Wednesday, January 25, 2006

هل ان العراق على اعتاب الحرب الأهلية؟

بقلم: جون دانيسزيوسكي
عن: لوس انجلس تايمز
ترجمة: علاء خالد غزالة
بغداد - تعرض أربعة عشر شخصا من افراد عائلة مسلمة شيعية الى الذبح في بيتهم. بعد ذلك بأيام، غزا رجال مسلحون منزل عائلة عربية سنية، وقتلوا خمسة افراد منها. ويستمر القتل السياسي المنظم كما لو لم تكن هناك انتخابات قبل فترة وجيزة.
في خطابه الموجه للعراقيين بينما كانوا يستعدون للذهاب إلى الإنتخابات، قال الرئيس بوش أنه لا يعتقد بان الحرب الأهلية يمكنم لها ان تندلع في البلاد. لكن بعض المراقبين يعتقدون أنها قد بدأت فعلا، من خلال كفاح صامت ولكنه مميت رسمت خطوطه النتائج الحادة للانتخابات ذات الاستقطاب العالي.
في أي يوم، يمكن ان تتعرض مجموعة شرطة شيعية الى هجوم إنتحاري أو كمين دبرهما سني. ويمكن ان يقوم عنصر من الميلشيا الشيعية المهيمنة على أجهزة الأمن العراقية باعتقال وتعذيب وقتل متمرد سني. أو قد يتعرض مسؤول كردي في الحكومة الجديدة الى القتل وهو في طريقه بين البيت والمكتب.
ومالم يكن هدف الإغتيال شخصية بارزة، أو ان عدد الضحايا يزيد على اصابع اليدين، فان مثل هذه الأحداث بالكاد يشار اليها في تقارير الأخبار الغربية. وعلى الرغم من ذلك تشير التخمينات الموثوقة بأن حوالي 1,000 عراقي يموتون كل شهر، معظمهم قـُتل على ايدي عراقيين.
ان مصطلح (الحرب الاهلية) يستحضر صور الجيوش وقد احتشد بعضها ضد بعض لينتهي الامر الى تقسيم البلاد، بعيدا عن المثال الديمقراطي الذي ارادت الحكومة الأمريكية انجازه في العراق بعد سقوط صدام حسين قبل سنتين ونصف.
لم ينفك الزعماء السياسيون العراقيون من التأكيد على وحدة البلاد ومقتهم للحرب الأهلية. ففي الأسبوع الماضي قال عباس البياتي، احد مسؤولي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وهو تنظيم شيعي، بأنها لن تحدث لأن زعماء البلاد الدينيين لن يسمحوا بحدوثها. ولكن الخبراء الآخرين داخل وخارج العراق كانوا أقل تأكيدا.
ويعتقد جيمس فيرون وهو استاذ السياسة بجامعة ستانفورد وخبير بالنزاعات الحديثة، ان حرب العراق الأهلية قد بدأت حالما اطيح بصدام حسين تقريبا، ولكنها مستترة ومحدودة بسبب وجود القوات الأجنبية. يقول فيرون "أعتقد ان هناك بالتأكيد حربا أهلية مستمرة منذ أن أنهينا العمليات القتالية الرئيسة"، رافضا موقف العديد من المراقبين الذين يرون ان الحرب أهلية ليست الا احتمال للعراق، ويضيف "حين يتحدث الناس عن (هل ستكون هناك حرب أهلية؟) فانهم يتحدثون في الحقيقة عن نوع مختلف من الحرب الأهلية". ويؤكد فيرون على إن نوع الحرب التي تظهر في العراق، والتي تتميز بالهجمات الفدائية، وحوادث الإختطاف، والإغتيالات و(التطهير العرقي)، هي نموذج مثالي من النزاعات المدنية الحديثة.
ويشير الى انه "منذ عام 1945، كانت معظم الحروب الأهلية، على تعدد انواعها، عبارة عن حروب عصابات قائمة على اساس التمرد مقابل مكافحة التمرد"، مؤكدا "ان أكثر الحروب الأهلية تبدو كثيرة الشبه بما نراه الآن في العراق ".
ويعتقد فيرون ان حضور القوات الأمريكية في النزاع لن يكون غير عادي، "ان عدد كبير من الحروب الأهلية تضمن تدخل خارجي. لكني ما زلت أدعوها حربا أهلية على اساس ان المتمردين يهاجمون ويقتلون عراقيين أكثر بكثير من القوات الأمريكية."
وبالرغم من أنه يرى ان الإنتخابات الأخيرة تمثل خطوة للأمام، الا انه يعتقد انه اذا فشلت المحادثات الحساسة لتشكيل الحكومة والجارية حاليا في التوصل الى تسوية، فان الحرب بين العراقيين يمكن لها أن تتوسع وتشتد لتتحول الى قتال مفتوح بمدى اوسع، خصوصا إذا ما انسحبت القوات الأمريكية من البلاد بسرعة كبيرة.
وبشكل عام، تسلحت فئات سنية مستميتة لاستعادة السلطة في العراق بمطبات المقاومة ضد عناصر المليشيا الشيعية. ولكن الأخيرة مصممة على حماية الحكومة الجديدة، التي يسيطر عليها الشيعة، وللإنتقام من الاذى السابق والحالي على ايدي السنة. وفي هذه الاثناء يطمح الأكراد، وهم مستهدفون أيضا من قبل السنة، الى الإستقلال أو الحكم الذاتي القوي، وأمنيتهم اضافة كركوك الغنية بالنفط إلى منطقتهم، مما يضعهم في حالة صِدام محتملة مع بقية البلاد.
يقول مسؤول حكومي سابق شغل منصبا متوسطا وطلب عدم ذكر إسمه، بأنه أجبر على ترك مسكنه في بغداد بسبب اسمه الشيعي، وهو يخفي هويته الآن عندما يسافر بين العاصمة وقريته قرب بابل. مضيفا "لا تستطيع التجول في المنطقة الجنوبية تحت اسم سني. كما لا تستطيع الذهاب إلى محافظة الأنبار اذا كنت تحمل اسما شيعيا"، غير انه "ليست هناك حربا أهلية في عموم البلاد، لكن توجد حروب أهلية محدودة في 20 بلدة في الأقل."
منذ صيف 2003 قـُصفت مساجد وضُربت بالصواريخ، وإختطف اشخاص، وحتى الآن تعرضت مناطق مختلطة في بغداد مثل الغزالية والدورة، ببطئ وعناد، الى التطهير من الشيعة من خلال التخويف والعنف. ووضعت ضغوط مماثلة على السنة في القرى في الجنوب ذي الاكثرية الشيعية، وعلى العرب والتركمان في كركوك.
يجادل جيمس دوبنس، محلل في مجموعة منتدى راند في واشنطن، وهو يلمح إلى الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، التي صوت فيها كل العراقيين تقريبا على اسس طائفية أو عرقية بدلا من الاحزاب أساسها ذات التمثيل الأوسع، ، بأن الإنقسامات القوية من شأنها ان تمزق وحدة البلاد. ويقول ان القتال في العراق يبلغ حربا أهلية غير مألوفة، والتي يمتلك فيها جانب واحد فقط أسلحة ثقيلة، وهي الحكومة العراقية المدعومة من قبل حلفائها الأمريكيين والبريطانيين، بينما يعتمد الجانب الآخر على تكتيتك حرب العصابات. وهو يرى ان هناك خطرا في التصعيد. ويضيف "يمكن ان تشهد حربا أهلية كالتي حصلت في يوغسلافيا في التسعينيات، حيث كان كلا الجانبين يمتلك أسلحة ثقيلة، والإصابات كانت اكبر بكثير". ويعتقد دوبنس ان "الحجة الرئيسة لأمريكا لكي تواصل البقاء في العراق هي ان تمارس نفوذها لمنع الوضع من التحلل على هذه الطريقة. لكن ذلك سيصبح صعبا ومكلفا ومستنزفا للوقت".
المؤلفة روزماري هوليس تعتقد بالسيناريو المتفائل، حيث تقول "اعتقد ان ذلك مستبعد". فهي ما زالت غير متأكدة من ان البلاد في طريقها إلى التقسيم. وتضيف "ان السيناريو الآخر في هذه المسرحية، هو ان الدولة لا تتفكك لكن التوترات الداخلية الهائلة ستعمل على إلغاء بعضهم البعض الاخر". فالصراع ضمن الطائفة الشيعية، على سبيل المثال، يمكن أن يبقى محليا دون ان يوجه ضد الطوائف الأخرى.
معارضة الانتخابات
تظهر النتائج الاولية غير المصدقة للانتخابات التي جرت في كانون الاول الى ان البرلمان القادم سيكون مثقلا بالاحزاب ذات الطابع الديني من كلتا الفئتين الشيعية والسنية. لقد كان اداء الاحزاب ذات النزعة العلمانية ضعيفا، وكذلك تلك التي تريد تجاوز التقسيمات الطائفية والعرقية.
وفي الحال ادعت مجموعات علمانية وسنية حصول تزوير في الانتخابات اضافة الى ترهيب الناخبين. ويبدو ان بعض القادة السنة البارزين قد حزنوا لهذه النتائج وتساءلوا عن شرعية الانتخابات، وطالبوا باعادتها. ولكن التحالف الشيعي الفائز رفض هذا الطلب، وبدأ القادة الشيعة والاكراد مشواراتهم لبحث امكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية والتي يمكن ان تقنع او على الاقل تهديء من روع الخاسرين.
ترتعد فرائص اغلب العراقين خوفا عندما يشار الى ان البلاد يمكن ان تنزلق الى الحرب الاهلية الشاملة، ولكن هذا الخطر نادرا ما يكون بعيدا عن عقولهم.
يقول يونادم كنا، وهو سياسي مسيحي، ان "الشيعة يصرون على مطالبهم، بينما يشعر السنة والقوميون العرب انهم مهمشون او معزولون ومهملون، لذلك اعتقد انه ستكون هناك مشاكل كبيرة واستمرار للعنف خلال السنوات الثلاثة المقبلة". ويتساءل "هل ستحدث حربا اهلية؟ لا اعتقد انها ستصل الى هذه النقطة"، مضيفا انه لا احد يمكنه التأكيد. "ففي كل مرة يكون في العراق (أ) زائد (ب) يجب ان يساوي (ج)، ولكن شيء اخر يحدث".
ويقول وليد نظمي، محلل سياسي عراقي، انه مسرور لأن السيناريو المرعب لم ينبلج، "توجد الان مؤشرات على ان البلاد تنساق تدريجيا باتجاه نوع من النزاع الطائفي، بسبب وجود تقارير على حصول عمليات قتل بين الاشخاص الشيعة باحدى اليدين والسنة باليد الاخرى. ولكن يبدو لي ان ذلك لحد الان هو من افعال مجاميع صغيرة". ويضيف "ان هذه الافعال تشير الى مافيا منظمة اكثر من وجود تحشيدات طائفية تلقائية".
لقد كان اية الله العظمى على السيستاني، القائد الديني للشيعة في البلاد، صوتا مثابرا من اجل تخفيف التوترات الطائفية منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة. وفي الشهر الماضي صادق على حكومة الوحدة الوطنية التي تتضمن السنة.
يقول البياتي من المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بان مثل هذا التفكير المستنير سيبقي الغطاء مقفلا، "فالتوتر السياسي نفسه لايمكن ان يقود الى الحرب الاهلية. لكن الطائفية هي سبب محتمل، غير ان موقع القيادة سحب البساط من تحت هذا الاحتمال".
العامل الأجنبي
يحذر جوان كول، وهو استاذ في جامعة متشيغان ومتخصص في العراق، من الاستنتاج انه طالما كان العراق في خضمم حرب اهلية فانه لا يهم اذا ما بقت فيه القوات الاجنبية او انسحبت منه. ويقول وهو يسترجع الاحداث الدمويةالتي شهدها في الحرب الاهلية اللبنانية (1975-1990)، انه يتخيل ان الوضع سيكون اسوأ بكثير اذا ما انسحبت القوات الامريكية قبل الاوان، او خفضت قواتها بشكل ملحوظ. ويضيف ان تآكل الدعم الشعبي الامريكي قد تسبب في ضعف حضور الولايات المتحدة في الشارع العراقي، مما سيشجع رجال الميليشيا العاملين بشكل مغطى حاليا على الخروج الى العلن، ربما بتحضير هجمات منسقة على المدن المجاورة او الحكومة المركزية في بغداد. ويعتقد ان شرارة القدح الاخرى قد تكون كركوك. ففي كل الاحتمالات يرد الاكراد ان يجروا استفتاءا لضم مدينة كركوك المتنازع عليها الى اتحادهم الاقليمي. مضيفا "هل سيتقبل التركمان هذا الوضع؟ وهل سيتقبله العرب؟ تخميني انهم لن يفلعوا".
لقد تعود السنة لمدة طويلة على حكم العراق، اما الان فهم مهددون بالحرمان من ثروة البلاد النفطية، وهذا سبب اخر للثورة. فهم "يرون الكتابة على الجدران". ويحذر من ان أي حرب أهلية واسعة الإنتشار يحتمل لها ان تغرق جيران العراق، مما يؤدي الى زلزلة المنطقة وتهديد استقرارها. قد تسعى تركيا الى منع طمس الاقلية التركمانية في كركوك، فيما ترغب دول الخليج (الفارسي) [...] الى مساعدة السنة بينما تتدخل ايران لصالح الشيعة.
يعتقد فيرون، شأنه شأن كول، ان الانسحاب السريع للقوات الامريكية سيحفز الحرب الاهلية. ولكن من الناحية الاخرى، كما يقول، فان البقاء الى اجل غير مسمى لا يعطي الا حافزا ضئيلا للعراقيين لـ"تفعيل دورهم السياسي والعسكري معا". ويعتقد ان "الحضور الامريكي يجعل من المحتمل خوض المباحثات لتشكيل حكومة ذات مستوى معين من الفاعلية، ولكن من المحبط انني لا ارى تلك المباحثات التي تؤدي الى انقاذ الموقف بدون حضور امريكي قوي"، وكما تبدو عليه الامور الان فانه "ليس هناك في الحقيقة خروج لطيف للولايات المتحدة".