى.
تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ان اكثر من 54.000 عراقي قد تم تسجيلهم على انهم لاجئون في الأردن، بالمقارنة مع 221.000 في سوريا، البلد المجاور.
يحاول بعض العراقيين الذين يقيمون هنا ان يبقوا بعيدا عن نظر السلطات الأردنية عن عمد خوفا من ترحيلهم. كما ان هناك أشخاصاً مثل رائدة ومحمد اللذين غادرا على عجل بدون الحصول على جواز سفر، ثم الفيا نفسيهما غير قادرين على اثبات هويتهما من اجل الحصول على وضع لاجئ، وهناك آخرون يسعون الى الحصول على تأشيرة السفر الى أوروبا او الولايات المتحدة. لكن السيد تسجانن يقول ان بعضا ممن حصل عليها بالفعل هم بصدد العودة الان لاستحالة الحصول على عمل في خضم الانهيار الاقتصادي العالمي.
لقد كانت الأردن مضيافة، برغم صعوبة الحصول على ترخيص الإقامة بالنسبة للعراقيين، كما انها لم تمنح سوى عدد قليل منهم إقامة دائمة في أراضيها، وقد سمحت السلطات الأردنية، للعام الثاني، للأطفال العراقيين ان يسجلوا في المدارس الأردنية، كما انها أسقطت الغرامات المالية التي تفرضها الحكومة على هؤلاء الذين يتجاوزون مدة الإقامة التي حصلوا عليها في الأردن.
غير ان المسؤولين الأردنيين يقولون ان هذه الضيافة المؤقتة قد سببت ضغطا على الموارد المحدودة للبلاد.
يقول نبيل الشريف، وزير الدولة لشؤون الإعلام: «لقد اتخذت الأردن قرارا بتمديد إسقاط غرامات تجاوز الإقامة عن العراقيين، وهذا ما سيكلف الموازنة الأردنية مبلغ 270 مليون دولار هذا العام».
ويضيف: «لقد اتخذ الملك إجراءات غير اعتيادية لتسهيل إقامة العراقيين، وقد وضعت هذه الإجراءات بطبيعة الحال المزيد من الضغط على الجهات الخدمية في الأردن. يتضح هذا لنا اذا آخذنا بنظر الاعتبار ان هناك نحو نصف مليون لاجئ عراقي يعيشون في الأردن، حيث يبعثون أطفالهم الى المدارس الأردنية، ويذهبون الى العيادات الطبية، وما شابه ذلك. يشكل هذا الرقم نحو عشر تعداد السكان في الأردن، وهو ما يكلف نحو مليار دينار أردني (1,4 مليار دولار) سنويا، هناك دعم من المجتمع الدولي، غير انه غير كاف».
وقد أعلنت إدارة اوباما في الشهر الماضي عن تقديم المزيد من الاموال الى المهجرين العراقيين في العراق والأردن وسوريا، وهو ما يجعل قيمة مساهمة الولايات المتحدة هذا العام 150 مليون دولار، بينما كانت تلك المساهمة 400 مليون دولار في عام 2008، حسب ما افاد موقع بروبابليكا دوت اورغ.
يقول السيد الشريف: «تلتزم الحكومة الأردنية بتوفير العيش الملائم للعراقيين في الأردن، وقد اتخذت خطوات هائلة للتأكد من انهم قادرون على الحصول على الخدمات الحكومية، مثل المدارس العامة والعيادات الصحية، لكن الحل الامثل للعراقيين يتمثل في العودة الطوعية الى العراق.»
يقول السيد تسجانن ان بعض اللاجئين ربما اتخذوا هذه الخطوة بالفعل، لكن عددهم اقل مما يشاع.
ويضيف: «العدد الحقيقي للأشخاص الذين نعرفهم ونعلم انهم عادوا الى العراق هو 300 شخص من الأردن وعدد يتراوح بين 500 الى 600 شخص من سوريا. لكن لا احد يملك الأرقام المضبوطة عن الموجودين هنا حقيقة».
لم يعد لدينا من امل في العراق
السيد اراز همبرسوم اوديك هو احد اللاجئين العراقيين، وهو حديث العهد في الأردن نسبيا، فقد غادر بغداد قبل عامين، وهو وزوجته مسيحيان ارمنيان تعرضت طائفتهما الى المذابح الجماعية، وقد تمت مهاجمة كنيستهما في مناسبات عديدة، وهو غير قادر على احصاء كم من افراد العائلة والأصدقاء قد قتلوا او تعرضوا الى الاختطاف، ويقول انه قد تعرض الى التهديد واجبر على المغادرة.
يقول السيد اوديك، ويعمل كهربائيا: «من الصعب جدا الحصول على لقمة العيش هنا لاننا غير مرخصين بالعمل»، وقد وجد عملا في منطقة بعمان يقطنها عراقيون مسيحيون، وقد بدأ سكانها بالنضوب مع حصول الكثير منهم على تأشيرة السفر الى الولايات المتحدة.
يقول اوديك انه يتوقع الذهاب الى لوس أنجلس، حيث تسكن عائلة زوجته، في الاشهر القليلة القادمة. وقد حصلوا بالفعل على الموافقة بالهجرة الى الولايات المتحدة.
يقول اوديك: «لم يعد لنا من أمل في العراق، ولا احد يفكر بالعودة»، في الاقل لا احد يعرفه هو شخصياً، ويضيف: «اعلم انني لن أعود الى هناك ابدا».
ترجمة: علاء غزالة
تشبثت رائدة علي بالامل ان الوضع سوف يتحسن في بغداد. لكن حينما تعرضت عائلتها الى التهديد، قرروا انه قد حان الوقت للمغادرة، رائدة تنتمي الى الطائفة الشيعية لكن زوجها، محمد، هو من اهل السنة، وهو ما كان ذات مرة وضعا شائكا بالنسبة للعوائل التي تسكن منطقة الدورة، ذلك الحي السكني المختلط في بغداد والذي تحول الى الخط الأمامي في ارض المعركة، حتى بات الاختطاف والقتل والتفجير الانتحاري والغارات المستمرة التي يقوم بها الجيش الأميركي مستهدفا المتمردين، بات كل ذلك هو الوضع الطبيعي. تستذكر ذلك رائدة، بينما كان اطفالها مسمرين الى جهاز التلفاز لمشاهدة أفلام الكارتون: «تلقينا رسالة تهديد، مرروها من اسفل الباب".
تقول: (غادروا العراق او سوف تقتلون جميعا، حتى أطفالكم)»، وقد تلقت اخت زوجها رسالة مماثلة لكنها لم تعرها أهمية، ومن ثم اختطف زوجها ولم يسمع عنه شيئا بعد ذلك أبداً.
وهكذا جاءت السيدة رائدة علي وزوجها محمد وأطفالهما الأربعة الى الأردن قبل اكثر من سنة، بعد ان احتملوا اعمال العنف المستمرة منذ ان أسقطت الولايات المتحدة النظام العراقي قبل ست سنوات.
وبعد ان غادرت العائلة، ادت زيادة القوات الأميركية وتكثيف الجهود لمقارعة التمرد إلى انخفاض كبير في اعمال العنف، ومن ثم تقلصت القصص الإخبارية على الصفحات الأولى التي تغطي التأثيرات الجانبية للحرب في العراق. لكن هنا في الأردن، التي يقطنها اكثر من نصف مليون لاجئ عراقي، ولم يعد منهم الى العراق غير 300 شخص فقط، فان العراقيين مازالوا يتقاطرون عبر الحدود.
يقول رفيق تسجانن، مدير مكتب عمان لمنظمة الهجرة العالمية: «هناك اتجاه مثير للاهتمام انه مايزال هناك قادمون جدد من العراق. وعلى النقيض من المهاجرين السابقين، فان القادمين الجدد يذهبون الى القرى بدلا من عمان، التي ترتفع فيها كلفة المعيشة. ليس لدى هؤلاء اللاجئين سوى مال قليل ولذلك يبحثون عن ارخص القرى للعيش فيها».
وبينما عَلِق الزوجان في عمان فانهما يعيشان، بشكل غير قانوني، في حي سكني هادئ وفقير في العاصمة يدعى (المحطة)، وهما بالكاد يستطيعان ان يوفرا بدل الإيجار الشهري البالغ 150 دولارا بسبب انهما غير مرخصين للعمل. فالزوج، محمد، ينام في النهار ويعمل في الليل بأي عمل يمكن ان يجده مهما كان منخفض الأجر، لكن اثنين من أطفالهما الأربعة، وهما قصي البالغ 10 سنوات من العمر ولطيفة التي تصغره بعام واحد، يذهبان الى المدرسة. ليست هناك انفجارات، ولا اختفاءات، ولا رسائل تهديد من عقب الباب.
الأردن: المحطة الأولى للاجئين
تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ان حوالي 4,7 مليون عراقي قد تركوا بيوتهم منذ بدء الحرب، ما يشكل زيادة كبيرة عن الرقم المسجل قبل عامين والبالغ 3,8 مليون، والعراقيون هم اكثر طالبي اللجوء السياسي في أوروبا، وفي انتظار تحقيق أحلامهم، سواء في بناء حياة جديدة في الغرب او الانتظار حتى تزول الغمة عن العراق ويعود صالحا للعيش من جديد، فان العراقيين عموما يمرون في الأردن بادئ الامر.
يقول مسؤولو الهجرة انه من شبه المستحيل تقدير عدد العراقيين الذين يعيشون الان في الأردن، لان الغالبية الساحقة منهم غير مسجلين، وقد أعطت مجموعة نرويجية تسمى (فافو) تقديرا للعراقيين الذين يعيشون في الاردن يبلغ نصف مليون لاجئ، وذلك في دراستها التي نشرت مؤخرا. لكن آخرون يقولون ان الرقم قد انخفض بسبب قبول طلبات إعادة التوطين في بلدان اخرى.
تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ان اكثر من 54.000 عراقي قد تم تسجيلهم على انهم لاجئون في الأردن، بالمقارنة مع 221.000 في سوريا، البلد المجاور.
يحاول بعض العراقيين الذين يقيمون هنا ان يبقوا بعيدا عن نظر السلطات الأردنية عن عمد خوفا من ترحيلهم. كما ان هناك أشخاصاً مثل رائدة ومحمد اللذين غادرا على عجل بدون الحصول على جواز سفر، ثم الفيا نفسيهما غير قادرين على اثبات هويتهما من اجل الحصول على وضع لاجئ، وهناك آخرون يسعون الى الحصول على تأشيرة السفر الى أوروبا او الولايات المتحدة. لكن السيد تسجانن يقول ان بعضا ممن حصل عليها بالفعل هم بصدد العودة الان لاستحالة الحصول على عمل في خضم الانهيار الاقتصادي العالمي.
لقد كانت الأردن مضيافة، برغم صعوبة الحصول على ترخيص الإقامة بالنسبة للعراقيين، كما انها لم تمنح سوى عدد قليل منهم إقامة دائمة في أراضيها، وقد سمحت السلطات الأردنية، للعام الثاني، للأطفال العراقيين ان يسجلوا في المدارس الأردنية، كما انها أسقطت الغرامات المالية التي تفرضها الحكومة على هؤلاء الذين يتجاوزون مدة الإقامة التي حصلوا عليها في الأردن.
غير ان المسؤولين الأردنيين يقولون ان هذه الضيافة المؤقتة قد سببت ضغطا على الموارد المحدودة للبلاد.
يقول نبيل الشريف، وزير الدولة لشؤون الإعلام: «لقد اتخذت الأردن قرارا بتمديد إسقاط غرامات تجاوز الإقامة عن العراقيين، وهذا ما سيكلف الموازنة الأردنية مبلغ 270 مليون دولار هذا العام».
ويضيف: «لقد اتخذ الملك إجراءات غير اعتيادية لتسهيل إقامة العراقيين، وقد وضعت هذه الإجراءات بطبيعة الحال المزيد من الضغط على الجهات الخدمية في الأردن. يتضح هذا لنا اذا آخذنا بنظر الاعتبار ان هناك نحو نصف مليون لاجئ عراقي يعيشون في الأردن، حيث يبعثون أطفالهم الى المدارس الأردنية، ويذهبون الى العيادات الطبية، وما شابه ذلك. يشكل هذا الرقم نحو عشر تعداد السكان في الأردن، وهو ما يكلف نحو مليار دينار أردني (1,4 مليار دولار) سنويا، هناك دعم من المجتمع الدولي، غير انه غير كاف».
وقد أعلنت إدارة اوباما في الشهر الماضي عن تقديم المزيد من الاموال الى المهجرين العراقيين في العراق والأردن وسوريا، وهو ما يجعل قيمة مساهمة الولايات المتحدة هذا العام 150 مليون دولار، بينما كانت تلك المساهمة 400 مليون دولار في عام 2008، حسب ما افاد موقع بروبابليكا دوت اورغ.
يقول السيد الشريف: «تلتزم الحكومة الأردنية بتوفير العيش الملائم للعراقيين في الأردن، وقد اتخذت خطوات هائلة للتأكد من انهم قادرون على الحصول على الخدمات الحكومية، مثل المدارس العامة والعيادات الصحية، لكن الحل الامثل للعراقيين يتمثل في العودة الطوعية الى العراق.»
يقول السيد تسجانن ان بعض اللاجئين ربما اتخذوا هذه الخطوة بالفعل، لكن عددهم اقل مما يشاع.
ويضيف: «العدد الحقيقي للأشخاص الذين نعرفهم ونعلم انهم عادوا الى العراق هو 300 شخص من الأردن وعدد يتراوح بين 500 الى 600 شخص من سوريا. لكن لا احد يملك الأرقام المضبوطة عن الموجودين هنا حقيقة».
لم يعد لدينا من امل في العراق
السيد اراز همبرسوم اوديك هو احد اللاجئين العراقيين، وهو حديث العهد في الأردن نسبيا، فقد غادر بغداد قبل عامين، وهو وزوجته مسيحيان ارمنيان تعرضت طائفتهما الى المذابح الجماعية، وقد تمت مهاجمة كنيستهما في مناسبات عديدة، وهو غير قادر على احصاء كم من افراد العائلة والأصدقاء قد قتلوا او تعرضوا الى الاختطاف، ويقول انه قد تعرض الى التهديد واجبر على المغادرة.
يقول السيد اوديك، ويعمل كهربائيا: «من الصعب جدا الحصول على لقمة العيش هنا لاننا غير مرخصين بالعمل»، وقد وجد عملا في منطقة بعمان يقطنها عراقيون مسيحيون، وقد بدأ سكانها بالنضوب مع حصول الكثير منهم على تأشيرة السفر الى الولايات المتحدة.
يقول اوديك انه يتوقع الذهاب الى لوس أنجلس، حيث تسكن عائلة زوجته، في الاشهر القليلة القادمة. وقد حصلوا بالفعل على الموافقة بالهجرة الى الولايات المتحدة.
يقول اوديك: «لم يعد لنا من أمل في العراق، ولا احد يفكر بالعودة»، في الاقل لا احد يعرفه هو شخصياً، ويضيف: «اعلم انني لن أعود الى هناك ابدا».
Sunday, April 12, 2009
الولايات المتحدة تفقد مواطئ أقدامها في المدن
عن: كريستيان ساينس مونيتر
ترجمة: علاء غزالة
قد لا تكون البناية الصناعية المضجرة على سعتها في وسط تلك المدينة الواقعة في وسط العراق هي المقر الفخم لزهاء مئة من الجنود الاميركيين المقيمين هنا. لكن حينما تم اغلاقها في شهر شباط الماضي، كانت كلمات الوداع التي قالها تيري براون، الكابتن في الجيش الاميركي، تحمل المرارة في ثناياها.
فقد قال، متحدثا من تلك الحامية، التي افتتحت في حزيران من عام 2007:
«يمكنك ان تشارك المعاناة اليومية للسكان طالما كنت تعيش بينهم. لكن اغلاق الحامية ليس امرا سيئا بالضرورة. ذلك سوف يمكننا من التنحي جانبا ومراقبة القوات الامنية العراقية.»
تقوم القوات الاميركية باغلاق الحاميات، التي يتوزع اغلبها في المناطق الاكثر اضطرابا في العراق، كجزء من عملية سحب القوات الى القواعد الرئيسة تمهيدا للانسحاب الكامل في عام 2011. وقد اغلقت القوات الاميركية اواعادت، منذ اوائل شهر شباط 11 حامية ومركزا امنيا مشتركا وقاعدة صغيرة كانت تستضيف كلا من القوات العراقية والاميركية. وقد سلم الجيش الاميركي يوم الثلاثاء واحدة من اكبر قواعد العمليات الامامية، وهي قاعدة الرستمية، التي تبلغ مساحتها 15,000 متر مربع وتقع جنوب شرقي بغداد.
وبينما يأسف العديد من قادة الجيش الاميركي لخسارة مواطىء القدم قرب التجمعات السكنية في العراق، والتي مكنتهم من تقديم بعض الخدمات للاهالي، فان الجنود الاميركيين يرون هذا التحول –عموما– على انه تحرك ايجابي من شأنه ان يسهل تسليم المسؤولية الى الجيش العراقي عن طريق تقليل تواجد القوات الامريكية واجبار السكان المحليين على الاعتماد اكثر على قواتهم الامنية. ومع هذا، يستمر العنف في الموصل واجزاء اخرى من العراق، حتى ان هناك قلقا حول كيفية تعاطي المناطق المضطربة مع التواجد المحدود للقوات الاميركية.
يقول توبي دودج، الخبير في الشؤون العراقية لدى المعهد العالمي للدراسات الستراتيجية في لندن: «ترى هل هناك الآن فسحة للمقاتلين تمكنهم من لم شملهم والتحرك مجددا؟ فالموصل لم تفد من زيادة القوات الاميركية ومازالت في حالة غليان.»
30 حزيران: الموعد النهائي للانسحاب من المدن
وجاء اغلاق الحاميات كجزء من الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة والتي تم توقيعها اواخر عام 2008، والتي تقضي بانسحاب جميع القوات القتالية الاميركية من المدن الكبرى بحلول 30 حزيران. على كل حال، اشار المسؤولون الاميركيون والعراقيون انه مع استمرار العنف في الموصل وديالى فان بعض القوات الاميركية ربما ستبقى في المدن فيما بعد الموعد النهائي.
وقد اظهر الجيش الاميركي في وقت سابق من هذا الشهر اولى الاشارات على تخفيض عديد القوات حينما اعلن عن خطط لترحيل لواءين قتاليين، أي نحو 12,000 جندي، من العراق خلال الاشهر الست القادمة. هذا الترحيل سوف يترك قرابة 128,000 عسكري اميركي في العراق. يضاف الى ذلك مغادرة الالوية القتالية البريطانية للعراق في غضون الاشهر القادمة، والتي يبلغ عديدها 4,000 جندي.
ومن المقرر ان يُخفض تعداد القوات الاميركية الى ما بين 35,000 الى 50,000 عسكري للمساعدة في تدريب القوات العراقية، قبل الانسحاب الكامل في كانون الاول من عام 2011.
خطة بترايوس للتدخل السريع
ربما تكون ازالة الحاميات الصغيرة الموزعة بين المدن الكبرى في العراق هي اكبر تغير ملموس في الوقت الذي تتوغل القوات الاميركية اكثر فاكثر الى الخطوط الجانبية. وقد كانت هذه الحاميات حجر الزاوية في خطة الجنرال ديفيد بترايوس لجلب الاستقرار الى العراق عن طريق تحريك القوات الى الاحياء السكنية والاشراف على امنها مباشرة، حيث يمكن للقوات ان تستجيب بسرعة، انطلاقا من هذه الحاميات، الى الحالات الطارئة، كما يمكنها ان تتواصل اكثر من السكان المحليين.
يقول ساجان غوهيل، مدير منظمة الامن الدولي في مؤسسة آسيا-المحيط الهادىء، وهي مؤسسة مستقلة للاستخبارات والامن في لندن: «لعبت سياسة زيادة القوات دورا مهما، وتشعر الولايات المتحدة الآن بثقة اكبر ويمكنهم تحويل المسؤولية الى القوات العراقية.»
على كل حال، بينما ينخفض القتال في معظم اجزاء العراق، حيث بلغ عدد الضحايا بين القوات الاميركية خمس عددها في نفس الوقت من العام الماضي، ومغادرة الالوية التي جاءت ضمن عملية زيادة القوات، فان هذه الحاميات قد اضحت عبءا بالنسبة الى القادة. اذ بدلا من استخدام القوات للقيام بدوريات، فان قواتهم القتالية يجب ان تستخدم لتوفير الامن الى القواعد الصغيرة.
يقول الكولونيل في الجيش الاميركي بيرت ثومبسون، وهو قائد لواء سترايكر الاول التابع الى فرقة المشاة
الخامسة والعشرين في ديالى: «لقد اختلف الوضع عمّا كان عليه عندما كان الجنرال بترايوس هنا. الحاميات هي الحاضرة، وليس الناس. اريد ان اجعل الناس هم الحاضرين.»
القوات العراقية تقترب من عدد 600,000 عنصر
عندما تغادر القطعات الاميركية بعيدا عن الحاميات نحو القواعد المركزية فسيكون عليها ان تقطع مسافات اطول حينما يتطلب منها الوصول الى المدن والبلدات، لكن سيتاح للمزيد من الجنود الاميركيين العمل مع نظرائهم العراقيين، وهو محور تركيز القوات الاميركية في الوقت الراهن.
سوف تتولى القوات العراقية المسؤولية عن بعض الحاميات، بينما ستتم اعادة البعض الآخر الى وضعها المدني السابق.
وقد تطورت سمعة القوات الامنية العراقية بشكل كبير على مدى سني الحرب، لكن يبقى عليهم ان يفوزوا بالثقة الكاملة من الناس المحليين. وحتى العراقيين الواثقين في جيشهم، الذي بات يربو على 600,000 رجل قوي، فهم لايزالون يفضلون ان يأتوا الى القوات الاميركية عندما تعترضهم المشاكل، بسبب النظرة السائدة من ان الاميركيين لديهم موارد اكبر.
يقول السرجنت جيمس كلارك، الذي انهى للتو واجبه في حامية ببعقوبة: «ان اكبر شيء تحصل عليه، من خلال اخلاء الحاميات، ان الناس سيتوجب عليهم ان يعتمدوا اكثر على القوات الامنية العراقية وستكون لديهم فرص افضل في الظفر بثقة الناس.»
مخاوف من عودة المليشيات
غير أن هناك مخاوف في الشمال من ان يوفر انسحاب القوات الاميركية من مدن مثل الموصل، وهي آخر المعاقل الكبرى للمليشيات في العراق، الفرصة للمتمردين ليعودوا الى الساحة من جديد.
مثل هذه الهواجس خلقت حالة من الضبابية بالنسبة الى حاميات مثل المركز الاعلامي في ديالى الواقع على بعد 10 اميال جنوب شرقي بعقوبة. فهذه الحامية الكائنة في واحدة من اكثر المحافظات اضطرابا بنيت حول محطة تلفزة واذاعة صغيرتين، وتضم برجا للارسال. وتقع في منطقة ريفية من المحافظة، ما يعني انه لا يجب اغلاقها استنادا الى الاتفاقية الامنية.
يقول الكابتن في الجيش الاميركي جيمس لابوينتي انها تبعد مسافة اربعين دقيقة بالسيارة عن اقرب قاعدة عسكرية اميركية «وتسمح لنا بارسال قوة صغيرة خارج المدينة، ما يمكنها من الاستجابة بشكل اسرع، وهي مكان آخر يأتي اليه الناس ليقدموا لنا المعلومات.»
بينما يبقى مستقبل القواعد الصغيرة مثل المركز الاعلامي في ديالى غير واضح، وصعوبة التنبؤ بما تؤول اليه الامور في مناطق مثل ديالى والموصل، فان المرجح ان تخضع القوات العراقية الى اختبار عسير خلال الأشهر القادمة.
يقول السيد غوهيل: «هذا الاختبار الحاسم يتمثل بالكيفية التي ستتعامل بها الحكومة العراقية مع استمرار تقليص القوات الاميركية
ترجمة: علاء غزالة
قد لا تكون البناية الصناعية المضجرة على سعتها في وسط تلك المدينة الواقعة في وسط العراق هي المقر الفخم لزهاء مئة من الجنود الاميركيين المقيمين هنا. لكن حينما تم اغلاقها في شهر شباط الماضي، كانت كلمات الوداع التي قالها تيري براون، الكابتن في الجيش الاميركي، تحمل المرارة في ثناياها.
فقد قال، متحدثا من تلك الحامية، التي افتتحت في حزيران من عام 2007:
«يمكنك ان تشارك المعاناة اليومية للسكان طالما كنت تعيش بينهم. لكن اغلاق الحامية ليس امرا سيئا بالضرورة. ذلك سوف يمكننا من التنحي جانبا ومراقبة القوات الامنية العراقية.»
تقوم القوات الاميركية باغلاق الحاميات، التي يتوزع اغلبها في المناطق الاكثر اضطرابا في العراق، كجزء من عملية سحب القوات الى القواعد الرئيسة تمهيدا للانسحاب الكامل في عام 2011. وقد اغلقت القوات الاميركية اواعادت، منذ اوائل شهر شباط 11 حامية ومركزا امنيا مشتركا وقاعدة صغيرة كانت تستضيف كلا من القوات العراقية والاميركية. وقد سلم الجيش الاميركي يوم الثلاثاء واحدة من اكبر قواعد العمليات الامامية، وهي قاعدة الرستمية، التي تبلغ مساحتها 15,000 متر مربع وتقع جنوب شرقي بغداد.
وبينما يأسف العديد من قادة الجيش الاميركي لخسارة مواطىء القدم قرب التجمعات السكنية في العراق، والتي مكنتهم من تقديم بعض الخدمات للاهالي، فان الجنود الاميركيين يرون هذا التحول –عموما– على انه تحرك ايجابي من شأنه ان يسهل تسليم المسؤولية الى الجيش العراقي عن طريق تقليل تواجد القوات الامريكية واجبار السكان المحليين على الاعتماد اكثر على قواتهم الامنية. ومع هذا، يستمر العنف في الموصل واجزاء اخرى من العراق، حتى ان هناك قلقا حول كيفية تعاطي المناطق المضطربة مع التواجد المحدود للقوات الاميركية.
يقول توبي دودج، الخبير في الشؤون العراقية لدى المعهد العالمي للدراسات الستراتيجية في لندن: «ترى هل هناك الآن فسحة للمقاتلين تمكنهم من لم شملهم والتحرك مجددا؟ فالموصل لم تفد من زيادة القوات الاميركية ومازالت في حالة غليان.»
30 حزيران: الموعد النهائي للانسحاب من المدن
وجاء اغلاق الحاميات كجزء من الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة والتي تم توقيعها اواخر عام 2008، والتي تقضي بانسحاب جميع القوات القتالية الاميركية من المدن الكبرى بحلول 30 حزيران. على كل حال، اشار المسؤولون الاميركيون والعراقيون انه مع استمرار العنف في الموصل وديالى فان بعض القوات الاميركية ربما ستبقى في المدن فيما بعد الموعد النهائي.
وقد اظهر الجيش الاميركي في وقت سابق من هذا الشهر اولى الاشارات على تخفيض عديد القوات حينما اعلن عن خطط لترحيل لواءين قتاليين، أي نحو 12,000 جندي، من العراق خلال الاشهر الست القادمة. هذا الترحيل سوف يترك قرابة 128,000 عسكري اميركي في العراق. يضاف الى ذلك مغادرة الالوية القتالية البريطانية للعراق في غضون الاشهر القادمة، والتي يبلغ عديدها 4,000 جندي.
ومن المقرر ان يُخفض تعداد القوات الاميركية الى ما بين 35,000 الى 50,000 عسكري للمساعدة في تدريب القوات العراقية، قبل الانسحاب الكامل في كانون الاول من عام 2011.
خطة بترايوس للتدخل السريع
ربما تكون ازالة الحاميات الصغيرة الموزعة بين المدن الكبرى في العراق هي اكبر تغير ملموس في الوقت الذي تتوغل القوات الاميركية اكثر فاكثر الى الخطوط الجانبية. وقد كانت هذه الحاميات حجر الزاوية في خطة الجنرال ديفيد بترايوس لجلب الاستقرار الى العراق عن طريق تحريك القوات الى الاحياء السكنية والاشراف على امنها مباشرة، حيث يمكن للقوات ان تستجيب بسرعة، انطلاقا من هذه الحاميات، الى الحالات الطارئة، كما يمكنها ان تتواصل اكثر من السكان المحليين.
يقول ساجان غوهيل، مدير منظمة الامن الدولي في مؤسسة آسيا-المحيط الهادىء، وهي مؤسسة مستقلة للاستخبارات والامن في لندن: «لعبت سياسة زيادة القوات دورا مهما، وتشعر الولايات المتحدة الآن بثقة اكبر ويمكنهم تحويل المسؤولية الى القوات العراقية.»
على كل حال، بينما ينخفض القتال في معظم اجزاء العراق، حيث بلغ عدد الضحايا بين القوات الاميركية خمس عددها في نفس الوقت من العام الماضي، ومغادرة الالوية التي جاءت ضمن عملية زيادة القوات، فان هذه الحاميات قد اضحت عبءا بالنسبة الى القادة. اذ بدلا من استخدام القوات للقيام بدوريات، فان قواتهم القتالية يجب ان تستخدم لتوفير الامن الى القواعد الصغيرة.
يقول الكولونيل في الجيش الاميركي بيرت ثومبسون، وهو قائد لواء سترايكر الاول التابع الى فرقة المشاة
الخامسة والعشرين في ديالى: «لقد اختلف الوضع عمّا كان عليه عندما كان الجنرال بترايوس هنا. الحاميات هي الحاضرة، وليس الناس. اريد ان اجعل الناس هم الحاضرين.»
القوات العراقية تقترب من عدد 600,000 عنصر
عندما تغادر القطعات الاميركية بعيدا عن الحاميات نحو القواعد المركزية فسيكون عليها ان تقطع مسافات اطول حينما يتطلب منها الوصول الى المدن والبلدات، لكن سيتاح للمزيد من الجنود الاميركيين العمل مع نظرائهم العراقيين، وهو محور تركيز القوات الاميركية في الوقت الراهن.
سوف تتولى القوات العراقية المسؤولية عن بعض الحاميات، بينما ستتم اعادة البعض الآخر الى وضعها المدني السابق.
وقد تطورت سمعة القوات الامنية العراقية بشكل كبير على مدى سني الحرب، لكن يبقى عليهم ان يفوزوا بالثقة الكاملة من الناس المحليين. وحتى العراقيين الواثقين في جيشهم، الذي بات يربو على 600,000 رجل قوي، فهم لايزالون يفضلون ان يأتوا الى القوات الاميركية عندما تعترضهم المشاكل، بسبب النظرة السائدة من ان الاميركيين لديهم موارد اكبر.
يقول السرجنت جيمس كلارك، الذي انهى للتو واجبه في حامية ببعقوبة: «ان اكبر شيء تحصل عليه، من خلال اخلاء الحاميات، ان الناس سيتوجب عليهم ان يعتمدوا اكثر على القوات الامنية العراقية وستكون لديهم فرص افضل في الظفر بثقة الناس.»
مخاوف من عودة المليشيات
غير أن هناك مخاوف في الشمال من ان يوفر انسحاب القوات الاميركية من مدن مثل الموصل، وهي آخر المعاقل الكبرى للمليشيات في العراق، الفرصة للمتمردين ليعودوا الى الساحة من جديد.
مثل هذه الهواجس خلقت حالة من الضبابية بالنسبة الى حاميات مثل المركز الاعلامي في ديالى الواقع على بعد 10 اميال جنوب شرقي بعقوبة. فهذه الحامية الكائنة في واحدة من اكثر المحافظات اضطرابا بنيت حول محطة تلفزة واذاعة صغيرتين، وتضم برجا للارسال. وتقع في منطقة ريفية من المحافظة، ما يعني انه لا يجب اغلاقها استنادا الى الاتفاقية الامنية.
يقول الكابتن في الجيش الاميركي جيمس لابوينتي انها تبعد مسافة اربعين دقيقة بالسيارة عن اقرب قاعدة عسكرية اميركية «وتسمح لنا بارسال قوة صغيرة خارج المدينة، ما يمكنها من الاستجابة بشكل اسرع، وهي مكان آخر يأتي اليه الناس ليقدموا لنا المعلومات.»
بينما يبقى مستقبل القواعد الصغيرة مثل المركز الاعلامي في ديالى غير واضح، وصعوبة التنبؤ بما تؤول اليه الامور في مناطق مثل ديالى والموصل، فان المرجح ان تخضع القوات العراقية الى اختبار عسير خلال الأشهر القادمة.
يقول السيد غوهيل: «هذا الاختبار الحاسم يتمثل بالكيفية التي ستتعامل بها الحكومة العراقية مع استمرار تقليص القوات الاميركية
Tuesday, April 07, 2009
موظفو شركة بلاك ووتر السابقون قد يعودون للعمل في العراق
عن: الهيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة
فقدت شركة بلاك ووتر العالمية في الشهر الماضي عقدها الذي تبلغ قيمته مليارات عدة من الدولارات لحماية الدبلوماسيين الاميركيين هنا. لكن الكثير من موظفيها، ان لم يكن معظمهم، والذين يعملون كحراس خصوصيين سوف يعودون الى عملهم في العراق.
سوف يرتدي الافراد انفسهم زيا نظاميا جديدا، يتمثل في زي شركة تربل كانوبي، وهي المؤسسة التي فازت بعقد وزارة الخارجية الاميركية بعد ان رفض المسؤولون العراقيون تجديد ترخيص عمل شركة بلاك ووتر، حسبما افاد دبلوماسيون اميركيون ومسؤولون في قطاع الحماية الخصوصية ومسؤولون عراقيون.
وينظر الى شركة بلاك ووتر في العراق على انها رمز للعنف الاميركي والفرار من القصاص. وقد فقدت الشركة عقدها بعد اتهامها باستعمال القوة المفرطة في حوادث عدة، وبالتحديد في اطلاق النار بدون استفزاز، على ما يبدو، في وسط بغداد عام 2007 والذي ادى الى مقتل 17 مدنيا.
وعلى الرغم من توالي الانتقادات ضد شركة بلاك ووتر فان المسؤولين الاميركيين يقولون انهم شعروا بالارتياح لان الحراس الخصوصيين القدامى سوف يبقون في العمل. ويقولون انه لولا هذا فلن يكون بمقدور شركة تربل كانوبي ان توفر حراسا مؤهلين بما فيه الكفاية، والذين يحوزون على الموافقات الامنية المناسبة، قبل ان يسري مفعول العقد الجديد في شهر آيار.
يقول دبلوماسي غربي، طلب عدم ذكر اسمه: «ليس هناك من طريقة اخرى لفعل ذلك.»
ويخشى منتقدو شركة بلاك ووتر انه اذا عاد نفس الاشخاص للعمل فانهم قد يرتكبون نفس الاعمال التي يعتقدون انها تمثل عقلية تلك الشركة التي لم تعر اهمية لحيوات العراقيين.
تقول سوزان بورك، المحامية الاميركية التي رفعت ثلاث دعاوى قضائية ضد شركة بلاك ووتر نيابة عن المدنيين العراقيين الذين يدعون انهم ضحايا هذه الشركة:
هل ستفيد شركة بلاك ووتر، التي تم تسميتها مؤخرا (زي)، او اية شركة اخرى مرتبطة بها من هذه الصفقة؟ لازال هذا السؤال يبحث عن اجابة. هناك شكوك لدى العاملين في مجال الحماية الخصوصية بان شركة تربل كانوبي ربما ستحيل عقدا الى شركة تسمى فالكون غروب كمقاول ثانوي. وكانت السيدة بورك قد عرّفت تلك الاخيرة على انها مرتبطة بشركة بلاك ووتر في القضية التي رفعتها.
وقالت المتحدثة باسم شركة بلاك ووتر، آن تايريل، ان شركة بلاك ووتر لا تربطها اية علاقات مع شركة فاكون غروب، التي يصفها موقعها الالكتروني على انها شركة مملوكة لمجموعة من العراقيين المهتمين بالامن واعادة الاعمار. واضافت: «الاشخاص الذين يوفرون خدمات الحماية الخصوصية في الخارج هم متعاقدون مستقلون. حينما سينتهي سريان عقدنا في غضون 60 او 90 يوما، فان من حقهم ان يبحثوا عن التوظيف مع من يشاؤون.»
وقد رفضت الناطقة بلسان شركة تربل كانوبي، جايانتي مينجيس، التعليق على قضية العقد الثانوي وقالت: «سوف نعين موظفين لهذا العقد من بين الاشخاص المؤهلين والحاصلين على الموافقات الامنية.»
ولكن الدبلوماسي الغربي يقول انه على الرغم من ان معظم الحراس الخصوصيين هم من الذين خدموا سابقا مع شركة بلاك ووتر، فانه سوف تحدث تغييرات كبيرة في قواعدهم للاشتباك. ولخّص عقيد سابق في المارينز، وكان قد عمل مع شركة بلاك ووتر، القواعد السابقة بالقول: «ليس هناك من تعويض للمواطنين المحليين الذين يشاطرون الطريق مع سيارات او قافلات بلاك ووتر، اطلق النار ان كنت في حالة شك، واستمر في قيادة السيارة، الخ.»
يقول الدبلوماسي ان قواعد الاشتباك الجديدة تقتضي ان يتصرف الموظفون بعدوانية اقل. هذه القواعد اصبحت قيد التطبيق بالفعل حينما وُجهت الاوامر الى قوافل الحماية التابعة الى بلاك ووتر بالتحلي باللياقة حينما يسيرون في الشوارع العراقية.وكانت وزارة الخارجية الاميركية قد احالت عقد الحمايات الخاصة الى شركة تربل كانوبي بعد ان رفض العراق تجديد عقد شركة بلاك ووتر. وشركة تربل كانوبي هي احدى شركتين تقومان حاليا بتقديم خدمات الحماية الى وزارة الخارجية الاميركية في العراق، حيث ان الشركة الاخرى هي داينكورب. وقد احيل العقد، الذي يمتد اجله لخمس سنوات وتبلغ قيمته 977 مليون دولار، في 31 آذار، ويصبح ساري المفعول في 7 آيار. وتمثل تلك القيمة جزء كبيرا من اعمال شركة بلاك ووتر العالمية السابقة.
ويقول مسؤولون اميركيون ان من الصعب استبدال شركة بلاك ووتر باخرى تبدأ من الصفر في فترة شهر او نحوه. وتحتفظ الشركة بقوة من رجال مسلحين يبلغ عددهم 600 عنصر، ويقع مقرهم في المنطقة الخضراء ببغداد لحماية السفارة الاميركية والموظفين المدنيين الحكوميين الاخرين. ويتطلب عملهم الحصول على الموافقة الامنية حيث انهم سيرافقون الدبلوماسيين في مهمات حساسة. ويجري التحري مطولا عن المتقدمين للتعيين قبل منحهم تلك الموافقات الامنية.
كما ان الحصول على الموافقات الامنية بالنسبة لغير الاميركيين هو امر في غاية الصعوبة.
وتحتفظ بلاك ووتر بقوة للتدخل السريع، ولديها طائرات عمودية مدنية، وطائرات استطلاع بدون طيار، ووسائل نقل جوي اخرى. وسوف يبقى عقدهم للعمليات الجوية ساري المفعول حتى ينتهي في شهر ايلول.وعلى الرغم من ان شركة تربل كانوبي هي شركة اميركية الا ان معظم موظفيها في العراق هم عسكريون سابقون من بلدان ذات مقاييس دخل منخفضة، مثل البيرو والسلفادور، مع قدر من التدريب يقل كثيرا عن الموظفين الغربيين، كما لا يرجح انهم يمكن ان يحصلوا على الموافقات الامنية.وقد دافع الكثير من الدبلوماسيين الاميركيين عن شركة بلاك ووتر.
وكان ستة دبلوماسيين اميركيين على الاقل قد لقوا مصرعهم منذ احتلال العراق، وتقول السيدة تايريل ان 27 من اعضاء بلاك ووتر قتلوا بينما كانوا يدافعون عن الاشخاص الذين كانوا في عهدتهم. يقول مسؤول على اطلاع على التحضيرات الامنية للدبلوماسيين الاميركيين، وقد طلب عدم التعريف به لانه غير مخول بالحديث الى وسائل الاعلام: «هناك عدد معين من موظفينا بقوا على قيد الحياة لان حراس بلاك ووتر قتلوا بينما كانوا يحمونهم.»
ويبدو ان العراقيين مستعدون لقبول مبدأ ان الكثير، او حتى اغلب موظفي بلاك ووتر السابقين سوف يبقون في العمل على انهم موظفو تربل كانوبي. يقول العميد عبد الكريم خلف، المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية: «ليس من المهم من يكونون، او ما هي اسماؤهم، او أي زي يرتدون، طالما انهم خاضعون الى القانون العراقي وتحترم شركتهم القوانين العراقية.»
ترجمة: علاء غزالة
فقدت شركة بلاك ووتر العالمية في الشهر الماضي عقدها الذي تبلغ قيمته مليارات عدة من الدولارات لحماية الدبلوماسيين الاميركيين هنا. لكن الكثير من موظفيها، ان لم يكن معظمهم، والذين يعملون كحراس خصوصيين سوف يعودون الى عملهم في العراق.
سوف يرتدي الافراد انفسهم زيا نظاميا جديدا، يتمثل في زي شركة تربل كانوبي، وهي المؤسسة التي فازت بعقد وزارة الخارجية الاميركية بعد ان رفض المسؤولون العراقيون تجديد ترخيص عمل شركة بلاك ووتر، حسبما افاد دبلوماسيون اميركيون ومسؤولون في قطاع الحماية الخصوصية ومسؤولون عراقيون.
وينظر الى شركة بلاك ووتر في العراق على انها رمز للعنف الاميركي والفرار من القصاص. وقد فقدت الشركة عقدها بعد اتهامها باستعمال القوة المفرطة في حوادث عدة، وبالتحديد في اطلاق النار بدون استفزاز، على ما يبدو، في وسط بغداد عام 2007 والذي ادى الى مقتل 17 مدنيا.
وعلى الرغم من توالي الانتقادات ضد شركة بلاك ووتر فان المسؤولين الاميركيين يقولون انهم شعروا بالارتياح لان الحراس الخصوصيين القدامى سوف يبقون في العمل. ويقولون انه لولا هذا فلن يكون بمقدور شركة تربل كانوبي ان توفر حراسا مؤهلين بما فيه الكفاية، والذين يحوزون على الموافقات الامنية المناسبة، قبل ان يسري مفعول العقد الجديد في شهر آيار.
يقول دبلوماسي غربي، طلب عدم ذكر اسمه: «ليس هناك من طريقة اخرى لفعل ذلك.»
ويخشى منتقدو شركة بلاك ووتر انه اذا عاد نفس الاشخاص للعمل فانهم قد يرتكبون نفس الاعمال التي يعتقدون انها تمثل عقلية تلك الشركة التي لم تعر اهمية لحيوات العراقيين.
تقول سوزان بورك، المحامية الاميركية التي رفعت ثلاث دعاوى قضائية ضد شركة بلاك ووتر نيابة عن المدنيين العراقيين الذين يدعون انهم ضحايا هذه الشركة:
هل ستفيد شركة بلاك ووتر، التي تم تسميتها مؤخرا (زي)، او اية شركة اخرى مرتبطة بها من هذه الصفقة؟ لازال هذا السؤال يبحث عن اجابة. هناك شكوك لدى العاملين في مجال الحماية الخصوصية بان شركة تربل كانوبي ربما ستحيل عقدا الى شركة تسمى فالكون غروب كمقاول ثانوي. وكانت السيدة بورك قد عرّفت تلك الاخيرة على انها مرتبطة بشركة بلاك ووتر في القضية التي رفعتها.
وقالت المتحدثة باسم شركة بلاك ووتر، آن تايريل، ان شركة بلاك ووتر لا تربطها اية علاقات مع شركة فاكون غروب، التي يصفها موقعها الالكتروني على انها شركة مملوكة لمجموعة من العراقيين المهتمين بالامن واعادة الاعمار. واضافت: «الاشخاص الذين يوفرون خدمات الحماية الخصوصية في الخارج هم متعاقدون مستقلون. حينما سينتهي سريان عقدنا في غضون 60 او 90 يوما، فان من حقهم ان يبحثوا عن التوظيف مع من يشاؤون.»
وقد رفضت الناطقة بلسان شركة تربل كانوبي، جايانتي مينجيس، التعليق على قضية العقد الثانوي وقالت: «سوف نعين موظفين لهذا العقد من بين الاشخاص المؤهلين والحاصلين على الموافقات الامنية.»
ولكن الدبلوماسي الغربي يقول انه على الرغم من ان معظم الحراس الخصوصيين هم من الذين خدموا سابقا مع شركة بلاك ووتر، فانه سوف تحدث تغييرات كبيرة في قواعدهم للاشتباك. ولخّص عقيد سابق في المارينز، وكان قد عمل مع شركة بلاك ووتر، القواعد السابقة بالقول: «ليس هناك من تعويض للمواطنين المحليين الذين يشاطرون الطريق مع سيارات او قافلات بلاك ووتر، اطلق النار ان كنت في حالة شك، واستمر في قيادة السيارة، الخ.»
يقول الدبلوماسي ان قواعد الاشتباك الجديدة تقتضي ان يتصرف الموظفون بعدوانية اقل. هذه القواعد اصبحت قيد التطبيق بالفعل حينما وُجهت الاوامر الى قوافل الحماية التابعة الى بلاك ووتر بالتحلي باللياقة حينما يسيرون في الشوارع العراقية.وكانت وزارة الخارجية الاميركية قد احالت عقد الحمايات الخاصة الى شركة تربل كانوبي بعد ان رفض العراق تجديد عقد شركة بلاك ووتر. وشركة تربل كانوبي هي احدى شركتين تقومان حاليا بتقديم خدمات الحماية الى وزارة الخارجية الاميركية في العراق، حيث ان الشركة الاخرى هي داينكورب. وقد احيل العقد، الذي يمتد اجله لخمس سنوات وتبلغ قيمته 977 مليون دولار، في 31 آذار، ويصبح ساري المفعول في 7 آيار. وتمثل تلك القيمة جزء كبيرا من اعمال شركة بلاك ووتر العالمية السابقة.
ويقول مسؤولون اميركيون ان من الصعب استبدال شركة بلاك ووتر باخرى تبدأ من الصفر في فترة شهر او نحوه. وتحتفظ الشركة بقوة من رجال مسلحين يبلغ عددهم 600 عنصر، ويقع مقرهم في المنطقة الخضراء ببغداد لحماية السفارة الاميركية والموظفين المدنيين الحكوميين الاخرين. ويتطلب عملهم الحصول على الموافقة الامنية حيث انهم سيرافقون الدبلوماسيين في مهمات حساسة. ويجري التحري مطولا عن المتقدمين للتعيين قبل منحهم تلك الموافقات الامنية.
كما ان الحصول على الموافقات الامنية بالنسبة لغير الاميركيين هو امر في غاية الصعوبة.
وتحتفظ بلاك ووتر بقوة للتدخل السريع، ولديها طائرات عمودية مدنية، وطائرات استطلاع بدون طيار، ووسائل نقل جوي اخرى. وسوف يبقى عقدهم للعمليات الجوية ساري المفعول حتى ينتهي في شهر ايلول.وعلى الرغم من ان شركة تربل كانوبي هي شركة اميركية الا ان معظم موظفيها في العراق هم عسكريون سابقون من بلدان ذات مقاييس دخل منخفضة، مثل البيرو والسلفادور، مع قدر من التدريب يقل كثيرا عن الموظفين الغربيين، كما لا يرجح انهم يمكن ان يحصلوا على الموافقات الامنية.وقد دافع الكثير من الدبلوماسيين الاميركيين عن شركة بلاك ووتر.
وكان ستة دبلوماسيين اميركيين على الاقل قد لقوا مصرعهم منذ احتلال العراق، وتقول السيدة تايريل ان 27 من اعضاء بلاك ووتر قتلوا بينما كانوا يدافعون عن الاشخاص الذين كانوا في عهدتهم. يقول مسؤول على اطلاع على التحضيرات الامنية للدبلوماسيين الاميركيين، وقد طلب عدم التعريف به لانه غير مخول بالحديث الى وسائل الاعلام: «هناك عدد معين من موظفينا بقوا على قيد الحياة لان حراس بلاك ووتر قتلوا بينما كانوا يحمونهم.»
ويبدو ان العراقيين مستعدون لقبول مبدأ ان الكثير، او حتى اغلب موظفي بلاك ووتر السابقين سوف يبقون في العمل على انهم موظفو تربل كانوبي. يقول العميد عبد الكريم خلف، المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية: «ليس من المهم من يكونون، او ما هي اسماؤهم، او أي زي يرتدون، طالما انهم خاضعون الى القانون العراقي وتحترم شركتهم القوانين العراقية.»
Sunday, April 05, 2009
جولة في ذاكرة العراق عبر القطار
عن: الواشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة
العاصفة الرملية تجعل بغداد الحزينة أكثر حزنا على الدوام. تتحول الشمس الى قمر في سماء رمادية في حالة حداد. يتوقف الزمن حينما يذوب الفجر في يوم غائم يشعرك وكأنه الغروب. تجلب هذه العواصف، التي اصبحت شائعة هذه الايام، حبات الحصى الناعمة التي تستقر على كل شيء، حتى على حاجبي الجندي باسم كاظم الخاليين من التعابير.
انحنى نحو السيارة التي تمر بنقطة التفتيش عند مدخل محطة بغداد المركزية للقطارات، حيث كان يقوم بواجبه. تقلصت عيناه وهو يحشر رأسه ليتعرف على الموجودين في السيارة.
عزف جهاز التسجيل الصوتي في السيارة اغنية لام كلثوم، المطربة المصرية الشهيرة من جيل سابق، من شريط مخدوش. كانت اغنية "سيرة الحب"، حيث علا صوتها المنقطع النظير صوت الكمان الحزين.
قال كاظم للسائق: "دعني استمع لدقيقة، ثم سادعك تمر."
استمع الى ام كلثوم تصدح: "من همسة حب لقيتني بحب. بحب وادوب في الحب. ليل ونهار على بابك." ثم سمح للسيارة بالمرور.
دب نشاط جديد في محطة قطارات بغداد فيما بعد نقطة السيطرة، وقد عادت للحياة بعد سبات طويل. ولكنها تستعيد الى الذاكرة عالماً ضائعاً، مثلما تفعل تلك المطربة الاسطورة. تقف منارتي الساعة، مثل برجي حراسة، على جانبي القبة التركوازية التي بنيت قبل نصف قرن. تعلن بطاقات رثة عن رحلات لم تعد موجودة: الى الموصل والى حصيبة وعبر الحدود الى سوريا وتركيا. ترسل الثريات السقفية ومضات من الضوء تتوهج تحتها علامات التميز بين درجة المنام والدرجة السياحية التي لم يعد لها اهمية.
والمحطة باكملها ليست الا بوابة تؤدي الى القطار المتوقف عند طرفها.
المرور من خلال المحطة هو مرور من خلال عراق آخر، ابعد ما يكون عن تلك البلاد هذه الايام، حين كانت ذات مرة عنيدة للغاية وان كانت غير واثقة. هذا الـ(عراق) تملؤه ذكريات، هي في بعض الاحيان محض خيال، عن ماض خلا من سفك الدماء. انها امة حيث تذكـّر الاسماء بالمكان، لا بجريمة المحتل وتماديه، في ابو غريب وحديثة وحتى في بغداد. انها البلاد التي تتفتح بين نهرين امتلئا على طولهما بحدود غير دقيقة للتقسيمات العرقية والطائفية، التي فـُصلت حتى في اصغر المدن بجدران كونكريتية كئيبة، او بتداعيات المذابح الجماعية العالقة في الذاكرة.
قال احمد مراد، وهو يستقبل عربة القطار: "في القطار، توجه الى الامام مباشرة."
صفر البوق في الساعة 6:25 مساءا، ورمى العمال والطلاب، وهم الابناء الطيبون العائدون الى بيوتهم، والمهنئون والمعزون، ستراتهم وحقائب الكتف المنتفخة وحقائب الطعام وقطع السجاد الملفوفة بحزم على الرفوف العلوية. استلقوا على المقاعد الجلدية الخضراء المهترأة، يتهامسون كما لو كانوا متفرجين يتحدثون قبل بدء مسرحية.
ليس للقطار رقم، فهناك قطار واحد فقط ينطلق كل ليلة الى البصرة الواقعة على بعد 540 كيلومتراً الى الجنوب.
صفر البوق ثانية عند الساعة 6:30. جرت عربات القطار الست نفسها متثاقلة، ثم ارتطمت بعضها مع بعض، بينما كان القطار يغادر في موعده. تهاوت صرخات عجلات القطار، وصنوج المعدن القادم من عالم آخر، والمكان الموحش دائما، في صحوة القطار.
سأل احدهم بتثاقل: "هل وصلنا الدورة؟"
وتعجب الاخر: "هل هي الكاظمية؟"
تسربت الريح الى عربة القطار بينما كان يستجمع سرعته. تلاشت الاعلام الملونة الدينية عن الانظار. كما تلاشت نقاط التفتيش المحاطة بالزهور البلاستيكية التي جللتها العواصف الترابية بالغبار. نفخ القطار بوقه بينما كان يمر بمشاهد مشوشة لصفوف ملتوية من السيارات تنتظر دورها في التفتيش في نقاط السيطرة، ونفخ ثانية حينما مرّ بسيارات للشرطة وقد ومضت مصابيح الانذار فيها، وثالثة حينما مرّ بجدران كونكريتية التي عُلقت عليها ملصقات الانتخابات الممزقة. امكن للحظة تميز وجوه الجنود الواقفين امام صف من المصابيح الامامية للسيارات ، قبل ان تغمرها ظلمة الليل مجددا.
ربما تكون تلك هي المرة الاولى منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 التي تتوقف فيها قافلة سيارات اميركية على الطريق في بغداد. فقد توقفت وهي في طريقها الى المطار بانتظار مرور القطار.
وفي الساعة 6:45 وصل القطار الى سرعته القصوى، وحينها اشعل عقيل موسى سيجارته، وهو يراقب مشهد البيوت المتربعة تحت اشجار النخيل هنا وهناك، غير مكترثة بالزمن.
قال، وقد جالت الافكار في خاطره: "ليس هناك سُنة هنا، وليس هناك من شيعة. نحن كلانا اجزاء من يد واحدة. اتعرف الى شخص ما فقط من خلال المناقشة التي نخوضها."
يُعد خط السكة الحديد هذا، من الناحية الروحية ان لم يكن من الناحية الواقعية، جزءً من خط اقدم، وشرق اوسط اقدم، وهو نتاج رؤية الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر وحلفاؤها الالمان لبناء خط سكة حديد برلين-بغداد الذي ينتهي اخير في البصرة، ويجري بحرية عبر الامتدادات التركية غير المفصولة بحدود، في سوريا والعراق.
وقد بدأت خدمة القطارات مجددا في شهر كانون الاول، باقل قدر من التطبيل والتهليل. وقد كانت رحلة القطار على مدى ثمانية عشر شهرا قبل ذلك من الخطورة بمكان، لانه يمر بالمناطق المتمردة التي تتخفى بين اشجار الكالبتوز والنخيل وبين القرى الصفراء الواقعة في المنطقة التي عرفت باسم مثلث الموت. حينها صوب القناصون بنادقهم عشوائيا على القطار. وقد وقع مدير عام السكك الحديدية في كمين واصيب بطلقات نارية في كلتا رجليه عام 2004. كما تعرض الجسر قرب اللطيفية، الكائنة في قلب مثلث الموت، الى التفجير المرة تلو الاخرى.
اما اليوم، فالقطار ممتليء بالمسافرين، حيث تبلغ اجرة التذكرة مبلغ سبعة دولارات فقط، او خمس تكلفة سيارة الاجرة. وحينما مرّ القطار باللطيفية، لم يتوجس احد من خطر كامن.
قال هلال كريم، الذي يسافر من اجل عمل في البصرة: "الدليل (على الامن) اني اجلس هنا الان."
عُلقت الستائر القذرة في العربة رقم 499 على نافذة ذات شقوق. نوابض المقعد رقم 23 كانت مكسورة. القليل من المصابيح الرأسية في العربة كانت تعمل، اجتذب احدها حشرات طائرة لترقص حول السقف، بلا كلل ولا ملل. اما الجدران البنية فقد اضافت حصتها الى المشهد الكئيب.
هتف احد المسافرين من مؤخرة العربة، وقد اجتمع اثنان من اصابعه حول سيجارة: "يا محمد، اترك الباب مفتوحا، حتى يمكن للدخان ان يخرج."
ثم سرعان ما التقى عقب سيجارته مع بذور (حب) عباد الشمس الملقاة على الارضية.
صاح على احد الشباب الجالس امامه، وقد كان يحاول بلا جدوى ان يحشر عودا من البخور المشتعل في موضع لبرغي مفقود: "ماذا تفعل؟ هل تريد ان تحرق القطار؟"
تساءل مسافر آخر: "هل هذه هي اللطيفية؟"
اجابه صديقه مخمنا: "انها المحمودية؟"
عزفت اجهزة الهاتف النقال اغنيات منوعة. كان من بينها اغنيات لمطربين عراقيين مثل ياس خضر. وقام احدهم بعزف نشيد عسكري من وقت صدام على سبيل المزاح. ثم ادت مطربة سورية (...) اسمها (اصالة) اغنية اخرى لام كلثوم. "اخاف منك، واخاف تنساني. لكن البعد عنك صحاني، غلبني الشوق."
كانت كلمات الاغنية بالكاد مسموعة بالنسبة الى ولاء حسين الذي يقف عند باب القطار.
تطوع بالكلام، وهو يرتشف شايا ساخنا: "لقد سئمت من هذه الحياة."
جاء حسين، الشاب البالغ ثمانية عشر عاما من العمر وهو متزوج واب لصبي اسمه علي وعمره تسعة اشهر، جاء الى بغداد للعمل. لقد كانت تلك هي رحلته الخامسة على القطار. وقد نام في الشارع في الليلة الماضية، على أمل ان يكون من بين الاوائل في صف الانتظار للتقديم على سلك الشرطة. ولكن لم يكن لذلك اهمية.
قال: "ليس هناك من مستقبل، اقسم بالله." القى ما تبقى من الشاي في كوبه عبر الباب ثم وقف على رجليه، وقال: "ليس لدي حتى عشاءً واحدا اقدمه الى طفلي."
دفع ذراعه المفتولة نحو باب الخروج ورسم ابتسامة مضيافة. تطلع بوجه تعلوه نظرة الوداع الى خارج القطار حيث تعيش حيوات اخرى. حياته بالكاد بدأت. قال: "حينما اقف هنا، اريد ان اخرج كل الأسى من قلبي وارميه خارج هذا الباب."
ابتسم ثانية، بصرامة، وقال: "انه لمن الجيد ان يتحدث المرء."
تباطأ القطار. تساءل احدهم: "هل نحن في المسيب؟"
على مبعدة عدة صفوف من الكراسي الى الامام، كانت هناك اغنية تـُعزف. الاغنية اسمها "هذا العراق"، وينشدها تيسير الصفار. تقول الاغنية: "سوف نضيء طرقاتك بالشموع. سوف نجفف دموع عينيك."
ينتظر تاريخ الحروب الداخلية التي وقعت بالعراق في عامي 2006 و2007 ان يُكتب. انها تفتقر حتى الى الاسم. يُطلق عليها في بعض الاحيان تسمية "الفترة الطائفية" او "الحرب الطائفية." وفي احيان اخرى تـُعرف باسم "الاحداث." غير انه عادة ما تكفي الاشارة الى كلمة واحدة: "الطائفية."
اصبحت نقاط السيطرة الموزعة بكثرة في الشوارع العراقية، احيانا في كل 100 متر او نحوها، ميراث هذه الحرب. في بلد يكتظ بالجدران والموانع والسواتر والاسلاك الشائكة، تجد الكثيرين كارهين لها. يجري التفتيش في نقاط السيطرة اعتباطيا، حيث يكون الجنود احيانا فظين، بينما قد يدوم التأخير فيها لساعات، يتمثل باشرطة من السيارات المصطفة بتراخٍ على مسافة كيلومترات عدة.
قال علي زيد، الطالب الذي يبلغ عشرين عاما من العمر وقد كان يقوم بزيارة في بغداد: "يزعجك دائما ان ترى القوافل العسكرية الامريكية توقفنا وتمنعنا من التحرك في بلدنا."
اضاف ابن عمه عبد الله حامد: "والان انتقل عدوى هذا المرض من الاميركيين الى العراقيين. انه مثل فايروس ينتشر في حاسوبك. لا يمكنك محوه."
حامد هو شخص كثير الحديث وضخم الجسم. وهو يدرس الحاسوب، لكنه يقول ان ولعه الحقيقي هو في الشعر، سواء كانت اعمال امرؤ القيس، قبل فجر الاسلام، ام الشاعر نزار قباني، المتوفى في عام 1998. البيت الشعري المفضل لديه، متأثرا بالطائفية، هو: "دموع بغداد، ملايين الدموع. من لدي في بغداد، تبكي علي، وابكي عليها؟"
قال ان هناك شعراً يتلى في القطار. انها الثقافة المكتسبة في الرحلة.
واضاف، وقد مال رأسه الى النافذة التي يعلوها الغبار: "سوف تكوّن فكرة عن البلاد اذا استطعت ان تتجول خلالها بحرية. اريد ان انتقل من مكان الى مكان. اذا لم يكن لي ان اعرف العالم، فبامكاني في الاقل ان اتعرف الي بلدي."
عُزفت المزيد من الاغاني، كان احدها نشيدا للقطار.
صدح صوت ياس خضر، من سماعة خافتة: "راح ابقى على السكة، اعد المحطات للبصرة. وصلوا تل اللحم، لو عبروا؟"
بينما اقترب منتصف الليل، هوى المزيد من المسافرين الى النوم، ما عدا مجموعة من المشاغبين في الصف رقم 29. ومع حلول الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سكن حتى هؤلاء الى الهدوء. لكن المسافرين تنحنحوا في مكانهم كلما ابطأ القطار.
سأل احدهم: "اين نحن الان؟"
وتساءل الاخر: "في أي مدينة نحن الان؟ في السماوة ام في سوق الشيوخ."
بينما اقترب القطار من البصرة بدأت السماء تصطبغ باللون الرمادي. ولاح عن بعد لهيب الغاز الذي يُحرق من آبار النفط، مثل مشاعل في الافق. عادت البيارق الدينية الى الظهور مجددا، كذلك عادت الكتابات والرسومات العشوائية السوداء على الجدران. كما عادت نقاط السيطرة، مع حدودها المرسومة.
توالت اصوات قرعات من القطار بينما كان يعبر قناة قذرة مليئة بالازبال في مدينة كانت تـُعد الاجمل بين مدن العراق.
توقف القطار في الساعة 5:58 صباحا. كـُتب على لافتة معلقة على جدار المحطة، قرب شباك التذاكر الذي يقدم (حجز درجة اولى): "محطة البصرة ترحب بكم." لقد وصل القطار دقيقتين قبل الموعد.
ترجمة: علاء غزالة
العاصفة الرملية تجعل بغداد الحزينة أكثر حزنا على الدوام. تتحول الشمس الى قمر في سماء رمادية في حالة حداد. يتوقف الزمن حينما يذوب الفجر في يوم غائم يشعرك وكأنه الغروب. تجلب هذه العواصف، التي اصبحت شائعة هذه الايام، حبات الحصى الناعمة التي تستقر على كل شيء، حتى على حاجبي الجندي باسم كاظم الخاليين من التعابير.
انحنى نحو السيارة التي تمر بنقطة التفتيش عند مدخل محطة بغداد المركزية للقطارات، حيث كان يقوم بواجبه. تقلصت عيناه وهو يحشر رأسه ليتعرف على الموجودين في السيارة.
عزف جهاز التسجيل الصوتي في السيارة اغنية لام كلثوم، المطربة المصرية الشهيرة من جيل سابق، من شريط مخدوش. كانت اغنية "سيرة الحب"، حيث علا صوتها المنقطع النظير صوت الكمان الحزين.
قال كاظم للسائق: "دعني استمع لدقيقة، ثم سادعك تمر."
استمع الى ام كلثوم تصدح: "من همسة حب لقيتني بحب. بحب وادوب في الحب. ليل ونهار على بابك." ثم سمح للسيارة بالمرور.
دب نشاط جديد في محطة قطارات بغداد فيما بعد نقطة السيطرة، وقد عادت للحياة بعد سبات طويل. ولكنها تستعيد الى الذاكرة عالماً ضائعاً، مثلما تفعل تلك المطربة الاسطورة. تقف منارتي الساعة، مثل برجي حراسة، على جانبي القبة التركوازية التي بنيت قبل نصف قرن. تعلن بطاقات رثة عن رحلات لم تعد موجودة: الى الموصل والى حصيبة وعبر الحدود الى سوريا وتركيا. ترسل الثريات السقفية ومضات من الضوء تتوهج تحتها علامات التميز بين درجة المنام والدرجة السياحية التي لم يعد لها اهمية.
والمحطة باكملها ليست الا بوابة تؤدي الى القطار المتوقف عند طرفها.
المرور من خلال المحطة هو مرور من خلال عراق آخر، ابعد ما يكون عن تلك البلاد هذه الايام، حين كانت ذات مرة عنيدة للغاية وان كانت غير واثقة. هذا الـ(عراق) تملؤه ذكريات، هي في بعض الاحيان محض خيال، عن ماض خلا من سفك الدماء. انها امة حيث تذكـّر الاسماء بالمكان، لا بجريمة المحتل وتماديه، في ابو غريب وحديثة وحتى في بغداد. انها البلاد التي تتفتح بين نهرين امتلئا على طولهما بحدود غير دقيقة للتقسيمات العرقية والطائفية، التي فـُصلت حتى في اصغر المدن بجدران كونكريتية كئيبة، او بتداعيات المذابح الجماعية العالقة في الذاكرة.
قال احمد مراد، وهو يستقبل عربة القطار: "في القطار، توجه الى الامام مباشرة."
صفر البوق في الساعة 6:25 مساءا، ورمى العمال والطلاب، وهم الابناء الطيبون العائدون الى بيوتهم، والمهنئون والمعزون، ستراتهم وحقائب الكتف المنتفخة وحقائب الطعام وقطع السجاد الملفوفة بحزم على الرفوف العلوية. استلقوا على المقاعد الجلدية الخضراء المهترأة، يتهامسون كما لو كانوا متفرجين يتحدثون قبل بدء مسرحية.
ليس للقطار رقم، فهناك قطار واحد فقط ينطلق كل ليلة الى البصرة الواقعة على بعد 540 كيلومتراً الى الجنوب.
صفر البوق ثانية عند الساعة 6:30. جرت عربات القطار الست نفسها متثاقلة، ثم ارتطمت بعضها مع بعض، بينما كان القطار يغادر في موعده. تهاوت صرخات عجلات القطار، وصنوج المعدن القادم من عالم آخر، والمكان الموحش دائما، في صحوة القطار.
سأل احدهم بتثاقل: "هل وصلنا الدورة؟"
وتعجب الاخر: "هل هي الكاظمية؟"
تسربت الريح الى عربة القطار بينما كان يستجمع سرعته. تلاشت الاعلام الملونة الدينية عن الانظار. كما تلاشت نقاط التفتيش المحاطة بالزهور البلاستيكية التي جللتها العواصف الترابية بالغبار. نفخ القطار بوقه بينما كان يمر بمشاهد مشوشة لصفوف ملتوية من السيارات تنتظر دورها في التفتيش في نقاط السيطرة، ونفخ ثانية حينما مرّ بسيارات للشرطة وقد ومضت مصابيح الانذار فيها، وثالثة حينما مرّ بجدران كونكريتية التي عُلقت عليها ملصقات الانتخابات الممزقة. امكن للحظة تميز وجوه الجنود الواقفين امام صف من المصابيح الامامية للسيارات ، قبل ان تغمرها ظلمة الليل مجددا.
ربما تكون تلك هي المرة الاولى منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 التي تتوقف فيها قافلة سيارات اميركية على الطريق في بغداد. فقد توقفت وهي في طريقها الى المطار بانتظار مرور القطار.
وفي الساعة 6:45 وصل القطار الى سرعته القصوى، وحينها اشعل عقيل موسى سيجارته، وهو يراقب مشهد البيوت المتربعة تحت اشجار النخيل هنا وهناك، غير مكترثة بالزمن.
قال، وقد جالت الافكار في خاطره: "ليس هناك سُنة هنا، وليس هناك من شيعة. نحن كلانا اجزاء من يد واحدة. اتعرف الى شخص ما فقط من خلال المناقشة التي نخوضها."
يُعد خط السكة الحديد هذا، من الناحية الروحية ان لم يكن من الناحية الواقعية، جزءً من خط اقدم، وشرق اوسط اقدم، وهو نتاج رؤية الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر وحلفاؤها الالمان لبناء خط سكة حديد برلين-بغداد الذي ينتهي اخير في البصرة، ويجري بحرية عبر الامتدادات التركية غير المفصولة بحدود، في سوريا والعراق.
وقد بدأت خدمة القطارات مجددا في شهر كانون الاول، باقل قدر من التطبيل والتهليل. وقد كانت رحلة القطار على مدى ثمانية عشر شهرا قبل ذلك من الخطورة بمكان، لانه يمر بالمناطق المتمردة التي تتخفى بين اشجار الكالبتوز والنخيل وبين القرى الصفراء الواقعة في المنطقة التي عرفت باسم مثلث الموت. حينها صوب القناصون بنادقهم عشوائيا على القطار. وقد وقع مدير عام السكك الحديدية في كمين واصيب بطلقات نارية في كلتا رجليه عام 2004. كما تعرض الجسر قرب اللطيفية، الكائنة في قلب مثلث الموت، الى التفجير المرة تلو الاخرى.
اما اليوم، فالقطار ممتليء بالمسافرين، حيث تبلغ اجرة التذكرة مبلغ سبعة دولارات فقط، او خمس تكلفة سيارة الاجرة. وحينما مرّ القطار باللطيفية، لم يتوجس احد من خطر كامن.
قال هلال كريم، الذي يسافر من اجل عمل في البصرة: "الدليل (على الامن) اني اجلس هنا الان."
عُلقت الستائر القذرة في العربة رقم 499 على نافذة ذات شقوق. نوابض المقعد رقم 23 كانت مكسورة. القليل من المصابيح الرأسية في العربة كانت تعمل، اجتذب احدها حشرات طائرة لترقص حول السقف، بلا كلل ولا ملل. اما الجدران البنية فقد اضافت حصتها الى المشهد الكئيب.
هتف احد المسافرين من مؤخرة العربة، وقد اجتمع اثنان من اصابعه حول سيجارة: "يا محمد، اترك الباب مفتوحا، حتى يمكن للدخان ان يخرج."
ثم سرعان ما التقى عقب سيجارته مع بذور (حب) عباد الشمس الملقاة على الارضية.
صاح على احد الشباب الجالس امامه، وقد كان يحاول بلا جدوى ان يحشر عودا من البخور المشتعل في موضع لبرغي مفقود: "ماذا تفعل؟ هل تريد ان تحرق القطار؟"
تساءل مسافر آخر: "هل هذه هي اللطيفية؟"
اجابه صديقه مخمنا: "انها المحمودية؟"
عزفت اجهزة الهاتف النقال اغنيات منوعة. كان من بينها اغنيات لمطربين عراقيين مثل ياس خضر. وقام احدهم بعزف نشيد عسكري من وقت صدام على سبيل المزاح. ثم ادت مطربة سورية (...) اسمها (اصالة) اغنية اخرى لام كلثوم. "اخاف منك، واخاف تنساني. لكن البعد عنك صحاني، غلبني الشوق."
كانت كلمات الاغنية بالكاد مسموعة بالنسبة الى ولاء حسين الذي يقف عند باب القطار.
تطوع بالكلام، وهو يرتشف شايا ساخنا: "لقد سئمت من هذه الحياة."
جاء حسين، الشاب البالغ ثمانية عشر عاما من العمر وهو متزوج واب لصبي اسمه علي وعمره تسعة اشهر، جاء الى بغداد للعمل. لقد كانت تلك هي رحلته الخامسة على القطار. وقد نام في الشارع في الليلة الماضية، على أمل ان يكون من بين الاوائل في صف الانتظار للتقديم على سلك الشرطة. ولكن لم يكن لذلك اهمية.
قال: "ليس هناك من مستقبل، اقسم بالله." القى ما تبقى من الشاي في كوبه عبر الباب ثم وقف على رجليه، وقال: "ليس لدي حتى عشاءً واحدا اقدمه الى طفلي."
دفع ذراعه المفتولة نحو باب الخروج ورسم ابتسامة مضيافة. تطلع بوجه تعلوه نظرة الوداع الى خارج القطار حيث تعيش حيوات اخرى. حياته بالكاد بدأت. قال: "حينما اقف هنا، اريد ان اخرج كل الأسى من قلبي وارميه خارج هذا الباب."
ابتسم ثانية، بصرامة، وقال: "انه لمن الجيد ان يتحدث المرء."
تباطأ القطار. تساءل احدهم: "هل نحن في المسيب؟"
على مبعدة عدة صفوف من الكراسي الى الامام، كانت هناك اغنية تـُعزف. الاغنية اسمها "هذا العراق"، وينشدها تيسير الصفار. تقول الاغنية: "سوف نضيء طرقاتك بالشموع. سوف نجفف دموع عينيك."
ينتظر تاريخ الحروب الداخلية التي وقعت بالعراق في عامي 2006 و2007 ان يُكتب. انها تفتقر حتى الى الاسم. يُطلق عليها في بعض الاحيان تسمية "الفترة الطائفية" او "الحرب الطائفية." وفي احيان اخرى تـُعرف باسم "الاحداث." غير انه عادة ما تكفي الاشارة الى كلمة واحدة: "الطائفية."
اصبحت نقاط السيطرة الموزعة بكثرة في الشوارع العراقية، احيانا في كل 100 متر او نحوها، ميراث هذه الحرب. في بلد يكتظ بالجدران والموانع والسواتر والاسلاك الشائكة، تجد الكثيرين كارهين لها. يجري التفتيش في نقاط السيطرة اعتباطيا، حيث يكون الجنود احيانا فظين، بينما قد يدوم التأخير فيها لساعات، يتمثل باشرطة من السيارات المصطفة بتراخٍ على مسافة كيلومترات عدة.
قال علي زيد، الطالب الذي يبلغ عشرين عاما من العمر وقد كان يقوم بزيارة في بغداد: "يزعجك دائما ان ترى القوافل العسكرية الامريكية توقفنا وتمنعنا من التحرك في بلدنا."
اضاف ابن عمه عبد الله حامد: "والان انتقل عدوى هذا المرض من الاميركيين الى العراقيين. انه مثل فايروس ينتشر في حاسوبك. لا يمكنك محوه."
حامد هو شخص كثير الحديث وضخم الجسم. وهو يدرس الحاسوب، لكنه يقول ان ولعه الحقيقي هو في الشعر، سواء كانت اعمال امرؤ القيس، قبل فجر الاسلام، ام الشاعر نزار قباني، المتوفى في عام 1998. البيت الشعري المفضل لديه، متأثرا بالطائفية، هو: "دموع بغداد، ملايين الدموع. من لدي في بغداد، تبكي علي، وابكي عليها؟"
قال ان هناك شعراً يتلى في القطار. انها الثقافة المكتسبة في الرحلة.
واضاف، وقد مال رأسه الى النافذة التي يعلوها الغبار: "سوف تكوّن فكرة عن البلاد اذا استطعت ان تتجول خلالها بحرية. اريد ان انتقل من مكان الى مكان. اذا لم يكن لي ان اعرف العالم، فبامكاني في الاقل ان اتعرف الي بلدي."
عُزفت المزيد من الاغاني، كان احدها نشيدا للقطار.
صدح صوت ياس خضر، من سماعة خافتة: "راح ابقى على السكة، اعد المحطات للبصرة. وصلوا تل اللحم، لو عبروا؟"
بينما اقترب منتصف الليل، هوى المزيد من المسافرين الى النوم، ما عدا مجموعة من المشاغبين في الصف رقم 29. ومع حلول الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سكن حتى هؤلاء الى الهدوء. لكن المسافرين تنحنحوا في مكانهم كلما ابطأ القطار.
سأل احدهم: "اين نحن الان؟"
وتساءل الاخر: "في أي مدينة نحن الان؟ في السماوة ام في سوق الشيوخ."
بينما اقترب القطار من البصرة بدأت السماء تصطبغ باللون الرمادي. ولاح عن بعد لهيب الغاز الذي يُحرق من آبار النفط، مثل مشاعل في الافق. عادت البيارق الدينية الى الظهور مجددا، كذلك عادت الكتابات والرسومات العشوائية السوداء على الجدران. كما عادت نقاط السيطرة، مع حدودها المرسومة.
توالت اصوات قرعات من القطار بينما كان يعبر قناة قذرة مليئة بالازبال في مدينة كانت تـُعد الاجمل بين مدن العراق.
توقف القطار في الساعة 5:58 صباحا. كـُتب على لافتة معلقة على جدار المحطة، قرب شباك التذاكر الذي يقدم (حجز درجة اولى): "محطة البصرة ترحب بكم." لقد وصل القطار دقيقتين قبل الموعد.
Saturday, April 04, 2009
المملكة المتحدة تبدأ وداعها بالقول: الوداع وشكراً لكم على السمك
عن: الغارديان
ترجمة: علاء غزالة
حلت بداية النهاية مع وليمة، واستعراض عسكري تحت السماء الغائمة، وسمكة ذهبية مرصعة بالجواهر.
بدأ انسحاب الجيش البريطاني من العراق ، بعد ست سنوات اعتبرت فيها بريطانيا صديقا وعدوا، محررا ومحتلا، رسميا حينما سلمت القوات البريطانية آخر قواعدها العسكرية الباقية في البصرة، وهي القاعدة في فندق شط العرب.وسوف يسلم الجيش كذلك قاعدته الرئيسة الى الجيش الاميركي، ما يفتح الطريق امام انسحاب كامل مع اوائل الصيف وانهاء احد اكبر اختبارات الجيش البريطاني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتضمن الحفل الذي اقيم يوم امس عرضا لفرقة البحرية الملكية البريطانية، والتي طارت من مدينة كورنويل في المملكة المتحدة، لتقدم عروضها امام مجموعة من الشيوخ وقادة الشرطة. كما جرى في الحفل تبادل الهدايا.
وقد تم تقديم الهدية وهي سمكة السلمون الذهبية المدهشة الى الميجر جنرال اندي سلمون، والذي سلم المهام الامنية الى فرقة عسكرية عراقية عملت القوات البريطانية على تدريبها خلال العامين الماضيين. وقد اشاد الجنرال بالانتخابات المحلية التي جرت مؤخرا في العراق، وحياها باعتبارها نجاحا ديمقراطيا، برغم المزاعم حول التلاعب بنتائجها، والتحقيقات الاخيرة لتصرفات بعض المرشحين من قبل هيئة النزاهة العراقية.
كما ادعى ان القوات البريطانية فخورة في الوصول الى «نهاية ناجحة» للحرب في العراق، وقال ان قرار اسقاط نظام صدام كان صائبا. واضاف: «لقد حافظنا على المسار، وتكبدنا الصعاب، وتشاركنا مع كل شخص، واقتنصنا فرصنا، وتكيفنا على طول الخط.»
واستطرد: «استطيع ان اضع يدي على قلبي واقول اننا انهينا ذلك بالشكل الصحيح. واستطيع ايضا ان اقول اننا مررنا ببعض الاوقات الصعبة، ومن ثم خرجنا منها. وقد مر الجميع هنا بمثل ذلك. ولكننا نستطيع جميعا ان نرفع رؤوسنا عاليا ونقول ان الامر كان يستحق العناء.»
وقد اصر الجيش على مدى الاشهر الثمانية عشر الماضية ان الجيش العراقي قد اختلف كثيرا عن ذلك الجيش الذي كان موجودا وقت حرب عام 2003. كما يدعي الجيش ان البصرة اصبحت اكثر امنا واستقرارا. وهذان هما انجازان مهّدا الطريق امام خروج القوات البريطانية.
على كل حال، سوف يتولى الجيش الاميركي ملء الفجوة التي ستتركها مغادرة القوات البريطانية، وهي الخطوة التي تلقي ظلالاً لن الشك على ادعاءات داوننغ ستريت ووايت هول (الحكومة البريطانية) ان العمل قد انجز.
يقوم الجيش العراقي بدوريات في المدينة منذ عشرة اشهر، وسوف يستمر في استضافة القوات البريطانية في فندق شط العرب حتى شهر تموز.
لن يبقى من القوات البريطانية سوى فريق هيكلي صغير في هذا الفندق الذي كان ذات مرة فندقا شاطئيا فخما واصبح اليوم –جزئيا– اطلالا.
وبينما كان الوجهاء العراقيون والبريطانيون مجتمعين في محفلهم، انفجرت قنبلة قرب منشأة نفطية في جنوب العراق، ما ادى الى مقتل ثلاثة رجال شرطة وثلاثة مدنيين. وكان العنف قد انخفض بشدة في عموم مناطق جنوب العراق، ولكن اعمال العنف تشتعل بين الحين والآخر بالتزامن مع الاحداث الكبيرة.
وقد بلغ العدد الكلي لقتلى القوات البريطانية في هذا الصراع 179 فردا. وقد وجه قائد عمليات البصرة الجديد، اللواء محمد، التحية لهم، مدعيا ان تضحياتهم قد قادت الى تحول كبير في الجنوب. واضاف: «يغادرنا البريطانيون كاصدقاء. يجب ان يكونوا فخورين بما انجزوه. لقد فازوا باحترامنا، وتقدير الشعب العراقي العالي لجهودهم.»
سوف يتسلم القائد الاميركي السيطرة على المطار رسميا يوم الثلاثاء. وقال الوايت هول انه سوف يسحب جميع القوات البريطانية تدريجيا بين الحين والاخر، غير انه لم يعط جدولا زمنيا.
سوف يؤدي التسليم الرسمي الى تحول القوات البريطانية من شريك رئيس في جنوب العراق الى قوات ثانوية، على الرغم من بقاء القوات القتالية على اهبة الاستعداد، مع استمرار انسيابية انسحاب القوات الباقية والبالغ عددها 100عسكري من الان وحتى نهاية تموز. وهي أول المؤشرات المهمة على نهاية الحملة التي قاتلت طويلا من اجل الشرعية في العقل الشعبي البريطاني، وسط الشكوك القائمة حول صلاحها وآثارها.
ترجمة: علاء غزالة
حلت بداية النهاية مع وليمة، واستعراض عسكري تحت السماء الغائمة، وسمكة ذهبية مرصعة بالجواهر.
بدأ انسحاب الجيش البريطاني من العراق ، بعد ست سنوات اعتبرت فيها بريطانيا صديقا وعدوا، محررا ومحتلا، رسميا حينما سلمت القوات البريطانية آخر قواعدها العسكرية الباقية في البصرة، وهي القاعدة في فندق شط العرب.وسوف يسلم الجيش كذلك قاعدته الرئيسة الى الجيش الاميركي، ما يفتح الطريق امام انسحاب كامل مع اوائل الصيف وانهاء احد اكبر اختبارات الجيش البريطاني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتضمن الحفل الذي اقيم يوم امس عرضا لفرقة البحرية الملكية البريطانية، والتي طارت من مدينة كورنويل في المملكة المتحدة، لتقدم عروضها امام مجموعة من الشيوخ وقادة الشرطة. كما جرى في الحفل تبادل الهدايا.
وقد تم تقديم الهدية وهي سمكة السلمون الذهبية المدهشة الى الميجر جنرال اندي سلمون، والذي سلم المهام الامنية الى فرقة عسكرية عراقية عملت القوات البريطانية على تدريبها خلال العامين الماضيين. وقد اشاد الجنرال بالانتخابات المحلية التي جرت مؤخرا في العراق، وحياها باعتبارها نجاحا ديمقراطيا، برغم المزاعم حول التلاعب بنتائجها، والتحقيقات الاخيرة لتصرفات بعض المرشحين من قبل هيئة النزاهة العراقية.
كما ادعى ان القوات البريطانية فخورة في الوصول الى «نهاية ناجحة» للحرب في العراق، وقال ان قرار اسقاط نظام صدام كان صائبا. واضاف: «لقد حافظنا على المسار، وتكبدنا الصعاب، وتشاركنا مع كل شخص، واقتنصنا فرصنا، وتكيفنا على طول الخط.»
واستطرد: «استطيع ان اضع يدي على قلبي واقول اننا انهينا ذلك بالشكل الصحيح. واستطيع ايضا ان اقول اننا مررنا ببعض الاوقات الصعبة، ومن ثم خرجنا منها. وقد مر الجميع هنا بمثل ذلك. ولكننا نستطيع جميعا ان نرفع رؤوسنا عاليا ونقول ان الامر كان يستحق العناء.»
وقد اصر الجيش على مدى الاشهر الثمانية عشر الماضية ان الجيش العراقي قد اختلف كثيرا عن ذلك الجيش الذي كان موجودا وقت حرب عام 2003. كما يدعي الجيش ان البصرة اصبحت اكثر امنا واستقرارا. وهذان هما انجازان مهّدا الطريق امام خروج القوات البريطانية.
على كل حال، سوف يتولى الجيش الاميركي ملء الفجوة التي ستتركها مغادرة القوات البريطانية، وهي الخطوة التي تلقي ظلالاً لن الشك على ادعاءات داوننغ ستريت ووايت هول (الحكومة البريطانية) ان العمل قد انجز.
يقوم الجيش العراقي بدوريات في المدينة منذ عشرة اشهر، وسوف يستمر في استضافة القوات البريطانية في فندق شط العرب حتى شهر تموز.
لن يبقى من القوات البريطانية سوى فريق هيكلي صغير في هذا الفندق الذي كان ذات مرة فندقا شاطئيا فخما واصبح اليوم –جزئيا– اطلالا.
وبينما كان الوجهاء العراقيون والبريطانيون مجتمعين في محفلهم، انفجرت قنبلة قرب منشأة نفطية في جنوب العراق، ما ادى الى مقتل ثلاثة رجال شرطة وثلاثة مدنيين. وكان العنف قد انخفض بشدة في عموم مناطق جنوب العراق، ولكن اعمال العنف تشتعل بين الحين والآخر بالتزامن مع الاحداث الكبيرة.
وقد بلغ العدد الكلي لقتلى القوات البريطانية في هذا الصراع 179 فردا. وقد وجه قائد عمليات البصرة الجديد، اللواء محمد، التحية لهم، مدعيا ان تضحياتهم قد قادت الى تحول كبير في الجنوب. واضاف: «يغادرنا البريطانيون كاصدقاء. يجب ان يكونوا فخورين بما انجزوه. لقد فازوا باحترامنا، وتقدير الشعب العراقي العالي لجهودهم.»
سوف يتسلم القائد الاميركي السيطرة على المطار رسميا يوم الثلاثاء. وقال الوايت هول انه سوف يسحب جميع القوات البريطانية تدريجيا بين الحين والاخر، غير انه لم يعط جدولا زمنيا.
سوف يؤدي التسليم الرسمي الى تحول القوات البريطانية من شريك رئيس في جنوب العراق الى قوات ثانوية، على الرغم من بقاء القوات القتالية على اهبة الاستعداد، مع استمرار انسيابية انسحاب القوات الباقية والبالغ عددها 100عسكري من الان وحتى نهاية تموز. وهي أول المؤشرات المهمة على نهاية الحملة التي قاتلت طويلا من اجل الشرعية في العقل الشعبي البريطاني، وسط الشكوك القائمة حول صلاحها وآثارها.
مخاوف من فوضى تعقب إغلاق السجون الأميريكية في العراق..النزلاء السابقون يعيدون نشاطهم
عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة
مهد إطلاق سراح المئات من السجناء في معتقل بوكا، وهو السجن الذي تديره الولايات المتحدة في جنوبي العراق، الطريق لاعادة احياء المليشيات والتمرد في البصرة وبغداد والمناطق الممتدة على طول نهر الفرات، وذلك حسبما افاد قادة الشرطة ومسؤولو الاستخبارات في وزارة الداخلية بالاضافة الى المواطنين المحليين. وعلى الرغم من انه لا احد يتوقع العودة الى فترة الفوضى والاقتتال الطائفي التي شهدتها البلاد في عامي 2006 و2007، حينما كان يُعثر على عدد من الجثث ملقاة في الطرقات كل يوم، الا ان المسؤولين يرون ان هذه المجاميع كانت تستعد لبدء الانسحاب الاميركي.
وللمفارقة فان هذا التحذير يأتي مع بداية نهاية التواجد الاميركي هنا. فبينما تعمل الولايات المتحدة على تفكيك سجن بوكا، وهو المكان الذي وصفه العديدون على انه اجهاض مقرف للعدالة حيث لم توجه التهم الى السجناء ولم يسمح لهم بالاطلاع على الادلة ضدهم، فان العديد من المطلق سراحهم قد ينتهون الى الانضمام الى التمرد الذي خبا اواره.
يتحدث بعض النزلاء السابقين في معتقل بوكا، في المناطق التي تفتقر إلى ابسط الاحتياجات ببغداد، يتحدثون عن الانتقام. بينما يتحدث آخرون عن تحولهم حينما كانوا في السجن و يسود المنطقة الخاوية المحيطة بالكرمة جو من عدم اليقين، تلك المدينة التي تعصف بها الرياح الجافة لتذرها يبابا، مثلما جفاها القانون، حيث يستعد السكان المحليون من عودة العشرات من المقاتلين، بينما يقر رجال مثل العقيد سعد عباس محمود، قائد شرطة المدينة، علنا بانهم لا يستطيعون مجاراة توافد هؤلاء المعتقلين السابقين.
يقول العقيد محمود، الذي يدعوه مساعدوه باسم (ابو قتيبة)، ولكنهم يطرقون كعوب احذيتهم عندما يدخلون عليه: «لم يكن هؤلاء الرجال يزرعون الزهور في الحدائق. ولم يكونوا يتنزهون في الطرقات. هذه مشكلة كبيرة وخطيرة في آن واحد. ولكن الحكومة العراقية، للاسف، لا تدرك المدى الذي وصلت اليه هذه المشكلة.»
وكانت الولايات المتحدة قد اعتقلت، منذ ان قادت الحرب التي اسقطت صدام في نيسان من عام 2003، حوالي مائة الف شخص في البلاد. وقد وصل عدد المعتقلين بسجن بوكا، وهو معتقل شاسع المساحة بالقرب من الحدود الكويتية جنوب العراق، في الفترة التي شهدت اكبر عديد للقوات الاميركية نحو 26,000 نزيل. لكن هذه الرقم انخفض الى 9,600 نزيل. وقد بلغ اجمالي عدد النزلاء الذي اطلق سراحهم منذ الاول من كانون الثاني نحو 2,000 معتقل، ويخطط الجيش الاميركي لاغلاق المعسكر مع حلول فصل الصيف.
وقد اطلق سراح 106 من المعتقلين في بغداد في احتفال بهيج اقيم يوم الخميس الماضي، حيث تم اصطحابهم الى جامع ام القرى، وقد ماجت العوائل في شجون وصياح وبكاء بينما كان المعتقلون تسلمون اوراقهم الثبوتية.
يقول سعد نعمة، وهو يمسك يد ولده رعد، الذي كان مسجونا لمدة 18 شهرا: «ان معظم المعتقلين ابرياء، تماما مثل ولدي. لقد بكيت اليوم فرحا.»
لكن العقيد داود حمود، نائب قائد شرطة الفلوجة، يقول ان محمد علي مراد ليس بريئا، وهو الذي عمل سائقا لدى ابو مصعب الزرقاوي، قائد المجموعة المتمردة التي أطلق عليها تسمية (القاعدة في العراق)، والذي قتل في حزيران من عام 2006.
وقد تم احتجاز مراد بعد ان غادر سجن بوكا، لكن القاضي اطلق سراحه. ويعتقد انه يدير خلية متمردين في بغداد بالتعاون مع مسجونين سابقين آخرين. ويتهم العقيد حمود هذا السجين السابق بتدبير الهجوم الذي وقع في 4 كانون اول الماضي، بان ارسل شاحنتين محملتين بالمتفجرات استهدفتا مركزا للشرطة، ما ادى الى مقتل 15 شخصا.
يقول حمود، وهو ضابط شرطة سابق في عهد صدام، ويعمل حاليا في موقع يمتلئ بسيارات البي ام دبليو والتيوتا والاوبل والشيفروليه التي تم استخدامها كسيارات مفخخة: «لدينا معلومات انه وخليته دبروا هذا الهجوم.»
ويخمن حمود ان عدد الذين سوف يعودون الى الفلوجة، التي كانت يوما مهدا للتمرد، سيبلغ المئات. ويقدر انه قد حاول ان يعتقل 10 بالمئة من الذين اطلق سراحهم، لكنه يقر بان عددا لا يتجاوز اصابع اليدين من هؤلاء المقاتلين قادرون على اشاعة العنف.
ويقول: «بالطبع انهم يمثلون مسرحا للعمليات.»
بيد ان مسؤولا رفيعا في استخبارات وزارة الداخلية يقول ان العدد اكبر من ذلك بكثير، وان المشكلة اكثر هولا. ويقول ان «المجاميع الخاصة» التي تشكلت بين صفوف المليشيات والتي تؤيد الحكم الذاتي، اصبحت تعيد تنظيم نفسها في البصرة، وبدرجة اقل في بغداد. ويضيف ان جهود المتمردين تحت مظلة القاعدة ربما كانت اكثر درامية لاعادة تشكيل نفسها في الاحياء الجنوبية والغربية من العاصمة، ومن ثم في منطقة الكرمة الواقعة الى الغرب من بغداد.
ويقول: «لقد اضحت هذه الاماكن خطرا على الحكومة. فالقاعدة تحضر نفسها لرحيل الاميركيين. وهم يخططون لتنفيذ ثورة.»
ويؤكد ان نسبة 60 بالمئة من الذين اطلق سراحهم في هذه المناطق يعودون الى القتال. غير ان العقيد محمود من الكرمة يرى هذه النسبة في منطقته تصل الى 90 بالمئة.
ويسكن محمود في قلعة حصينة تحيطها جدران من الاكياس الرملية في الكرمة التي يقود شرطتها. وهو رجل مميز، اذ يقول ان عدد المرات التي تعرض فيها الى محاولة الاغتيال وصلت الى خمس وعشرين. وربما كانت آخر مرة تعرض فيها الى محاولة اغتيال هي الاكثر ابداعا ايضا: فقد ارسل اليه المصحف الشريف وقد اخفيت المتفجرات بين دفتي غلافه الاخضر، مدفونة بين اوراقه. وبعد اقل من اسبوعين، جرى تسميم طبقه من (الدليمية)، وهي خليط من الدجاج ولحم الضأن وقطع من الدهن الحيواني والرز، ما اجبره على النزول في المستشفى لمدة عشرة ايام. وحينما خرج من المستشفى، استهدف بتفجير قنبلتين قرب منزله في الفلوجة.
يقول: «الحمد لله، لم يصب احد بمكروه.»
وقد تم اختطاف احد اخوته، بينما قتل الاخر في تفجير قنبلة في العام الماضي.
يقول محمود: «لم يتسن لنا ان نجمع كليوغراما واحدا من لحمه.»
فتح حقيبته ليستخرج صورتين، احدهما لرأس مقطوع لاحد المفجرين الانتحاريين، وقد ظلت عيناه مفتوحتين، والاخرى لجثة انتحاري وقد افرغت احشاؤه.
يشرف محمد على 3,000 من رجال الصحوة، وهي المجاميع العشائرية التي ساندتها القوات الاميركية، والتي يطلق عليها احيانا تسمية (ابناء العراق) والتي ساعدت في هزيمة تنظيم القاعدة في العراق في المناطق الساخنة . ولكنه يقول ان راتب كل فرد لا يتعدى مبلغ 130 دولاراً في الشهر، «وهو لا يكفي لشراء سجائرهم»، على حد قوله. ومع ذلك، فانهم لم يتسلموا رواتبهم في الأشهر الثلاث الماضية. ويبلغ تعداد القوات الامنية الاخرى في المنطقة 500 فرد فقط، ولكنه يقول ان نصفهم قد فروا من الخدمة.
يقول محمود انه في نفس الوقت يعود المعتقلون من بوكا. وقد القت قواته القبض على 70 من المسجونين السابقين منذ اجراء الانتخابات المحلية في 31 كانون الثاني. ويؤكد ان بعض هؤلاء المعتقلين قد ركزوا جهودهم على محاولة اجتذاب عناصر الصحوة الغاضبين الى جانبهم من جديد. كـُتب على منشور موقع باسم (صحوة الشباب المسلم) ووجد في الكرمة: «نرجوكم ان تعودوا الى ايمانكم، وسوف نستقبلكم بقلوبنا وايادينا المفتوحة. وان لم تعودوا، فسوف نأتيكم برجال يحبون الموت كما تحبون الحياة.»
احد هؤلاء الرجال الذي اعتقلهم محمود اسمه صلاح خضير.
وقد امضى سبعة أشهر في بوكا بعد ان اكتشف الجنود اربعة الغام في شاحنته. وقد اعيد الى السجن في عام 2008 بعد ان قبض عليه وهو يزرع القنابل التي تستهدف دورية اميركية. وقد اطلق سراحه هذا الشهر. وبعد خمسة ايام اعتقل مرة ثانية، بعد انفجار قنبلة على جانب الطريق، والتي تقول الشرطة انها تحمل بصمته في صنع القنابل.
قال خضير لضابط الشرطة، وهو يهز برأسه: «انا بريء.»
واضاف هذا الشاب النحيف الذي يبلغ 22 عاما من العمر: «انا رجل مسالم.»
اجاب محمود: «انه خبير في زراعة القنابل.»
بعد ان انصرف خضير، سلمنا محمود رسالة يقول فيها ان خضير ارسلها الى اخيه.
وكتب في لغة طفولية وبخط بالكاد يقرأ: «اذا كنت تعتقد اني ساهجر الجهاد، فاني اقول اني قد نذرت نفسي الى الله وبارادته سوف افعل أي شيء.»
وقد وقع الرسالة: «صلاح، قنبلة جانب الطريق.»
غير ان هناك حقيقة واحدة لدى السجناء السابقين من الكرمة واجزاء من بغداد تتمثل في ان الكثير منهم قد اعتقلوا في الوقت الذي كان الوجود الاميركي يعد احتلالاً بما لا يقبل الجدل، وان التمرد ضد الاميركيين كان يحظى بالاسناد. والسؤال ليس فيما اذا كانوا يريدون الانتقام وانما متى سيسعون الى الانتقام.
وفي حي الامين ، لايزال في نفس انور عباس شيء تجاه رجل الشرطة الذي اعتقله.
فهو يعلن قائلا: «اريد ان اقتله. ليس هناك تعويض كاف يدفعه لي بخلاف قتله. انه ليس عراقياً ماذا اعني؟ انه جاسوس، ولا احد يقبل جاسوسا.»
وقد اطلق سراح عباس في الاسبوع الماضي، بعد ان امضى قرابة عامين في بوكا. ولم يستطع ابنه الاكبر، البالغ ثلاثة اعوام من العمر ان يتعرف عليه. يقول: «لا ينفك يسأل امه عني من اكون». اما ابنه الاصغر، واسمه منتظر، فقد ولد بينما كان في السجن.
انكر عباس بادئ الامر انه مقاتل. لكن كاظم سعدي، غمزه بعينه. فما كان من عباس، بعد أن غمرته الثقة مجددا، الا ان يتحدث تملؤه طاقة التحول.
وأضاف عباس: «لم ينته القتال. انها مجرد هدنه مؤقتة.»
وكان المسؤولون الاميركيون قد اعربوا عن قلقهم منذ فترة طويلة من ان سجن بوكا بات مدرسة للمتمردين، وقد حاولوا ان يتخذوا خطوات للتصدي لذلك. لكن عباس يقول انه في القسم الذي كان يشغله من السجن درّس سعدي، وهو رجل دين، فقه القانون والدراسات القرآنية واللغة العربية وحتى الادب.
ويعتقد سعدي انه اجتذب 80 رجلا خلال السنة التي قضاها في بوكا.
ويقول: «افتتحنا، بعون الله، معهدنا في سجن اميركي.»
احد تلامذته، واسمه سيف طعمة كان قد حظي بنصيب من الشهرة عندما ظهرت صورته في مجلة تايم عام 2004. ونشر المقال تحت عنوان: «استعادة الشوارع.» وظهرت في هذا المقال صورة طعمة على رأس مجموعة من رجال الشرطة وهم يقومون بدورية.»
وبعد عامين تعرض للاعتقال بعد ان داهمت دورية مشتركة للقوات الاميركية والعراقية منزله لتعتقل صديقا لاحد اصدقائه كان يزوره. وقد انتهى به المطاف في بوكا لمدة 19 شهرا.
وطعمة هذا هو رجل بدين بلحية مدببة على الذقن وقد بدت خيوط من الشيب فوق أذنيه .يتحدث عن نفسه قائلا: «لم اكن ملتزما من قبل. لم اكن اؤدي الصلاة والصوم. وكنت احب الفتيات. وكنت احب الشراب. اقول ذلك بصراحة. لقد علموني الصلاة وعبادة الله. لو لم يعلموني ذلك، لبقيت اعيش حياة الضلال. انهم اناس طيبون؛ رجال ممتازون.»
ويقول ان عشرين من رفاقه في سجن بوكا شعروا بنفس الشيء.
ترجمة: علاء غزالة
مهد إطلاق سراح المئات من السجناء في معتقل بوكا، وهو السجن الذي تديره الولايات المتحدة في جنوبي العراق، الطريق لاعادة احياء المليشيات والتمرد في البصرة وبغداد والمناطق الممتدة على طول نهر الفرات، وذلك حسبما افاد قادة الشرطة ومسؤولو الاستخبارات في وزارة الداخلية بالاضافة الى المواطنين المحليين. وعلى الرغم من انه لا احد يتوقع العودة الى فترة الفوضى والاقتتال الطائفي التي شهدتها البلاد في عامي 2006 و2007، حينما كان يُعثر على عدد من الجثث ملقاة في الطرقات كل يوم، الا ان المسؤولين يرون ان هذه المجاميع كانت تستعد لبدء الانسحاب الاميركي.
وللمفارقة فان هذا التحذير يأتي مع بداية نهاية التواجد الاميركي هنا. فبينما تعمل الولايات المتحدة على تفكيك سجن بوكا، وهو المكان الذي وصفه العديدون على انه اجهاض مقرف للعدالة حيث لم توجه التهم الى السجناء ولم يسمح لهم بالاطلاع على الادلة ضدهم، فان العديد من المطلق سراحهم قد ينتهون الى الانضمام الى التمرد الذي خبا اواره.
يتحدث بعض النزلاء السابقين في معتقل بوكا، في المناطق التي تفتقر إلى ابسط الاحتياجات ببغداد، يتحدثون عن الانتقام. بينما يتحدث آخرون عن تحولهم حينما كانوا في السجن و يسود المنطقة الخاوية المحيطة بالكرمة جو من عدم اليقين، تلك المدينة التي تعصف بها الرياح الجافة لتذرها يبابا، مثلما جفاها القانون، حيث يستعد السكان المحليون من عودة العشرات من المقاتلين، بينما يقر رجال مثل العقيد سعد عباس محمود، قائد شرطة المدينة، علنا بانهم لا يستطيعون مجاراة توافد هؤلاء المعتقلين السابقين.
يقول العقيد محمود، الذي يدعوه مساعدوه باسم (ابو قتيبة)، ولكنهم يطرقون كعوب احذيتهم عندما يدخلون عليه: «لم يكن هؤلاء الرجال يزرعون الزهور في الحدائق. ولم يكونوا يتنزهون في الطرقات. هذه مشكلة كبيرة وخطيرة في آن واحد. ولكن الحكومة العراقية، للاسف، لا تدرك المدى الذي وصلت اليه هذه المشكلة.»
وكانت الولايات المتحدة قد اعتقلت، منذ ان قادت الحرب التي اسقطت صدام في نيسان من عام 2003، حوالي مائة الف شخص في البلاد. وقد وصل عدد المعتقلين بسجن بوكا، وهو معتقل شاسع المساحة بالقرب من الحدود الكويتية جنوب العراق، في الفترة التي شهدت اكبر عديد للقوات الاميركية نحو 26,000 نزيل. لكن هذه الرقم انخفض الى 9,600 نزيل. وقد بلغ اجمالي عدد النزلاء الذي اطلق سراحهم منذ الاول من كانون الثاني نحو 2,000 معتقل، ويخطط الجيش الاميركي لاغلاق المعسكر مع حلول فصل الصيف.
وقد اطلق سراح 106 من المعتقلين في بغداد في احتفال بهيج اقيم يوم الخميس الماضي، حيث تم اصطحابهم الى جامع ام القرى، وقد ماجت العوائل في شجون وصياح وبكاء بينما كان المعتقلون تسلمون اوراقهم الثبوتية.
يقول سعد نعمة، وهو يمسك يد ولده رعد، الذي كان مسجونا لمدة 18 شهرا: «ان معظم المعتقلين ابرياء، تماما مثل ولدي. لقد بكيت اليوم فرحا.»
لكن العقيد داود حمود، نائب قائد شرطة الفلوجة، يقول ان محمد علي مراد ليس بريئا، وهو الذي عمل سائقا لدى ابو مصعب الزرقاوي، قائد المجموعة المتمردة التي أطلق عليها تسمية (القاعدة في العراق)، والذي قتل في حزيران من عام 2006.
وقد تم احتجاز مراد بعد ان غادر سجن بوكا، لكن القاضي اطلق سراحه. ويعتقد انه يدير خلية متمردين في بغداد بالتعاون مع مسجونين سابقين آخرين. ويتهم العقيد حمود هذا السجين السابق بتدبير الهجوم الذي وقع في 4 كانون اول الماضي، بان ارسل شاحنتين محملتين بالمتفجرات استهدفتا مركزا للشرطة، ما ادى الى مقتل 15 شخصا.
يقول حمود، وهو ضابط شرطة سابق في عهد صدام، ويعمل حاليا في موقع يمتلئ بسيارات البي ام دبليو والتيوتا والاوبل والشيفروليه التي تم استخدامها كسيارات مفخخة: «لدينا معلومات انه وخليته دبروا هذا الهجوم.»
ويخمن حمود ان عدد الذين سوف يعودون الى الفلوجة، التي كانت يوما مهدا للتمرد، سيبلغ المئات. ويقدر انه قد حاول ان يعتقل 10 بالمئة من الذين اطلق سراحهم، لكنه يقر بان عددا لا يتجاوز اصابع اليدين من هؤلاء المقاتلين قادرون على اشاعة العنف.
ويقول: «بالطبع انهم يمثلون مسرحا للعمليات.»
بيد ان مسؤولا رفيعا في استخبارات وزارة الداخلية يقول ان العدد اكبر من ذلك بكثير، وان المشكلة اكثر هولا. ويقول ان «المجاميع الخاصة» التي تشكلت بين صفوف المليشيات والتي تؤيد الحكم الذاتي، اصبحت تعيد تنظيم نفسها في البصرة، وبدرجة اقل في بغداد. ويضيف ان جهود المتمردين تحت مظلة القاعدة ربما كانت اكثر درامية لاعادة تشكيل نفسها في الاحياء الجنوبية والغربية من العاصمة، ومن ثم في منطقة الكرمة الواقعة الى الغرب من بغداد.
ويقول: «لقد اضحت هذه الاماكن خطرا على الحكومة. فالقاعدة تحضر نفسها لرحيل الاميركيين. وهم يخططون لتنفيذ ثورة.»
ويؤكد ان نسبة 60 بالمئة من الذين اطلق سراحهم في هذه المناطق يعودون الى القتال. غير ان العقيد محمود من الكرمة يرى هذه النسبة في منطقته تصل الى 90 بالمئة.
ويسكن محمود في قلعة حصينة تحيطها جدران من الاكياس الرملية في الكرمة التي يقود شرطتها. وهو رجل مميز، اذ يقول ان عدد المرات التي تعرض فيها الى محاولة الاغتيال وصلت الى خمس وعشرين. وربما كانت آخر مرة تعرض فيها الى محاولة اغتيال هي الاكثر ابداعا ايضا: فقد ارسل اليه المصحف الشريف وقد اخفيت المتفجرات بين دفتي غلافه الاخضر، مدفونة بين اوراقه. وبعد اقل من اسبوعين، جرى تسميم طبقه من (الدليمية)، وهي خليط من الدجاج ولحم الضأن وقطع من الدهن الحيواني والرز، ما اجبره على النزول في المستشفى لمدة عشرة ايام. وحينما خرج من المستشفى، استهدف بتفجير قنبلتين قرب منزله في الفلوجة.
يقول: «الحمد لله، لم يصب احد بمكروه.»
وقد تم اختطاف احد اخوته، بينما قتل الاخر في تفجير قنبلة في العام الماضي.
يقول محمود: «لم يتسن لنا ان نجمع كليوغراما واحدا من لحمه.»
فتح حقيبته ليستخرج صورتين، احدهما لرأس مقطوع لاحد المفجرين الانتحاريين، وقد ظلت عيناه مفتوحتين، والاخرى لجثة انتحاري وقد افرغت احشاؤه.
يشرف محمد على 3,000 من رجال الصحوة، وهي المجاميع العشائرية التي ساندتها القوات الاميركية، والتي يطلق عليها احيانا تسمية (ابناء العراق) والتي ساعدت في هزيمة تنظيم القاعدة في العراق في المناطق الساخنة . ولكنه يقول ان راتب كل فرد لا يتعدى مبلغ 130 دولاراً في الشهر، «وهو لا يكفي لشراء سجائرهم»، على حد قوله. ومع ذلك، فانهم لم يتسلموا رواتبهم في الأشهر الثلاث الماضية. ويبلغ تعداد القوات الامنية الاخرى في المنطقة 500 فرد فقط، ولكنه يقول ان نصفهم قد فروا من الخدمة.
يقول محمود انه في نفس الوقت يعود المعتقلون من بوكا. وقد القت قواته القبض على 70 من المسجونين السابقين منذ اجراء الانتخابات المحلية في 31 كانون الثاني. ويؤكد ان بعض هؤلاء المعتقلين قد ركزوا جهودهم على محاولة اجتذاب عناصر الصحوة الغاضبين الى جانبهم من جديد. كـُتب على منشور موقع باسم (صحوة الشباب المسلم) ووجد في الكرمة: «نرجوكم ان تعودوا الى ايمانكم، وسوف نستقبلكم بقلوبنا وايادينا المفتوحة. وان لم تعودوا، فسوف نأتيكم برجال يحبون الموت كما تحبون الحياة.»
احد هؤلاء الرجال الذي اعتقلهم محمود اسمه صلاح خضير.
وقد امضى سبعة أشهر في بوكا بعد ان اكتشف الجنود اربعة الغام في شاحنته. وقد اعيد الى السجن في عام 2008 بعد ان قبض عليه وهو يزرع القنابل التي تستهدف دورية اميركية. وقد اطلق سراحه هذا الشهر. وبعد خمسة ايام اعتقل مرة ثانية، بعد انفجار قنبلة على جانب الطريق، والتي تقول الشرطة انها تحمل بصمته في صنع القنابل.
قال خضير لضابط الشرطة، وهو يهز برأسه: «انا بريء.»
واضاف هذا الشاب النحيف الذي يبلغ 22 عاما من العمر: «انا رجل مسالم.»
اجاب محمود: «انه خبير في زراعة القنابل.»
بعد ان انصرف خضير، سلمنا محمود رسالة يقول فيها ان خضير ارسلها الى اخيه.
وكتب في لغة طفولية وبخط بالكاد يقرأ: «اذا كنت تعتقد اني ساهجر الجهاد، فاني اقول اني قد نذرت نفسي الى الله وبارادته سوف افعل أي شيء.»
وقد وقع الرسالة: «صلاح، قنبلة جانب الطريق.»
غير ان هناك حقيقة واحدة لدى السجناء السابقين من الكرمة واجزاء من بغداد تتمثل في ان الكثير منهم قد اعتقلوا في الوقت الذي كان الوجود الاميركي يعد احتلالاً بما لا يقبل الجدل، وان التمرد ضد الاميركيين كان يحظى بالاسناد. والسؤال ليس فيما اذا كانوا يريدون الانتقام وانما متى سيسعون الى الانتقام.
وفي حي الامين ، لايزال في نفس انور عباس شيء تجاه رجل الشرطة الذي اعتقله.
فهو يعلن قائلا: «اريد ان اقتله. ليس هناك تعويض كاف يدفعه لي بخلاف قتله. انه ليس عراقياً ماذا اعني؟ انه جاسوس، ولا احد يقبل جاسوسا.»
وقد اطلق سراح عباس في الاسبوع الماضي، بعد ان امضى قرابة عامين في بوكا. ولم يستطع ابنه الاكبر، البالغ ثلاثة اعوام من العمر ان يتعرف عليه. يقول: «لا ينفك يسأل امه عني من اكون». اما ابنه الاصغر، واسمه منتظر، فقد ولد بينما كان في السجن.
انكر عباس بادئ الامر انه مقاتل. لكن كاظم سعدي، غمزه بعينه. فما كان من عباس، بعد أن غمرته الثقة مجددا، الا ان يتحدث تملؤه طاقة التحول.
وأضاف عباس: «لم ينته القتال. انها مجرد هدنه مؤقتة.»
وكان المسؤولون الاميركيون قد اعربوا عن قلقهم منذ فترة طويلة من ان سجن بوكا بات مدرسة للمتمردين، وقد حاولوا ان يتخذوا خطوات للتصدي لذلك. لكن عباس يقول انه في القسم الذي كان يشغله من السجن درّس سعدي، وهو رجل دين، فقه القانون والدراسات القرآنية واللغة العربية وحتى الادب.
ويعتقد سعدي انه اجتذب 80 رجلا خلال السنة التي قضاها في بوكا.
ويقول: «افتتحنا، بعون الله، معهدنا في سجن اميركي.»
احد تلامذته، واسمه سيف طعمة كان قد حظي بنصيب من الشهرة عندما ظهرت صورته في مجلة تايم عام 2004. ونشر المقال تحت عنوان: «استعادة الشوارع.» وظهرت في هذا المقال صورة طعمة على رأس مجموعة من رجال الشرطة وهم يقومون بدورية.»
وبعد عامين تعرض للاعتقال بعد ان داهمت دورية مشتركة للقوات الاميركية والعراقية منزله لتعتقل صديقا لاحد اصدقائه كان يزوره. وقد انتهى به المطاف في بوكا لمدة 19 شهرا.
وطعمة هذا هو رجل بدين بلحية مدببة على الذقن وقد بدت خيوط من الشيب فوق أذنيه .يتحدث عن نفسه قائلا: «لم اكن ملتزما من قبل. لم اكن اؤدي الصلاة والصوم. وكنت احب الفتيات. وكنت احب الشراب. اقول ذلك بصراحة. لقد علموني الصلاة وعبادة الله. لو لم يعلموني ذلك، لبقيت اعيش حياة الضلال. انهم اناس طيبون؛ رجال ممتازون.»
ويقول ان عشرين من رفاقه في سجن بوكا شعروا بنفس الشيء.
Subscribe to:
Posts (Atom)