Saturday, June 23, 2007

الولايات المتحدة تعتمد على السودان رغم ادانتها

عن: لوس انجلس تايمز
كتابة: غريغ ميللر وجوش ميير
ترجمة: علاء غزالة

  • البلد المتهم بمساعدة اعمال القتل في دارفور يوفر الجواسيس في العراق ويحصل بالمقابل على تسهيلات في واشنطن

عملت السودان بشكل سري مع وكالة الاستخبارت المركزية (الامريكية) CIA للتجسس على الحركات المسلحة في العراق، في مثال على كيفية استمرار تعامل الولايات المتحدة مع النظام السوداني رغم ادانته لدوره المشتبه به في مقتل عشرات الالاف من المدنيين في دارفور
وقد ادان الرئيس بوش اعمال القتل في مناطق غرب السودان على انها ابادة جماعية، ثم فرض عقوبات على حكومة السودان. لكن بعض النقاد يقول ان الادارة الامريكية قد خففت من تطبيق العقوبات للمحافظة على التعاون الاستخباري المكثف مع السودان.
ان هذه العلاقة تؤكد الحقائق المعقدة لعالم ما بعد الحادي عشر من ايلول، حيث اعتمدت الولايات المتحدة بكثافة على االتعاون العسكري والاستخباري مع دول عدة من بينها السودان واوزبكستان، والتي كانت تعد من الدول المنبوذة بسبب سجلها في مجال حقوق الانسان.
قال احد مسؤولي الاستخبارات الامريكية، وقد طلب مثل غيره عدم الكشف عن هويته، حينما دارت مناقشة حول تقييم الاستخبارات: "يحدث التعاون الاستخباري لاسباب كثيرة جدا. وهو لا يكون دائما بين اناس يحب بعضهم بعضا كثيرا".
وقد تزايدت اهمية السودان بالنسبة للولايات المتحدة منذ هجمات 11 ايلول بسبب ان هذه الدولة العربية السنية اضحت معبرا للمقاتلين الاسلاميين الذين يعتزمون الذهاب الى العراق او الباكستان. يقول المسؤولون ان تدفق المقاتلين الاجانب المستمر قد وفر غطاءا للمخابرات السودانية لزرع جواسيس في العراق. ويؤكد احد موظفي الاستخبارات الامريكية السابقين، وقد كان يشغل منصبا رفيعا وهو مطلع جيدا على التعاون بين السودان والـ CIA على انه: "اذا كان لديك جهاديين يسافرون عبر السودان الى العراق، فان هناك نمطا متواترا في هذا البلد يمنع بحد ذاته من اثارة الشكوك. انه يخلق فرصا لارسال سودانيين ضمن الجموع المتدفقة".
وكنتيجة لذلك، فان الجواسيس السودانيين كانوا عادة في موقع افضل من وكالة الاستخبارات الامريكية في جمع المعلومات عن تواجد القاعدة في العراق، بالاضافة الى نشاط الجماعات المسلحة. يقول مسؤول سابق آخر في المخابرات الامريكة، وهو كسابقه ضليع في الشؤون السودانية: "ليس بامكان الاشخاص شقر الشعور، وزرق العيون، ان يفعلوا الكثير في عموم منطقة الشرق الاوسط، وليس بامكنهم فعل اي شيء في العراق. السودانيون بامكانهم الذهاب الى الاماكن التي لا نستطيع الذهاب اليها، فهم عرب وبامكانهم استطلاع ما حولهم".
يرفض المسؤولون الافصاح عمما اذا كانت المخابرات السودانية قد ارسلت ضباطها الى العراق، ويعبرون عن قلقهم حيال حماية المصادر الاستخبارية والطرق المستخدمة. وهم يقولون ان السودان قد اسس شبكة من المخبرين في العراق يقومون بتوفير المعلومات عن المسلحين. كما ان بعضهم تم تجنيده بينما كانوا يسافرون عبر الخرطوم.
ان العلاقات الامريكية–السودانية لا تقتصر على العراق. فقد ساعدت السودان على تعقب الاضطرابات في الصومال من خلال رعاية الاتصالات مع اتحاد المحاكم السلامية والمليشيات الاخرى ضمن الجهود الرامية لايجاد مشتبهي القاعدة المختبئين هناك. كما قدمت السودان تعاونا مكثفا في عمليات مكافحة الارهاب، وقامت، تلبية لطلب الولايات المتحدة، باحتجاز المشتبه بهم لدى مرورهم بالخرطوم.
وبالمقابل فان السودان تحصل على بعض المنابع. فقد حصلت، من خلال علاقتها مع الاستخبارات الامريكية، على قناة خلفية مهمة للاتصالات مع الحكومة الامريكية. كما ان واشنطن استخدمت هذه القناة ايضا في الاتكاء على الخرطوم في الازمة في دارفور وقضايا اخرى.
وفي الوقت الذي كانت السودان تتعرض الى ادانات من المجتمع الدولي، فان عملها في مجابهة الارهاب قد حاز على جائزة ثمينة. لقد اصدرت وزارة الخارجية الامريكية حديثا تقريرا ينعت السودان بانه "شريك قوي في الحرب على الارهاب".
يتهم بعض النقاد ادارة بوش بانها لينة تجاه السودان لخوفها من تعريض جهود مكافحة الارهاب الى الخطر. يصف جون بريندرغاست، وهو مدير الشؤون الافريقية في مجلس الامن القومي بادارة كلينتون، يصف العقوبات الاخيرة التي اعلنها بوش الشهر الماضي بانها "ملابس النافذة" المصممة لاظهاره حازما، بينما لا يضع الا القليل من الضغوط الحقيقية على السودان ليمنع المليشيات، التي يُعتقد بشكل واسع انه يساندها، من قتل افراد القبائل المقيمة في دارفور.
يضيف بريندرغاست، وهو حاليا المستشار الاقدم في مجموعة الازمة الدولية: "ان واحدة من المحددات غير الملحوظة في التحرك النوعي الحقيقي في الاستجابة الى جرائم الابادة في دارفور، هي العلاقات النامية مع السلطات في الخرطوم في معارضة الارهاب. انه العامل المفرد الاكبر الذي يوضح لماذا تكون الفجوة بين الاقوال والافعال كبيرة الى هذه الدرجة".
وقد بيّن السفير السوداني في الولايات المتحدة جون اوكيك، في مقابلة صحفية، ان العقوبات قد تؤثر على نيات بلده في التعاون في الشؤون الاستخبارية. وقد تضمنت الخطوات التي اعلنها بوش منع 31 شركة حكومية سودانية من الدخول ضمن النظام المالي الامريكي.
يقول اوكيك ان قرار فرض عقوبات مالية "ليس بالفكرة الصائبة. انها تخرب التعاون فيما بيننا، وتزيد من قوة الذين اتخذوا جانبا متطرفا، اولئك الذين لا يرغبون في التعاون مع الولايات المتحدة". لكن مسؤولي البيت الابيض و الاستخبارات الامريكية قللوا من شأن الرأي القائل بان التعاون الاستخباري سوف يعاني جرّاء ذلك، ويقولون بانه يصب في مصلحة كلا البلدين. يقول جوردان جوندروي، وهو الناطق الرسمي بلسان مجلس الامن القومي: "ان الشيء الاول الذي أخذ بعين اعتبار عند فرض عقوبات اشد هو ان السودان لم يوقف العنف هناك وان الناس يستمرون في معاناتهم. نحن نتوقع بالتأكيد بان السودان سوف يستمر في جهوده ضد الارهاب لانها تصب في مصلحته، وليس فقط في مصلحتنا".وتكمن مصلحة السودان في تعقب الحركات المسلحة في ان المتطرفين السودانيين والمقاتلين الاجانب الذين يمرون عبر البلاد سوف يعودون ادراجهم، على الارجح، ليكونوا عنصرا كامنا في اثارة عدم الاستقرار. واستنادا الى احد المسؤولين فان تراخي قبضة السودان على المسافرين قد حوله الى "محطة سفر" بالنسبة الى المليشيات الاسلامية، ليس فقط في شمال افريقيا وانما ايضا بالنسبة الى المملكة العربية السعودية وبلدان الخليج (الفارسي) الاخرى.
يقول بعض موظفي الاستخبارات الامريكية السابقين ان مساعدة السودان حول العراق لا تعدو ان تكون محدودة القيمة، وذلك جزئيا بسبب ان هذا البلد مسؤول عن جزء بسيط من المقاتلين الاجانب، وهم بشكل رئيس على مستويات دنيا من التمرد.
يقول احد مسؤولي المخابرات الامريكية السابقين، وقد عمل سابقا ببغداد: "لن يكون هناك شخص سوداني قريب من القيادة العليا للقاعدة في العراق. قد يكون هناك بعض المقاتلين ولكنهم ليسوا سوى ذخيرة المدفعية. انهم لا يحظون بالثقة والقدرة على تسلق طريقهم الى اعلى. الاشخاص الذين يقودون القاعدة في العراق هم عراقيون واردنيون وسعوديون".
ولكن آخرون يقولون بان مساهمة السودان اصبحت مهمة لان السودانيين قد اضحوا يحتلون بشكل متكرر مواقع الاسناد في عموم المجتمع العربي، بضمنها التمرد في العراق، مما يعطيهم امكانية الوصول الى سلسلة التحركات والامدادات.
يقول مسؤول سابق اخر في وكالة الاستخبارت الامريكية، وقد كان مشرفا على جمع المعلومات الاستخبارية من العراق: "كل مجموعة بحاجة الى سلاح، وكل مجموعة بحاجة الى مكان للاجتماع. يمكن للسودانيين ان يكونوا مشاركين في سلسلة الاسناد او قنوات التهريب من السعودية او الكويت".
ويقول المسؤول في وزارة الخارجية ان السودان قد "وفر معلومات حيوية كان من شأنها ان تساعد جهودنا في مكافحة الارهاب حول العالم"، لكنه يلاحظ ان هناك صراعا موروثا يشوب هذه العلاقة. ويضيف: "لقد فعلوا اشياء انقذت ارواح امريكيين. لكن الخلاصة انهم يقصفون شعبهم خارج وازو في دارفو. في تعاملنا مع السودان، يبدو انهم يلعبون دائما على كلا الطرفين مقابل الوسط".
تميل وكالة الاستخبارت الامريكية الى مناقشة التعاون مع السودان. يقول باول جيميغليانو، الناطق بلسانها: "لا تلتزم الوكالة، كقاعدة عامة، بالعلاقات مع منظمات الاستخبارت الاجنبية". بينما يقول اوليك، السفير السوداني: "ان تفاصيل ما نقوم به في مكافحة الارهاب غير متوفرة للنقاش". لكنه يلاحظ ان وزارة الخارجية الامريكية "قد قالت علنا اننا مشاركون في مكافحة الارهاب"، وان المساعدة التي يقدمها بلده "لا تقتصر على السودان فقط".
وكانت العلاقات بين الاستخبارات الامريكية والسودان قد قـُطعت في منتصف تسعينات القرن المنصرم. ففي ذلك الوقت كانت السودان تقدم ملجأ آمنا لاسامة بن لادن وقادة القاعدة الاخرين. ولكن العلاقات اعيدت بعد فترة قصيرة من اعتداءات 11 ايلول، حينما اعادت الـ CIA فتح مقرها في الخرطوم.
وقد تركز التعاون في البداية على المعلومات التي يمكن ان يقدمها السودان حول نشاطات القاعدة قبل ان يغادر ابن لادن الى افغانستان عام 1996، بضمنها محاولات القاعدة الحصول على اسلحة كيميائية وبيولوجية ونووية، وحول واجهاتها التجارية العديدة وشركائها هناك.
لكن السودان انتقل منذ ذلك الحين الى ما بعد مشاطرة المعلومات التاريخية عن القاعدة ليشارك في العمليات الجارية لمكافحة الارهاب، مركزا على المناطق التي يبدو فيها ان المساعدة تلقى اكثر تقدير. يقول المسؤول في الاستخبارات الامريكية: "سوف يكون العراق المكان الذي تلعب الاستخبارات فيه اكبر تأثير على امريكا".
في عام 2005 ارسلت الـCIA طائرة نفاثة الى السودان لتقل رئيس مخابرات هذا البلد، الجنرال صلاح عبد الله غوش الى واشنطن لحضور اجتماع عـُقد في مقر الوكالة. لم يعد بعد ذلك غوش الى واشنطن، لكن موظف سابق يقول بان "هناك زيارات تواصلية كل يوم" بين وكالة الاستخبارت الامريكية والمخابرات السودانية.

Wednesday, November 29, 2006

درس من السعوديين

كتابة: ديفيد اغناتيوس
عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة

بينما تخوض الامة (الامريكية) في جدل حول كارثة العراق، جالت افكاري في الكارثة التي لم تقع في المملكة العربية السعودية. هناك بعض الدروس في القصة السعودية قد تساعد في توضيح خيارات ادارة بوش وهي تقترب من ساعة الحساب في المنطقة.
اولاً لنعطي بعض الخلفيات: قبل عشر سنوات اعلن اسامة بن لادن حربا على الولايات المتحدة لـ"طرد الكفار من جزيرة العرب". كانت احد الافكار في الفتوى التي اصدرها في 23 آب 1996، ان امريكا رغم كل قوتها العسكرية كانت ضعيفة. فهي هربت من الهجوم الارهابي في بيروت والصومال، وهي ستهرب كذلك من المملكة العربية السعودية. لقد قال ابن لادن عن اتباعه من الارهابيين: "ان هؤلاء الشباب يحبون الموت بقدر ما تحبون انتم الحياة".
وقد جاءت مصداقية هذه الكلمات واضحة في الحادي عشر من ايلول 2001، حينما قاد خمسة عشر ارهابيا سعودي المولد هجوما انتحاريا على رموز قوة امريكا. وبطريقة ما نجح مخطط لعبة القاعدة: احتلال امريكا الاخرق للعراق اشعل رد فعل عنيف هناك، والان ينفد صبر الشعب الامريكي على الحرب، تماما كما توقع ابن لادن.
ومع أخذ الانسحابات الامريكية تلك في الاعتبار، فان من السهولة نسيان ان ابن لادن قد فشل في اهدافه الستراتيجية من هجمات 11 ايلول، والتي تمثلت في الاطاحة بالنظام الملكي في بلده الام،المملكة العربية السعودية. هذه المملكة، وهي الجائزة الحقيقة في المنطقة، اصبحت اقوى واكثر امنا مما كانت عليه قبل خمس سنوات.
ومن المؤكد ان السعودية هي ليست بالضبط حجر الاستقرار، ولكن منجزاتها قد اظهرتها دراسة حديثة قام بها نواف عبيد، وهو محلل سعودي مستنير يعمل مستشارا لحكومته. وقد لاحظ انه منذ آيار 2003 احبطت القوات السعودية اكثر من 25 هجوما رئيسا، وقتلت او القت القبض على 264 عنصر في القاعدة، واعتقلت 845 اشخاص آخرين على صلة بالقاعدة. وقد تم قتل او اعتقال جميع الارهابيين الذين وردوا على قائمة الاكثر 26 مطلوبا، ما عدا واحدا.
وربما كان المنجز الاكثر اهمية ان السعوديين قد بدأوا باختراق شبكات المتطرفين دينيا الذين وفروا ارضية لعمل القاعدة. وتشرف وزارة الداخلية السعودية، التي كانت ذات مرة مصدرا خفيا لمساندة الجهاديين، على ما يدعوه عبيد "برنامج اعادة التعليم الايديولوجي"، الذي يشرف عليه رجال دين واساتذة جامعيون. ويقول عبيد ان اكثر من 400 شخص قد تم اطلاقهم من هذا البرنامج.
وتنتهج اسرة آل سعود، وهي عشيرة غامضة تحكم الممكلة النفطية، نهجا اكثر ثباتا تحت قيادة الملك عبد الله. وقد اعلن السعوديون في الشهر الماضي –بشكل غير ملحوظ تقريبا– عن تشكيل مجلس جديد للاشراف على انتقال السلطة الى الجيل التالي. وكما هو حال الكثير من مظاهر الحكومة السعودية فان التفاصيل ضبابية، ولكن الخطة تبدو انها توفر اطارا قانونيا لاختيار خلف الملك وولي العهد، مما يقلل من خطر ازمات سياسية مستقبلية.
ما هي الدروس المستفادة من تراجع المملكة العربية السعودية عن حافة الكارثة المتوقعة؟ اكثرها اهمية ان السعوديون قرروا اتخاذ مسؤولية امنهم على عاتقهم بدلا من الاعتماد على امريكا التي يرفضها الكثيرون في المملكة. بعد عام 2003 ادرك السعوديون انهم يواجهون تهديدا ارهابيا مميتا، وبدأوا في مقارعته بضراوة: فقد ركزوا على الحلول الوطنية، خفضوا من الوجود المرئي والمهين للقوات الامريكية، وواصلوا الاصلاحات السياسية، وزادوا من انتاج النفط.
كيف يمكن ان ينطبق ذلك على العراق؟ ينبغي على العراقيين، كما هو حال السعوديين، ان ينقذوا انفسهم، بالعمل من خلال اطر عمل سياسية اصيلة مبنية على ثقافتهم ودينهم ومنطقتهم. وكلما زدنا في احلال مشيئتنا محل مشيئتهم، بزيادة القوات او العِظات الامريكية، زدنا في اضعافهم. وكما هو الحال في السعودية، يجب ان نغادر ببطء، ولكن بتصميم، الى خارج منطقة الضوء ونتوارى في الظلال، مع الحفاظ على مهمة تدريب وارشاد القوات العراقية.
ان ما يحتوي الحرب الاهلية في العراق – خر المطاف– هو ان القوى الاقليمية لا يمكن ان تسمح بتمزيق العراق، لا ايران ولا سوريا ولا السعودية ولا الاردن ولا تركيا. كما لا يرغب معظم العراقيين في تفكيك دولتهم الموحدة. سوف يعيد العراقيون الاستقرار الى وطنهم حينما تتوحد "القوى الوطنية" – بضمنها تلك التي لا نحبها مثل جيش المهدي الذي يقوده مقتدى الصدر، والمسلحين السنة – في قضية مشتركة تحت تفويض اقليمي.
يمكن للولايات المتحدة وحدها ان تفاوض في مؤتمر اقليمي يسمح لانتقال سياسي في العراق. تلك هي قوتنا المؤثرة الان، النفوذ الدبلوماسي اكثر من القدرة العسكرية. واذا كانت السلطات المجاورة للعراق قادرة على وضع ضمادة لوقف نزيف الدم فيه، فمن الممكن لامريكا ان تبدأ بالانسحاب.

Monday, April 17, 2006

مع اية جهة نحن؟

كراهام إي فوللر
نائب رئيس مجلس المخابرات القومي في وكالة الاستخبارات المركزية.
وصدر له حديثا كتاب "مستقبل الاسلام السياسي"ـ
عن: الهيرالد تريبيون
ترجمة: علاء غزالة

ليس لدى واشنطن اصدقاء في العراق..
الولايات المتحدة وصلت الى نقطة تحول مع الشيعة في العراق. ان سكون هذه القوة المهيمنة، والتي تمثل طائفة متحدة نسيبا، كان هو العامل الاساس في قدرة الولايات المتحدة على ابقاء الغطاء فوق العراق لحد الان. ولكن الوضع بدأ يتغير.
لم يَكنّ الشيعة يوما اي ودّ للولايات المتحدة بالتحديد. وهم لا يزالون يشعرون بالمرارة لما رأوه خيانة من الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الاولى، عندما دعا جورج بوش الاب الى انتفاضة ضد صدام حسين، ولكنه تنحى جانبا فيما بعد عندما قامت قوات صدام بالقضاء على هذه الانتفاضة بوحشية، مما ادى الى خسائر هائلة بين الشيعة.
بالنسبة للولايات المتحدة بعد الثورة الايرانية عام 1979 وازمة الرهائن الدبلوماسيين في طهران، فقد طـُورت نغمة في واشنطن تقول: "الشيعة سيئون، السنة طيبون". لقد كان الشيعة هم اعداء امريكا الثوريين في المنطقة.
ولكن بعد ظهور القاعدة، واحداث 11 ايلول، واندلاع التمرد السني ضد الاحتلال الامريكي للعراق، وسكون شيعة العراق، فقد تحولت النغمة العاملة في واشنطن الى: "الشيعة طيبون، السنة سيئون". اليوم من الصعب ان نعرف من هم الطيبين.
لقد كان هناك شيء واحد واضح عشية الحرب على العراق: الشيعة يفضلون التخلص من صدام واحتلال وجيز، فقط اذا وعدت الولايات المتحدة بتسليم السلطة الى الاغلبية الشيعية عن طريق صناديق الاقتراع. لقد اصبح هذا الان من الماضي. فيما يخص معظم الشيعة فان الولايات المتحدة قد انهت بشكل اساس مهمتها وعليها ان ترحل.
ولكن الشيعة، على كل حال، انقسموا حول متى يجب ان ترحل الولايات المتحدة. فالبعض لا زال يرغب في بقاء امريكا لمدة اطول قليلا للمساعدة في القضاء على التمرد واستقرار البلاد، مما سيؤدي الى تأمين حكم الشيعة. ولكن اخرون –قد يكونون هم الاغلبية الان- يخشون ان يكون اعتمادهم على سيف الولايات المتحدة يلحق ضررا في شرعية حكومة الشيعة. تحت هذه الظروف، يمكن للاقلية السنية ان تدعي انها "القوة الوحيدة التي وقفت بوجه الاحتلال الامريكي".
لذلك، بالنسبة لاغلب الشيعة، فان اسرع طريقة للحصول على الشرعية الوطنية والاستحقاق الوطني ربما ستكون بالمشاركة في الدعوة لانهاء الاحتلال المريكي. لقد تمسك (جمرة الشيعة)، مقتدى الصدر، بهذه الدعوة منذ فترة طويلة وهو – في الحقيقة– يحاول ان يصوغ إئتلافا شيعيا – سنيا مبنيا على المصلحة المشتركة في انهاء الاحتلال فورا.
ومع قيام السفير الامركي في العراق، زلماي خليلزاد، بايصال رسالة الرئيس جورج دبليو بوش النافرة والتي تقول ان رئيس الوزراء الحالي ابراهيم الجعفري يُعد غير مقبول لدى واشنطن، ويجب ان لا يسعى للحصول على دورة ثانية، فان انفصال الشيعة عن واشنطن ربما اصبح وشيكا.
ليس كل الشيعة يرغبون بالجعفري رئيسا للوزراء. ولكن الولايات المتحدة بنظرهم قد اظهرت تسلطا مفضوحا باخبارها الشيعة من يجب ومن لا يجب ان يتولى حكومتهم المستقلة ظاهريا. الولايات المتحدة تضغط على الشيعة للتخلي عن السيطرة على وزارات حيوية وسيادية، كالاستخبارات والداخلية وهما ليسا استهلالا بالتأكيد. لم ينتظر الشيعة نصف قرن للحصول على السلطة ليتخلوا عن هذه المسؤوليات الامنية لمضطهديهم السابقين ومنافسيهم الحاليين. ربما يعمل اية اللة العظمى علي السيستاني لضمان عدم تخلي الشيعة عن هذه القضايا.
قد يبدل التحالف الشيعي مرشحه لرئيس الوزراء، فقط تحت شعار الحفاظ على الوحدة. ولكن اي مرشح جديد، يسمى – على الارجح– من قبل السيستاني، يجب ان يطمئن العديد من العناصر الشيعية، سواء الصديقة او غير الصديقة للولايات المتحدة، بضمنها الجعفري والصدر والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق المحابي لايران.
ولعل من المنطقي بالنسبة للولايات المتحدة ان تساعد في التغلب على مخاوف السنة وشكاواهم بالاصطفاف مع مطالبهم بالمزيد من السلطات للسنة. ولكن الهيمنة الشيعية السياسية الحالية هي قانونية تماما استنادا الى الدستور الذي ساعدت الولايات المتحدة في كتابته. فهو يعكس الاغلبية الديمغرافية المطلقة للشيعة. وفي هذه الفترة على الاقل، فان الولاءات الطائفية هي العملة السياسية والمصدر الاساس للامن بالنسبة لاي مواطن. ان ذلك يترك فصلا ضئيلة للمساومة.
وحتى اذا كانت توجهات واشنطن في هذه النقطة تميل نحو السنة، فانهم سوف يقدمون تطمينات ثمينة ولكن قليلة لمصيبة بوش.
السنة هم اكثر عداءا لامريكا، واكثر توجها للعرب من الشيعة. وهم عازمون على انهاء الاحتلال باسرع وقت ممكن. ورجال الدين السنة هم اعداء شديدوا المراس لامريكا، وثوارهم الجديون هم فقط البعثيون العلمانيون. ان استرضاء السنة الان – لذلك– سوف يزيد قليلا من استعجال انفصال جمهور الشيعة عن واشنطن، ولكنها لن تقلل نشاطات التمرد لاخراج الولايات المتحدة.
مهما اجتهد السفير خليلزاد في تطبيق سياسة (فرق تسد)، فان القليل من خياراته كان جيدا. الحقيقة الحزينة ان كلا من الشيعة والسنة اصبحوا يتنافسون بينهم في الدفع للتخلص من الامريكان. لم يعد تغيير نغمة "الطيب والسيء" موثوقا بعد الان.

Thursday, March 30, 2006

نائب الملك.. رجل بوش في بغداد الذي ادار الاحتلال المرتجل ذا العواقب الوخيمة

قراءة في كتاب "سنتي في العراق: الكفاح لبناء مستقبل للامل"
تأليف: ل. بول بريمر ومالكولم ماكونيل
مراجعة: جورج باكر، عن: الواشنطن بوست
ترجمة: علاء خالد غزالة

على مكتبه الغائر والمتجرد في القصر الجمهوري ببغداد والذي حكم منه العراق خلال عامي 2005 و2006 حفظ بول بريمر (الثالث) حكمة منقوشة على الخشب تقول: "للنجاح آلآف من الآباء". وهي تخبر الزوار ان مدير سلطة التحالف المؤقتة (CPA) هو قائد متحمس يتجنب اشارت المبالغة، بينما يطلب نتائج متصلبة من موظفيه الانجلو-امريكان والسياسيين العراقيين الذين كانوا شركائه المفاوضين الممتعضين بالاساس. ولم يكن بريمر رجلا ذا استبطان بارع او متفحص لذاته. ومذكراته الجديدة، والتي يظهر انها أخذت من رسائله الالكترونية التي كتبها آخر الليل الى زوجته فرانسيا في واشنطن، هي احداث يوم بيوم لفترة الـ14 شهر التي قضاها بريمر في بغداد. وكانت وظيفته ذات متطلبات مستحيلة خلال فترة من الازمات المستمرة، والتي نادرا ما نعم فيها بالرفاهية للنظر اكثر من بضعة ايام للامام، وليس الى الوراء. ولكن حتى الان مع اعادة استعراض الاحداث الماضية، و400 صفحة من ازاحته، لا يبدو بريمر مهتما، وقد لا يكون قادرا على التفكير بانها قد انتهت. "سنتي في العراق" (يبدو العنوان وكأنه استرجاع) لن يصمد امام المذكرات الدبلوماسية لجورج اف كينان ودين اتشيسون وريتشارد هولبروك لا من الناحية الادبية ولا من الناحية التاريخية. ان الاستعجال، والثقة بالنفس، والسطحية المتأصلة، جعلت الكتاب جزءا من الحرب التي انتجته.
لقد كان امام بريمر اسبوعين فقط لتهيئة نفسه لادارة العراق. فقد وصل الى بغداد في ايار 2003 ليجد البلد يكاد يكون مهدما من قبل صدام حسين واعمال السلب والنهب التي تلت سقوطه، ويجد كادر من الموظفين المحبطين. ولتحقيق مصداقيته قام بريمر فورا وبشكل غريزي بما عجزت عنه ادارة بوش والجيش الامريكي: تولى مسؤولية القصر. ان افضل ما يمكن ان يقال عن بريمر –وينطبق ذلك على الكثير من الشخصيات القيادية في هذه الحرب- انه قد أخذ العراق على محمل الجد. فهو يقول انه في اجتماعه الاول مع موظفيه طلب منهم "ان يكونوا اكثر حزما وان يركزوا على الحلول العملية وان لا يستسلموا للتخريف المتشائم... قد اكون فزت باحد النزاعات الشعبية، ولكن كما اقترح ابنائي، فان حذائي الصحراوي شجعني على البدء بركل بعض الاعقاب". ومع تهاوي كل شيء حوله، قام بريمر بكسر الجمود الاداري، كما لو كان القرار لوحده يمكن له ان يعبر به وبالعراق خلال المحنة. لقد اصاب حركة الارضية وحرّك زوبعة من السياسيات والخطط.
واذا لم يكن قد توقف للحظة خلال تلك الايام الاولى ليسأل نفسه ما الذي ينبغي لمسؤول امريكي متقاعد ذي خبرة محدودة فيما وراء البحار، وهي ليست في منطقة مماثلة، ان يتعلمه ويعرفه لكي يحقق النجاح، او على اية أسس عليه على الاقل ان يحاول، فان مذكراته لم تظهر اية علامات على ذلك. والغريب بشكل مروع انه لم يُبدِ تأثرا بما أنيط به على الاطلاق. والظاهر ان بريمر كان كمن ينتظر النداء للذهاب وادارة بلد مسلم محتل، وتمزقه الحرب، لمدة سنة او نحوها. واكثر نقاط القوة فيه، بالاضافة الى حزمه والذي كان اساسيا لفترة ما بعد الغزو، هو فشله المزمن. خلال ايام من وصوله اتخذ ثلاثة قرارات والتي سيكون لها عواقب بعيدة المدى على المشروع الامريكي في العراق. فقد منع كبار البعثيين من العمل الحكومي، وحلّ الجيش العراقي، وعلق تشكيل الحكومة الانتقالية الى اجل مسمى، واستولى على سلطات اكبر بكثير مما كان اكثر المسؤولين في ادارة بوش يتوقعون. وتخبرنا المذكرات ان القرارين الاوليين تم اعدادهما بالتعاون مع المسؤولين في واشنطن، ومعظمهم مدنيين في البنتاغون. اما القرار الثالث فهو قرار بريمر نفسه. لقد ادعى انه حصل على الدعم من البيت الابيض، لكن الادلة المقدمة على ذلك ضعيفة للغاية. نادرا ما يظهر نائب الرئيس الامريكي تشيني في كتاب بريمر، اما الرئيس بوش فيبدو وكأنه رئيس صوري يميل الى تأكيد القرارات اكثر من رجل غارق في اكثر مهامه اهمية على الاطلاق.
ان توضيح بريمر لهذه القرارات هو عموما مجرد تبرير للافعال الذاتية. فهو يسجل تقدير الزعماء الشيعة والاكراد لقراري اجتثاث البعث وحلّ الجيش، ولكنه لم يأخذ بنظر الاعتبار القضية القوية ضد هذه السياسيات، والتي قدمت ليس فقط من قبل منتقدي الحرب ولكن ايضا من بعض المسؤولين معه، وهي ان تلك القرارات قد غذت التمرد. لقد كان حكم بريمر مشحونا بخيارات هوبسون والمعضلات الثلاثية، وجميعها تدور حول نزاع اساسي بين السيطرة والشرعية. ان كاتبا متعمقا اكثر كان من الممكن ان يتخذ خطوة تاريخية طويلة الى الوراء، وان يسأل نفسه على الاقل فيما اذا كانت سلطة التحالف المؤقتة كانت كيانا ضروريا.. ما اذا كانت قد اضرّت اكثر مما نفعت. ان تكوين سلطة تتحمل جميع الاوزار وتستحوذ على جميع سلطة الاحتلال تقريبا، والتي اتخذت من المنطقة الخضراء مقرا معزولا لها، هو امر مفهوم كاستجابة لحالة الفوضى والفشل البائس في عموم المجتمع. ولكن سلطة بريمر ارتكبت الخطأ تلو الاخر فيما كانت تشرف على العراقيين المنزلقين نحو العنف غير المُتصور.
هل كان يجب تسليم السلطة للعراقيين، ومعظمهم من المغتربين، منذ البداية؟ هل كانوا يستطيعون ان يقدموا الافضل؟ لم يقدم وصف بريمر اي تقييم للنزاع المستديم في مجلس الحكم الذي تم تأسيسه في تموز 2003. ولكنه لم يكن سؤالا توقف بريمر برهة ليسأله، لا في حينه ولا الآن.
ولكن بريمر كان ابعد نظرا حول بعض الامور ومحقا اكثر من اي شخص اخر في واشنطن. لقد علم مبكرا ان القائد الديني المتشدد مقتدى الصدر واتباعه سوف يقيمون منطقة نفوذ في منطقة الجنوب الشيعية اذا لم يتم التعامل معهم بالقوة مبكرا، ولكن واشنطن، خصوصا البنتاغون، كانت تفقد اعصابها كلما حانت لحظة التصرف. لقد فهم بريمر اهمية الدستور المؤقت المعروف بقانون ادارة الدولة المؤقت (والذي كـُتب تحت الاحتلال من قبل مسؤولين امريكيين وعراقيين) في اعداد الاطار السياسي للعراق لما بعد سلطة التحالف المؤقتة. ومن سخرية الاقدار ان هذه الوثيقة كانت الانجاز الاكثر رسوخا والاصعب منالا. واستنادا الى كتاب (سنتي في العراق) فقد كان ايضا قلقلا منذ وقت مبكر من ان القوات الامريكية في العراق لم تكن كافية، وقد حاول عدة مرات ايصال هذه الفكرة الى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، والى الرئيس، دون ان يحالفه النجاح. ويبقى من الصعب ان يُمنح بريمر مصداقية لتبصره، فبدلا من القول علانية ان مستوى القوات كان غير مناسبا، فانه كان على الدوام يردد خط الادارة الامريكية والتي كان يعلم خطأها. ومع وجود حيوات لامريكيين وعراقيين على المحك، وتعرض كل المشروع للخطر، كان مثل هذا الولاء مجرد فضيلة جوفاء.
ان اسلوب كتابة يوميات بريمر الرشيق يمر بصمت، او يضفي بريقا من خلال تعبير لطيف، على بعض المشاكل المزمنة في فترة حكمه. فهو يذكر في المذكرات انه كان يتفق مع الجنرال ريكاردو سانشيز، ثم مع قائد قوات التحالف حول القضايا الرئيسة. ولكنهما في الواقع كانا يعارض كل منهما الاخر، وبالكاد يتحادثان.. فكل منهما شعر ان الآخر استولى على سلطة هي حقيقة تعود اليه. لقد قاوم بريمر كل انتهاك تقريبا لسلطته في اتخاذ القرار، سواء من الامم المتحدة او من قادة الجيش او من مستشار الرئيس في العراق روبرت دي بلاكويل. بعض مسؤولي الادارة الامريكية شعروا ان سلطة بريمر اصبحت بلدا اجنبيا، غير خاضعة للمساءلة من قبل اي شخص في واشنطن، وانه كانت هناك جهود متقطعة من قبل المقر للجم القادة الميدانيين. لم يكن لأي من هذه الصراعات تحليل او اعتراف في كتاب (سنتي في العراق).
ولكن بريمر كان له بالفعل غريمان في هذا الكتاب. احدهما دونالد رامسفيلد الذي تزايد نفاذ صبره حول وجود القوات الامريكية في العراق حالما تم اسقاط تمثال صدام حسين في بغداد، ولم يرغب في الزام جيشه بمعالجة ما يحصل بعد ذلك. فسوف يحكم التاريخ عليه انه فعل كل ما يمكن لامريء ان يفعله لايقاف تلك الجهود. والمفاجأة الاخرى كانت آية الله العظمى علي السيستاني، رجل الدين الشيعي والسياسي الاكثر نفوذا. منذ البداية فشل بريمر في التعرف على شخصية هذا الرمز الكبير، حيث انه ليس هناك شيء حقيقي تقوم به سلطة التحالف المؤقتة دون موافقته. وبدلا من ذلك فقد قرر بريمر مبكرا ان ذلك الرجل المبجل وغير المنتخب لن يخبره كيف يحكم العراق. ان صلابة السيستاني وصعوبة مساومته ملأت بريمر بنفاذ الصبر وأثرت في تدني المستوى. في خلال السنة التي تنافس فيها الرجلان تجلت محدوديات بريمر واضحة للعيان. لقد كان مسؤولا رفيعا لم يحز ببساطة على المرونة والمهارة لفهم من يجابه وكيف يتعامل معه. ان هذا الصراع بين الرجلين المختلفين بشكل هائل كان يمكن ان يغني صفحات اكثر الهاما ونقدا للذات في المذكرات. في (سنتي في العراق) من المؤلم ان المؤلف لا يتطرق حقيقة الى الظروف.
بينما اكتب هذا من بغداد، هناك اضواء في الخارج عبر المدينة، وطائرات الهليكوبتر نوع بلاك هوك تدمدم فوقها. ان حس الامكانية في عنوان بريمر الجانبي قد خمد، الآن على الاقل. فبعد سنة ونصف على مغادرته، تفوح رائحة الخوف من المدينة. لقد رمى بريمر نفسه بكثير من الانضباط والتكريس في مشروع اخراج العراق من الهاوية. هناك مأساة في تاريخه تستدعي ان يكتب عنها غيره، ففشل بريمر كانسان وككاتب انما هو فشل لامريكا في العراق. وهي ستبقى يتيمة.

Wednesday, March 15, 2006

الخيار الحقيقي في العراق

بقلم: زبيغنيو برزيزنسكي، مستشار الامن القومي الاسبق في عهد الرئيس جيمي كارتر
عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة

- "سنحضرهم".. الرئيس بوش متحدثا حول المتمردين، صيف 2003
- التمرد هو في "المخاض الاخير".. نائب الرئيس تشيني، صيف 2005

الانحطاط المنمق للإدارة الأمريكية يفصح عن نفسه. لحد الآن، مع بعض الحظ ومع عملية صنع قرار أكثر انفتاحا في البيت الأبيض، وبتنامي الجرأة السياسية من جانب الزعماء الديمقراطيين، وحتى بتشجيع من القادة العراقيين الموثوقين، فان الحرب الأمريكية في العراق يمكن (وينبغي لها) أن تنتهي في غضون عام واحد. "النصر او الهزيمة" هو في الواقع خيار استراتيجي خاطئ. فباستخدام مثل هذه الصياغة، يحمل الرئيس بوش الشعب الأمريكي على الاعتقاد بان هناك الخيارات هي إما "البقاء والنصر" أو "الانسحاب والخسارة". ولكن الخيار الحقيقي العملي هو: "الإصرار دون تحقيق النصر" أو "الكف دون الوقوع في الهزيمة".
يبدو أن النصر، كما يعرف من قبل الإدارة ومناصروها (تحقيق ديمقراطية مستقرة وعلمانية في دولة عراقية موحدة، وسحق التمرد من قبل الجيش الأمريكي بمعونة الجيش الوطني العراقي المنضبط والذي دربته القوات الأمريكية)، قد أصبح مشكوكا فيه. فلتحقيق ذلك، لابد من أن يكون الجيش الأمريكي اكبر من الحالي بشكل ملحوظ، وان تكون القوات العراقية الساندة لجهود مقارعة التمرد بقيادة الولايات المتحدة متحمسة أكثر. إن القوات الأمريكية الحالية، والتي سرعان ما سيخفض عددها، غير كافية لسحق التمرد المناوئ للولايات المتحدة أو لإيقاف النزاع الطائفي السني-الشيعي. وكلتا المشكلتين ترشحان باستمرار تحت وطأة الاحتلال الأجنبي غير الحاسم والذي يتعاظم بغضه.
علاوة على ذلك، لا يبدو أن الشيعة أو الأكراد يركزون اهتمامهم على توحيد العراق بوجود جيش وطني أصيل واحد. وفي الوقت الذي ظهرت فيه المساومات لتشكيل الحكومة الجديدة، فان القوتان الرئيستان في العراق، التحالف الديني الشيعي والانفصاليون الأكراد، يتقاسمون هدفا مشتركا يتمثل في منع عودة هيمنة السنة، وقد عزم كلاهما على الاحتفاظ بقوة عسكرية منفصلة للدفاع عن مصالحها الخاصة، بشكل اكبر على حساب السنة. إن جيشا وطنيا حقيقا بهذه الكيفية هو مجرد وهم. إن الاستمرار في الإصرار على تحقيق "النصر" بهذا النمط يحكم على أمريكا بدفع الثمن مزيدا من الأنفس والأموال، ناهيك عن ازدياد المعارضة الإسلامية والتآكل الشديد في الشرعية الدولية لأمريكا ومصداقيتها وسمعتها الأخلاقية.
كما إن تعريف الإدارة لـ"الهزيمة" مضلل بشكل مشابه. فالمتحدثون الرسميون وغير الرسميين يتكلمون المرة تلو الأخرى مسترجعين التنبؤات الماضية والتي تخص العواقب المحتملة للفشل الأمريكي في تحقيق النصر بفيتنام: تساقط قطع الدومينو، انفجار المنطقة، وفقدان مصداقية القوة الأمريكية. وتم إضافة لمسة تتمثل بمبدأ أن المتمردين العراقيين سوف يعبرون الأطلسي لإثارة الإرهاب في عقر الوطن الأمريكي.
إن الخيار الحقيقي الذي تجب مواجهته هو القبول بالحقائق العراقية المعقدة في فترة ما بعد صدام حسين من خلال فك اشتباك نسبي للجيش، وهذا يتضمن فترة انتقالية وتمهيدية بالرغم من النزاع السياسي المكثف، لحين جلاء الغبار وإعداد الفئات العراقية لترتيباتها السياسية الخاصة. يمكن أن يستمر الاحتلال العسكري غير الحاسم لسنوات قبل أن يتم تحقيق الهدف غير المحدد. واقل ما يقال أن من المشكوك استمرار مساندة السياسيين الأمريكيين المحليين في جهود لا طائل منها لمدة طويلة تحت شعار كون العراق هو "الجبهة الأمامية في الحرب على الإرهاب".
وعلى النقيض، فان فك اشتباك الجيش بحلول ناهية عام 2006، المتأتي عن تحديد أكثر واقعية للنتائج الملائمة، يمكن أن تؤكد أن الكف ليس مكافئا للهزيمة. في العراق الذي يهيمن عليه الشيعة والأكراد –الذين يشكلون معا ما يقارب 75% من السكان- فان كلا الشعبين سوف يتشاطران المصلحة الوطنية المشتركة المتمثلة بالعراق كدولة مستقلة. فالأكراد الذين حصلوا على الحكم الذاتي بما يشبه الاستقلال، سوف يكونون -بخلاف ذلك- مهددين من قبل الأتراك. كما إن الشيعة العراقيين هم عرب قبل كل شيء وليس لديهم أية رغبة في أن يكونوا تابعين لإيران. بعض السنة، حالما يدركون أن الاحتلال الأمريكي يقترب من نهايته وأنهم سوف يواجهون التحالف الشيعي-الكردي الغامر، سوف يكونون أكثر ميلا لتقبل الحقائق السياسية الجديدة، خصوصا عندما يحرمون من التباكي على المقاومة للمحتل الأجنبي.
بالإضافة إلى ذلك، فمن المرجح أن تتحصن كل من مناطق الكويت وكردستان بتواجد أمريكي دائمي تحسبا لأي طارئ مفاجئ. وحالما تنهي الولايات المتحدة الاحتلال العسكري، يصبح من السهل إعداد خطة لمشاركة قوات إسلامية -بشكل ما- في قوات حفظ السلام في العراق، ويمكن أن تساعد هذه المشاركة في تهدئة مشاعر العداء لأمريكا في المنطقة.
على كل حال، بينما يشتد التنافس بين السياسيين العراقيين، فمن شبه المؤكد أن القادة السياسيين العراقيين الأصليين (غير المنتقين من قبل الولايات المتحدة) -تحقيقا لشرعية توليهم السلطة- سوف يطالبون بموعد حاسم لانسحاب القوات الأمريكية، وذلك كله يسير باتجاه حسن. في الواقع يجب أن يتم تشجيعهم بهدوء لفعل ذلك، لان ذلك سوف يزيد من مساندتهم الشعبية، بينما يسمح للولايات المتحدة أن تعيد تعريف مصطلح "أنجزت المهمة" بشكل مقتصد.
الخطوة الأساسية الأولى للوصول إلى هذه الغاية أن يخرج الرئيس من شرنقته الحالية. إن رسم سياسته وخطبه هي نتاج مجموعة الدعاة الصادقين المحيطين به، والذين يعتبرون مسؤولين بشكل كبير عن الفوضى في العراق. فهم لديهم حدا خاصا في تعريفهم للنصر، وهم يعززون قناعاته بدلا من تنقيح أحكامه. إن الرئيس هو بأمسّ الحاجة لتوسيع دائرة مستشاريه. لماذا لا يعمد إلى استشارة الديمقراطيين والجمهوريين الإجلاء والذين لا يجرون وراء المناصب، ولنقل وارن رودمان أو كولن باول أو لي هاميلتون أو جورج ميتشل، بشأن النتيجة المحتملة والتي يمكن إحرازها في العراق؟
وأخير، يجب على الديمقراطيين الكف عن المراوغة عند توجيه النقد. إن هؤلاء الذين يرومون تولي السلطة عام 2008 هم بالتحديد غير راغبين في التصريح بوضوح أن إنهاء الحرب فورا هو أمر مرغوب فيه وذو جدوى. فهم يخشون أن يوصموا بأنهم غير وطنيين. ومع ذلك فان إيجاد بديل عملي سوف يوفر بينة سياسية فعالة لأولئك الغافلين الذين ينشدون "نصرا" غير ممكن التحقيق. إن الأمريكيين بحاجة إلى إيجاد خيار حقيقي فيما يخص البلوى المأساوية في العراق.

Wednesday, February 01, 2006

تدريب العراقيين ليس بالبنادق وتزييتها فحسب

عن: لوس انجلس تايمز، بقلم: ناثانيل فيك (نقيب سابق في البحرية الامريكية خدم في افغانستان والعراق وألف كتاب "على مسافة طلقة واحدة: صناعة ضابط في البحرية الامريكية")
ترجمة:علاء غزالة
ان مقارعة التمرد هو عمل بطيء وتسوده الفوضى. ومن الصعب بمكان تحويل الجنود العراقيين الى محاربيين اشداء. ولكن الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرا لا يمكن تعتبر متماسكة ويعول عليها ما لم يتمكن العراقييون من توفير الامن لبلدهم. ان نافذة الفرص المتاحة لتدريبهم سرعان ما ستغلق. انا شخصيا تلقيت التدريب كعنصر في مشاة البحرية الامريكية قرابة عامين –سنة واحدة في الصفوف الدراسية والاخرى في العمل- قبل ان اشعر بانني جاهز للعمل. ولكن القوات العراقية لا تمتلك هذا القدر من الزمن، ولذلك فمن الضروري ان يتركز التدريب على ما هو اساسي جدا. وعلى العكس من الكثير مما نسمع، فان تدريب القوات العراقية ليس قائما بشكل اساسي على تعليم مهارات الرماية والتكتيكات الاولية. كما ان المقياس الامثل للتقدم لا يعتمد على عدد الألوية القادرة على القتال بمفردها. بالمقابل، فان التدريب الناجح للقوات العراقية يرتكز على ثلاثة دعامات: التعريف بالانظمة والقوانين التي تضمن الولاء للسلطة الشرعية، وتنمية القوات التي تقاتل الى جانب الوحدات الامريكية، وضمان ان الجيش العراقي هو قوة تتكامل مع المجتمع.
والتحدي الاكبر الذي نواجهه يكمن في كيفية ترسيخ نوع من الانضباط الذاتي والذي يمكن ان يدوم بعد نرحل. ولتحقيق ذلك، فقد أكدنا على الحماسة في التدريب على المهارات القتالية، واقناع العراقيين على تبني قيم قتالية متنامية باضطراد. اخيرا، فان الامريكيين والعراقيين قاموا بتطبيق هذه القيم بشكل متبادل لتحسين الانضباط. ان الضبط هو حجر الاساس للنجاح، فهو يبقي الجنود في حالة تقدم باتجاه اطلاق النار في الوقت الذي تحث الغريزة الانسانية على الهروب بالاتجاه الاخر. وبالنسبة للحكومة العراقية الحديثة العهد، فان هذا الضبط يضمن بقاء الجيش خاضعا للسطلة الشرعية.
سوف تبقى السلطة المدنية في العراق هدفا للتمرد لفترة من الزمن. وهذا هو السبب في ان القوات العراقية يجب ان تدرب على القتال صحبة القوات العكسرية الامريكية كخطوة مهمة في طريق الاستقلال الذاتي النهائي. ان الدفع من اجل عمليات تقوم بها القوات العراقية بشكل مستقل تماما في وقت قريب سيؤدي الى التضحية بتطوير المؤسسات لصالح النفعية السياسية. يضاف الى ذلك ان القوات الامريكية والعراقية يمكن لها ان تقدم الكثير بالعمل معا، اكثر مما لو عملت بشكل منفرد. فالجيش الامريكي يساهم في الدعم القتالي واللوجستي والارشاد العملياتي. اما العراقيون فانهم يضيفون الوعي الثقافي والاستخبارات البشرية والسلطة المعنوية. وما تمتلكه القوات العراقية يُعدّ لبّ النجاح في استرتيجية مقارعة التمرد. ان حربا كتلك التي تدور في العراق لا يمكن ان تكسب بالمعدات المتطورة فقط، يشهد على ذلك الفوضى التي تسببها القنابل المزروعة على جانب الطريق في صفوف الجيش الاكثر تدريبا وتجهيزا في العالم. وليس هناك اصلاح تقني، فالمدرعات الكثر سماكة انما تستجلب قنابل اكثر شدة. ان الحل الاكثر ديميومة هو ان يقوم الناس الاصدقاء بالكشف عن مكان زرع القنابل. وبعبارة اخرى فان المعلومات من المواطنين العراقيين مطلوبة لتحقيق النصر.
ان غياب مثل هذه المعلومات يسمح لعدد قليل نسبيا من المسلحين الناشطين بخلق حالة من الصخب والتشويش، بينما يعومون على بحر من المناصرين المستترين. للحصول على المعلومات يجب ان تحوز اولا على ثقة الشعب العراقي، كما يجب ان تظهر تقدما في ساحة المعركة. ومفتاح ذلك هو الرأي العام للمواطنين العراقيين. ولكن القوات الغربية لن تستطيع ان تجمع العراقيين حولها اذا كانوا يرون ان القوات العراقية طائفية او وحشية، والتي يجب ان تكون على خلاف التركيبة القديمة، والمكونة من قطاع الطرق المتنفذين والمجندين البائسين.
اعتمدت الجهود الاولية في تطوير القوات الامنية العراقية على المجندين المحليين. وهذا ما اعطى المتمردين، خصوصا في محافظة الانبار، الفائدة لمعرفة من يعمل لصالح الحكومة، ومن ثم تهديدهم او قتلهم، وفي بعض الاحيان مع عائلاتهم. وكان الحل هو التجنيد من اماكن اخرى في العراق وارسالهم للخدمة في الانبار. ولكن ذلك ادى الى ان يكون الجيش العراقي ذا اغلبية ساحقة من الجنوب، مما قوى التفرقة الطائفية، وعرقل التكامل الاجتماعي، واحدث ثلمة في شرعية الجيش لدى البعض.
ان التدريب الناجح للمجندين العراقيين يجب ان يضع في الحسبان ان عوائلهم تعيش عند او قرب ساحة المعركة. وتجب حماية هؤلاء الابرياء، اذا كان للجيش ان يضم خليطا من المواطنين العراقيين. ان الدعامات الثلاثة في تدريب العراقيين الناجح، وهي الانضباط والتعاون والشمولية، تتطلب قيادة مميزة. ومن المعلوم ان هناك ثلاثة واجبات للضابط: ان يكون جاهزا دائما، وان ينتصر في كل مرة، وان يعيد جنوده الى المجتمع بوضع افضل من الذي كانوا عليه. والمهمتان الاوليتان ليستا صعبتين، ولكن الثالثة تمتد فيما وراء الخدمة العسكرية، وهو الاختبار الحقيقي. ان تطوير القوات الامنية العراقية هو تصغير لمشكلة اكبر: تشجيع الاحساس المشترك بالمصلحة الوطنية العراقية. وهذه العملية هي بطئية وتسودها الفوضى، ولكن ليس هناك خيار اخر.

Wednesday, January 25, 2006

هل ان العراق على اعتاب الحرب الأهلية؟

بقلم: جون دانيسزيوسكي
عن: لوس انجلس تايمز
ترجمة: علاء خالد غزالة
بغداد - تعرض أربعة عشر شخصا من افراد عائلة مسلمة شيعية الى الذبح في بيتهم. بعد ذلك بأيام، غزا رجال مسلحون منزل عائلة عربية سنية، وقتلوا خمسة افراد منها. ويستمر القتل السياسي المنظم كما لو لم تكن هناك انتخابات قبل فترة وجيزة.
في خطابه الموجه للعراقيين بينما كانوا يستعدون للذهاب إلى الإنتخابات، قال الرئيس بوش أنه لا يعتقد بان الحرب الأهلية يمكنم لها ان تندلع في البلاد. لكن بعض المراقبين يعتقدون أنها قد بدأت فعلا، من خلال كفاح صامت ولكنه مميت رسمت خطوطه النتائج الحادة للانتخابات ذات الاستقطاب العالي.
في أي يوم، يمكن ان تتعرض مجموعة شرطة شيعية الى هجوم إنتحاري أو كمين دبرهما سني. ويمكن ان يقوم عنصر من الميلشيا الشيعية المهيمنة على أجهزة الأمن العراقية باعتقال وتعذيب وقتل متمرد سني. أو قد يتعرض مسؤول كردي في الحكومة الجديدة الى القتل وهو في طريقه بين البيت والمكتب.
ومالم يكن هدف الإغتيال شخصية بارزة، أو ان عدد الضحايا يزيد على اصابع اليدين، فان مثل هذه الأحداث بالكاد يشار اليها في تقارير الأخبار الغربية. وعلى الرغم من ذلك تشير التخمينات الموثوقة بأن حوالي 1,000 عراقي يموتون كل شهر، معظمهم قـُتل على ايدي عراقيين.
ان مصطلح (الحرب الاهلية) يستحضر صور الجيوش وقد احتشد بعضها ضد بعض لينتهي الامر الى تقسيم البلاد، بعيدا عن المثال الديمقراطي الذي ارادت الحكومة الأمريكية انجازه في العراق بعد سقوط صدام حسين قبل سنتين ونصف.
لم ينفك الزعماء السياسيون العراقيون من التأكيد على وحدة البلاد ومقتهم للحرب الأهلية. ففي الأسبوع الماضي قال عباس البياتي، احد مسؤولي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وهو تنظيم شيعي، بأنها لن تحدث لأن زعماء البلاد الدينيين لن يسمحوا بحدوثها. ولكن الخبراء الآخرين داخل وخارج العراق كانوا أقل تأكيدا.
ويعتقد جيمس فيرون وهو استاذ السياسة بجامعة ستانفورد وخبير بالنزاعات الحديثة، ان حرب العراق الأهلية قد بدأت حالما اطيح بصدام حسين تقريبا، ولكنها مستترة ومحدودة بسبب وجود القوات الأجنبية. يقول فيرون "أعتقد ان هناك بالتأكيد حربا أهلية مستمرة منذ أن أنهينا العمليات القتالية الرئيسة"، رافضا موقف العديد من المراقبين الذين يرون ان الحرب أهلية ليست الا احتمال للعراق، ويضيف "حين يتحدث الناس عن (هل ستكون هناك حرب أهلية؟) فانهم يتحدثون في الحقيقة عن نوع مختلف من الحرب الأهلية". ويؤكد فيرون على إن نوع الحرب التي تظهر في العراق، والتي تتميز بالهجمات الفدائية، وحوادث الإختطاف، والإغتيالات و(التطهير العرقي)، هي نموذج مثالي من النزاعات المدنية الحديثة.
ويشير الى انه "منذ عام 1945، كانت معظم الحروب الأهلية، على تعدد انواعها، عبارة عن حروب عصابات قائمة على اساس التمرد مقابل مكافحة التمرد"، مؤكدا "ان أكثر الحروب الأهلية تبدو كثيرة الشبه بما نراه الآن في العراق ".
ويعتقد فيرون ان حضور القوات الأمريكية في النزاع لن يكون غير عادي، "ان عدد كبير من الحروب الأهلية تضمن تدخل خارجي. لكني ما زلت أدعوها حربا أهلية على اساس ان المتمردين يهاجمون ويقتلون عراقيين أكثر بكثير من القوات الأمريكية."
وبالرغم من أنه يرى ان الإنتخابات الأخيرة تمثل خطوة للأمام، الا انه يعتقد انه اذا فشلت المحادثات الحساسة لتشكيل الحكومة والجارية حاليا في التوصل الى تسوية، فان الحرب بين العراقيين يمكن لها أن تتوسع وتشتد لتتحول الى قتال مفتوح بمدى اوسع، خصوصا إذا ما انسحبت القوات الأمريكية من البلاد بسرعة كبيرة.
وبشكل عام، تسلحت فئات سنية مستميتة لاستعادة السلطة في العراق بمطبات المقاومة ضد عناصر المليشيا الشيعية. ولكن الأخيرة مصممة على حماية الحكومة الجديدة، التي يسيطر عليها الشيعة، وللإنتقام من الاذى السابق والحالي على ايدي السنة. وفي هذه الاثناء يطمح الأكراد، وهم مستهدفون أيضا من قبل السنة، الى الإستقلال أو الحكم الذاتي القوي، وأمنيتهم اضافة كركوك الغنية بالنفط إلى منطقتهم، مما يضعهم في حالة صِدام محتملة مع بقية البلاد.
يقول مسؤول حكومي سابق شغل منصبا متوسطا وطلب عدم ذكر إسمه، بأنه أجبر على ترك مسكنه في بغداد بسبب اسمه الشيعي، وهو يخفي هويته الآن عندما يسافر بين العاصمة وقريته قرب بابل. مضيفا "لا تستطيع التجول في المنطقة الجنوبية تحت اسم سني. كما لا تستطيع الذهاب إلى محافظة الأنبار اذا كنت تحمل اسما شيعيا"، غير انه "ليست هناك حربا أهلية في عموم البلاد، لكن توجد حروب أهلية محدودة في 20 بلدة في الأقل."
منذ صيف 2003 قـُصفت مساجد وضُربت بالصواريخ، وإختطف اشخاص، وحتى الآن تعرضت مناطق مختلطة في بغداد مثل الغزالية والدورة، ببطئ وعناد، الى التطهير من الشيعة من خلال التخويف والعنف. ووضعت ضغوط مماثلة على السنة في القرى في الجنوب ذي الاكثرية الشيعية، وعلى العرب والتركمان في كركوك.
يجادل جيمس دوبنس، محلل في مجموعة منتدى راند في واشنطن، وهو يلمح إلى الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، التي صوت فيها كل العراقيين تقريبا على اسس طائفية أو عرقية بدلا من الاحزاب أساسها ذات التمثيل الأوسع، ، بأن الإنقسامات القوية من شأنها ان تمزق وحدة البلاد. ويقول ان القتال في العراق يبلغ حربا أهلية غير مألوفة، والتي يمتلك فيها جانب واحد فقط أسلحة ثقيلة، وهي الحكومة العراقية المدعومة من قبل حلفائها الأمريكيين والبريطانيين، بينما يعتمد الجانب الآخر على تكتيتك حرب العصابات. وهو يرى ان هناك خطرا في التصعيد. ويضيف "يمكن ان تشهد حربا أهلية كالتي حصلت في يوغسلافيا في التسعينيات، حيث كان كلا الجانبين يمتلك أسلحة ثقيلة، والإصابات كانت اكبر بكثير". ويعتقد دوبنس ان "الحجة الرئيسة لأمريكا لكي تواصل البقاء في العراق هي ان تمارس نفوذها لمنع الوضع من التحلل على هذه الطريقة. لكن ذلك سيصبح صعبا ومكلفا ومستنزفا للوقت".
المؤلفة روزماري هوليس تعتقد بالسيناريو المتفائل، حيث تقول "اعتقد ان ذلك مستبعد". فهي ما زالت غير متأكدة من ان البلاد في طريقها إلى التقسيم. وتضيف "ان السيناريو الآخر في هذه المسرحية، هو ان الدولة لا تتفكك لكن التوترات الداخلية الهائلة ستعمل على إلغاء بعضهم البعض الاخر". فالصراع ضمن الطائفة الشيعية، على سبيل المثال، يمكن أن يبقى محليا دون ان يوجه ضد الطوائف الأخرى.
معارضة الانتخابات
تظهر النتائج الاولية غير المصدقة للانتخابات التي جرت في كانون الاول الى ان البرلمان القادم سيكون مثقلا بالاحزاب ذات الطابع الديني من كلتا الفئتين الشيعية والسنية. لقد كان اداء الاحزاب ذات النزعة العلمانية ضعيفا، وكذلك تلك التي تريد تجاوز التقسيمات الطائفية والعرقية.
وفي الحال ادعت مجموعات علمانية وسنية حصول تزوير في الانتخابات اضافة الى ترهيب الناخبين. ويبدو ان بعض القادة السنة البارزين قد حزنوا لهذه النتائج وتساءلوا عن شرعية الانتخابات، وطالبوا باعادتها. ولكن التحالف الشيعي الفائز رفض هذا الطلب، وبدأ القادة الشيعة والاكراد مشواراتهم لبحث امكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية والتي يمكن ان تقنع او على الاقل تهديء من روع الخاسرين.
ترتعد فرائص اغلب العراقين خوفا عندما يشار الى ان البلاد يمكن ان تنزلق الى الحرب الاهلية الشاملة، ولكن هذا الخطر نادرا ما يكون بعيدا عن عقولهم.
يقول يونادم كنا، وهو سياسي مسيحي، ان "الشيعة يصرون على مطالبهم، بينما يشعر السنة والقوميون العرب انهم مهمشون او معزولون ومهملون، لذلك اعتقد انه ستكون هناك مشاكل كبيرة واستمرار للعنف خلال السنوات الثلاثة المقبلة". ويتساءل "هل ستحدث حربا اهلية؟ لا اعتقد انها ستصل الى هذه النقطة"، مضيفا انه لا احد يمكنه التأكيد. "ففي كل مرة يكون في العراق (أ) زائد (ب) يجب ان يساوي (ج)، ولكن شيء اخر يحدث".
ويقول وليد نظمي، محلل سياسي عراقي، انه مسرور لأن السيناريو المرعب لم ينبلج، "توجد الان مؤشرات على ان البلاد تنساق تدريجيا باتجاه نوع من النزاع الطائفي، بسبب وجود تقارير على حصول عمليات قتل بين الاشخاص الشيعة باحدى اليدين والسنة باليد الاخرى. ولكن يبدو لي ان ذلك لحد الان هو من افعال مجاميع صغيرة". ويضيف "ان هذه الافعال تشير الى مافيا منظمة اكثر من وجود تحشيدات طائفية تلقائية".
لقد كان اية الله العظمى على السيستاني، القائد الديني للشيعة في البلاد، صوتا مثابرا من اجل تخفيف التوترات الطائفية منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة. وفي الشهر الماضي صادق على حكومة الوحدة الوطنية التي تتضمن السنة.
يقول البياتي من المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بان مثل هذا التفكير المستنير سيبقي الغطاء مقفلا، "فالتوتر السياسي نفسه لايمكن ان يقود الى الحرب الاهلية. لكن الطائفية هي سبب محتمل، غير ان موقع القيادة سحب البساط من تحت هذا الاحتمال".
العامل الأجنبي
يحذر جوان كول، وهو استاذ في جامعة متشيغان ومتخصص في العراق، من الاستنتاج انه طالما كان العراق في خضمم حرب اهلية فانه لا يهم اذا ما بقت فيه القوات الاجنبية او انسحبت منه. ويقول وهو يسترجع الاحداث الدمويةالتي شهدها في الحرب الاهلية اللبنانية (1975-1990)، انه يتخيل ان الوضع سيكون اسوأ بكثير اذا ما انسحبت القوات الامريكية قبل الاوان، او خفضت قواتها بشكل ملحوظ. ويضيف ان تآكل الدعم الشعبي الامريكي قد تسبب في ضعف حضور الولايات المتحدة في الشارع العراقي، مما سيشجع رجال الميليشيا العاملين بشكل مغطى حاليا على الخروج الى العلن، ربما بتحضير هجمات منسقة على المدن المجاورة او الحكومة المركزية في بغداد. ويعتقد ان شرارة القدح الاخرى قد تكون كركوك. ففي كل الاحتمالات يرد الاكراد ان يجروا استفتاءا لضم مدينة كركوك المتنازع عليها الى اتحادهم الاقليمي. مضيفا "هل سيتقبل التركمان هذا الوضع؟ وهل سيتقبله العرب؟ تخميني انهم لن يفلعوا".
لقد تعود السنة لمدة طويلة على حكم العراق، اما الان فهم مهددون بالحرمان من ثروة البلاد النفطية، وهذا سبب اخر للثورة. فهم "يرون الكتابة على الجدران". ويحذر من ان أي حرب أهلية واسعة الإنتشار يحتمل لها ان تغرق جيران العراق، مما يؤدي الى زلزلة المنطقة وتهديد استقرارها. قد تسعى تركيا الى منع طمس الاقلية التركمانية في كركوك، فيما ترغب دول الخليج (الفارسي) [...] الى مساعدة السنة بينما تتدخل ايران لصالح الشيعة.
يعتقد فيرون، شأنه شأن كول، ان الانسحاب السريع للقوات الامريكية سيحفز الحرب الاهلية. ولكن من الناحية الاخرى، كما يقول، فان البقاء الى اجل غير مسمى لا يعطي الا حافزا ضئيلا للعراقيين لـ"تفعيل دورهم السياسي والعسكري معا". ويعتقد ان "الحضور الامريكي يجعل من المحتمل خوض المباحثات لتشكيل حكومة ذات مستوى معين من الفاعلية، ولكن من المحبط انني لا ارى تلك المباحثات التي تؤدي الى انقاذ الموقف بدون حضور امريكي قوي"، وكما تبدو عليه الامور الان فانه "ليس هناك في الحقيقة خروج لطيف للولايات المتحدة".

Wednesday, January 04, 2006

مسؤول امريكي سابق في العراق يحال الى القضاء

عن: النيويورك تايمز
ترجمة: علاء غزالة

في ما يبدو انه بداية لسلسلة من التهم الجنائية القضائية ستوجه ضد المسؤولين والمقاولين المشرفين على اعادة اعمار العراق، فقد وجهت التهم لاحد المسؤولين السابقين، ويدعى فيليب اتش بلوم، بدفع مئات الالاف من الدولارات كرشاوى وعطايا الى مسؤولي سلطة الاحتلال الامريكية وزوجاتهم للحصول على المقاولات الانشائية، استنادا الى لائحة الدعوى التي كشف عنها مؤخرا.
وكان بلوم، والذي ادار ثلاث شركات عملت في العراق في جهود الاعمار التي تقدر بعدة مليارات من الدولارات، قد وجهت له التهمة بالتآمر وتزوير التقارير وغسيل الاموال وتسهيل نقل وادخال مواد مسروقة الى الولايات المتحدة. وهذه كلها مرتبطة بالحصول على ما يصل الى 3.5 مليون دولار في مقاولات احتيالية موثقة.
وكانت لائحة الدعوى، التي اودعت في محكمة المقاطعة الفيدارلية في مقاطعة كولومبيا، قد طلبت حضور اثنين من المتآمرين للشهادة لم تذكر اسماءهم، من الذين عملوا في سلطة التحالف المؤقتة، وهي الادارة التي كانت تحكم العراق وقت احالة تلك المقاولات اوائل عام 2004. وقال جيمس ميتشل الناطق بلسان المفتش العام المختص بقضايا اعادة اعمار العراق: "هذه هي الحالة الاولى، ولكنها لن تكون الاخيرة". واضاف ان هناك ما يزيد على الاثني عشر قضية مشابهة لتلك قد احيلت الى وزارة العدل لدراسة امكانية اقامة الدعوى.
وقال محامي بلوم انه لا يعلم الا القليل عن هذه القضية ماعدا ما ورد لائحة الدعوى، ونحن بصدد مراجعة الادعاءات. وكان بلوم، والذي عاش في رومانيا لسنوات عديدة، قد تم اعتقاله مؤخرا في مطار ليبرتي الدولي بمدنية نيوارك.
وتقول لائحة الدعوى انه بغية الحصول على مقاولات اعادة الاعمار المربحة، فقد دفع بلوم مبلغ 200,000 دولار في الشهر الى عدد غير محدد من مسؤولي سلطة التحالف بضمنهم اثنين من المشاركين في المؤامرة. واشارتا الى ان احدهما يعمل بالتعاون من الادعاء العام. اما المتآمر الاخر، فهو مسؤول الحسابات والمالية لسلطة التحالف المؤقتة بمنطقة جنوب الوسط في العراق. وقد ادار هذا الشخص مبلغا قدره 82 مليون دولار تستخدم في دفع مستحقات العقود المنفذة في الحلة، والمتضمنة مقاولات احيلت بذمة بلوم نفسه. ويقول مسؤول حكومي ان اسم هذا الشخص هو روبرت جي ستاين.
وتقول الدعوى ان العقود التي حصل عليها بلوم قد خصصت لبناء العراق واستقراره في الحلة وكربلاء. وتضمن العمل تجديد بناية المكتبة العامة في كربلاء، وهدم الابنية القديمة ثم بناء اكاديمية الشرطة في الحلة محلها، ورفع المستوى الامني لاكاديمية الشرطة في الحلة، وانشاء مركز العشائر الاقليمي للديمقراطية". وتشير الوثيقة الى انه بمساعدة هؤلاء المشاركين في المؤامرة وغيرهم، فقد قام بلوم بتقديم اكثر من عطاء لنفس المقاولة مستعملا اسماء شركات مختلفة وهي اما مملوكة لبلوم نفسه او غير موجودة اصلا. وحينما تعلن المقاولات وتحال الى احدى تلك الشركات، فان هؤلاء المتآمرين بضمنهم ستاين، يصدقون على ان المقاولة احيلت اصوليا.
وتشير الدعوى "ان قيمة هذه العقود ترواحت بما دون الـ 498,900 دولار، حيث ان المتآمرين كانت لهم الصلاحية لاحالة العقود التي تقل عن 500,000 دولار". وكشفت ان الرشا الشهرية لمسؤولي التحالف قد تم توثيقها بالشهود العراقيين، واحد المتآمرين، وشخص آخر له معرفة شخصية بالمبالغ المدفوعة.
وتؤكد الدعوى انه في احدى الحالات فان السيد بلوم "الذي دفع الرشا المذكورة آنفا والاكراميات والعطايا، قد قام بتحويل اموال يبلغ مجموعها 267,000 دولار من حساب بمصرف اجنبي الى حساب مصرفي في الولايات المتحدة باسم المتآمر الاول وزوجته." وجاءت تحويلات اخرى من مصارف بالكويت وسويسرا وهولندا ورومانيا الى حسابات مصرفية للمتآمرين المدعى عليهم. وهناك بعض التحويلات الى صاغة، ووكلاء بيع السيارات والمؤسسات العقارية، لمنفعة العصبة المتآمرة على ما يبدو. وكتب العميل الخاص لمكتب المفتش العام، "اعتقد ان المعاملات المالية والنقدية الموصوفة اعلاه هي جزء من مؤامرة لمخالفة قانون الولايات المتحدة".
ولم تتوفر على الفور معلومات كاملة عن كل من بلوم وستاين. ولكن المفتش العام كان قد اشار من قبل انه في خضم العجلة للبدء بتنفيذ مشاريع اعادة الاعمار في منطقة حنوب الوسط فان العقود قد احيلت بشكل غامض، وباقل قدر من الاشراف.
ومن شأن هذه التهم ان تؤجج المزيد من النقد الى جهود اعادة البناء في العراق، والتي فشلت في الوصول الى مستوى آمال مسؤولي الولايات المتحدة. ان كمية كبيرة من الاموال المخصصة لاعادة البناء قد تم صرفها في مشاريع امنية، واصلاح آثار التخريب، وكلاهما نتج عن نشاطات المتمردين. وتعرضت هذه الجهود للنقد ايضا لفشلها في ان تأخذ بحسبانها المشكلات التي تواجه أي مشاريع بناء في العراق، بضمنها صعوبة زيارة مواقع تلك المشاريع.

Tuesday, December 27, 2005

الولايات المتحدة تشير الى سوء المعاملة في السجون العراقية وتحتفظ بالمعتقلين

بقلم:ايريك سكميت وثوم شانكر
ترجمة: علاء خالد غزالة
عن: نيويورك تايمز
واشنطن، 24 كانون الاول. قال آمر السجون الامريكية في العراق ان الجيش لن يقوم بتسليم اي معتقلين او مراكز اعتقال الى ادارة السجون العراقية ما لم يقتنع المسؤولون الامريكيون بان العراقيين يطبقون المعايير القياسية الامريكية للسجون من الرعاية وظروف حجز المعتقلين.
يقول الميجر جنرال جون دي غاردنر، احد قادة الجيش الامريكي، في مقابلة هاتفية من العراق خلال هذا الاسبوع: "خط الشروع اننا لن نسلم المنشآت او المعتقلين الى ان يتم تطبيق المواصفات القياسية التي عرفناها والتي نستعملها اليوم". وجاءت تعليقات الجنرال غاردنر على اثر الغارتين الاخيرتين على السجون التي تديرها الحكومة العراقية والتي كشفت عن مجاميع من السجناء الذين أسيئت معاملتهم. وهم ايضا تتبعوا دعوات من المسؤولين الامريكيين الى الحكومة العراقية لمنع المليشيات من الهيمنة على القوات الامنية. وقد شارك خبراء من الجيش الامريكي مع المسؤولين العراقيين في تفتيش المعتقلات العراقية.
وتأتي تعليقات الجنرال في الوقت الذي تعاني فيه ثلاثة من السجون التي تديرها القوات الامريكية من الازدحام الشديد رغم صرف مبلغ 50 مليون دولار لاعمال التوسيع التي انتهت حديثا، وفي الوقت الذي تقوم به القوات الامريكية بتدريب العراقيين على تولي شؤون المعتقلات.
ويقول البنتاغون والمسؤولون العسكريون ان الجنرال جورج دبليو كايسي جي آر، وهو القائد الاعلى للقوات الامريكية في العراق، قد عبر عن استيائه بسبب الاعباء الثقيلة من الحماية والرعاية المطلوبة لجمهرة المعتقلين الاخذة بالتنامي، وباسرع من عملية معالجة وضع النزلاء وتحويلهم الى السلطات العراقية. وقد ارتفع عدد معتقلي اعمال العنف الى 14,000 بعد ان كان 8,000 في كانون الثاني الماضي. وقد تضاعف اعداد السجناء مع اضافة 3,100 شخص اليهم من الذين هم في طور التقديم للمحاكم العراقية لسماع قضاياهم.
وقد اعرب الجنرال غاردنر، والذي تولى المسؤولية في الثلاثين من تشرين الثاني، عن تفاؤله بان تفتيش السجون العراقية لن يؤدي الى تأخير غير مبرر في تحقيق الهدف الامريكي بتسليم المعتقلين العراقيين الى السلطات العراقية. ويقول مسؤولون عسكريون ان لديهم هدف مرحلي في تسليم السجون التي تديرها القوات الامريكية الى العراقيين بنهاية عام 2006، رغم انه لم تتم المصادقة على اي جدول زمني محدد. ولكن احد كبار القادة العسكريين قال بان تسليم جميع المعتقلين الى العراقيين قد يمتد الى عام 2007.
ويصف احد مسؤولي البنتاغون الاعداد الكبيرة من المعتقلين العراقيين بانهم عبء يستنزف القدرات البشرية والتي يمكن استخدامها في مهمات اكثر حراجة. ويقوم حوالي 3,700 موظف بمهمام عمليات ادارة المعتقل، وهو ما يعادل تعداد لواء كامل من بين السبعة عشر لواءا الموجودة الان في العراق، والتي يبدو انها ستقلل الى 15 لواءا في بداية السنة القادمة. ويقول مسؤولو البنتاغون والجيش ان العدد الهائل من المعتقلين تحت السيطرة الامريكية هومصدر مستمر للتوتر مع العراقيين العاديين، وذلك بعد مضي سنتين على تسليط الضوء على فضيحة سوء معاملة المعتقلين في ابو غريب. ويقول الجنرال غاردنر انه يعي مع بالغ الالم ميراث سجن ابو غريب، لكنه اصر على ان الظروف في المعتقلات التي تديرها القوات الامريكية قد تسحنت بشكل معتبر. ويقول: "لقد كان سجن ابو غريب جريمة وقد اصابتني بالصدمة" مضيفا.."لقد قطعنا شوطا طويلا منذ ذلك الوقت".
ان قضية المعتقلين العراقيين قد أدت الى توجيه اسئلة قانونية ودبلوماسية معقدة . فقد الزمت الولايات المتحدة نفسها بالمعاهدات الدولية، ومن ضمنها واحدة تتعلق بالتعذيب، وهي تمنع تسليم المعتقلين الى اي بلد اذا رُجّح تعرضهم الى التعذيب فيه. والعراق ليس موقعا على هذه المعاهدة، ومن الصعب على الولايات المتحدة في هذه المرحلة ان تؤكد عدم تعرض بعض هؤلاء المعتلقين الى التعذيب اذا ما وضعوا تحت سيطرة (السجانين) العراقيون.
ان استمرار توافد المعتقلين قد ادى الى تضخم الاعداد في السجن الرئيس تحت الادارة الامريكية ليصل الى 119% من طاقته التصميمة، كما يقول الجرنال غاردنر. ويقول المتحدث الرسمي للجيش، الملازم جي هننجر ان الجيش يحتجز هذا الاسبوع 14,055 معتقلا في اربعة سجون، بالاضافة الى 535 معتقلا في الالوية والفرق المنتشرة في عموم البلد.
وفي معتقل ابو غريب، والذي شهد اسوأ حالات اساءة معاملة السجناء نهاية عام 2003، يوجد 4,924 معتقلا، اي بما يزيد على 40% من الطاقة الاستيعابية التي حددها الجيش. وفي اكبر مراكز الاعتقال، وهو سجن بوكا في الجنوب، تم تقسيم السجن الى اقسام يضم كل منها 150 شخصا بدلا من 600 او اكثر، لتمكين الحراس من السيطرة بشكل افضل. ويوجد 7,795 سجين في هذا المعتقل. اما كامب كروبر في مطار بغداد فيضم 140 سجينا من بينهم العشرات من الذين اصطلح عليهم (المعتقلين ذوي القيمة العالية). كما تم تحويل حصن سوس، والذي كان في ثمانينات القرن الماضي ثكنة روسية بشمال العراق، الى معتقل في تشرين الاول ويحتوي على 1,196 معتقلا.
ان تزايد اعداد السجناء من المقاتلين الاجانب من 391 في حزيران الى 465 يبين طبيعة التغيير في وضع المسلحين المحتجزين حديثا. وهؤلاء المسلحين قدِموا بشكل رئيس من سوريا ومصر والممكلة العربية السعودية والسودان والاردن، كما يقول آمر السجن. ويقول احد المسوؤلين العسكريين ان مسحا اجري في تشرين الاول على 3,500 معتقل جديد في السجون التي تديرها القوات الامريكية منذ كانون الثاني اظهر ان 87% منهم يعتبرون (خطرين) او (خطرين بشكل مفرط) اتجاه سجانيهم الامريكيين، وهي ضعف النسبة المسجلة في نهاية العام الماضي. ويقوم المسؤولون الامريكيون باعاد تصنيف جميع المعتقلين على انهم اما (قليلي الخطورة) او (متوسطي الخطورة) او (ذوي خطورة عالية). وقد اعتبر بعض السجناء انهم خطرين الى درجة ان هيئتان للمراجعة، تتكون كل منهما من ستة عراقيين وثلاثة مسؤولين لقوات التحالف، قد امرت بالافراج عن 35 الى 40% فقط من الحالات، كما يقول الجنرال غاردنر، بما يمثل تراجعا عن نسبة 60% التي سجلت في العام الماضي، مضيفا ان كل هيئة تقوم بمراجعة 400 قضية اسبوعيا.
يقول المقدم غاي روديسيل وهو محتدث آخر بلسان الجيش انه وفقا لقانون دخل الى حيز التنفيذ في حزيران 2004، فان الولايات المتحدة يجب ان تفرج عن النزلاء الذين امضوا فترة 18 شهرا في الحجز ما لم يوافق رئيس الوزراء العراقي والجنرال كايسي على استمرار اعتقالهم ولفترة محدد. ويضيف في رسالة الكترونية ان 130 معتقلا سيواجهون جلسة استماع ضمن هذه العملية في كانون الثاني وعدد مماثل في شباط.
ان تحويل مراكز الاعتقال الخاضعة للادارة الامريكية يتطلب تدريب العراقيين وتجهيزهم بالمعدات لتمكينهم من ادارة هذه السجون. وفي رسالة الكترونية اخرى يقول المقدم باري جونسن، مدير مركز الاعلام الصحفي لقوات التحالف في بغداد، ان الخطة الانتقالية تتكون من اربعة خطوات اساسية. الاولى هي تعليمات عن اساسيات العمل كحارس سجن، ويدرس في هذه الدورة اساتذة زائرين من وزارة العدل الامريكية. وقد اكمل 300 حارس من الذين تم اختيارهم للعمل جنبا الى جنب مع سجانين امريكان في مراكز الاعتقال تدار من قبل القوات الامريكية، كما يقول المقدم جونسون. وهناك حاليا 450 حارس ضمن هذه الدورة، بينما يتوقع ان تضم الدورة التالية ما يقارب 150 حارس عراقي.
الخطوة الثانية تشمل الحراس العراقيين الذين يعملون حقيقة برفقة الحراس الامريكيين في مراكز الاعتقال تحت السيطرة الامريكية. ويفيد المقدم جونسن ان الحراس الـ300 الذين اكملوا الدورة المذكورة في تشرين الثاني يعملون الان في مركز حصن سوس مع الحراس الامريكيين. وسيتم استقبال 150 حارس عراقي في معسكر بوكا خلال هذا الشهر، بينما يستقبل حصن سوس 150 حارس عراقي اخر قبل بداية السنة الجديدة، مما يرفع العدد الكلي الى 450. وفي بداية العام المقبل سيستقبل معسكر بوكا 300 حارس عراقي اضافي، رافعا العدد الاجمالي الى 450 ايضا، كما يقول المقدم جونسن. ويضيف ان الخطوة الثالثة تتضمن اناطة المسؤولية بالحراس العراقيين لادارة المعتقلات التي تشرف عليها القوات الامريكية، قائلا: "ان ذلك يتيح لنا بالعمل المستمر معهم للتأكد من ان كل معايير المعاملة الانسانية ونوعية العناية تتم مراعاتها"، مضيفا.. "ان هذه العملية تعكس ما نقوم به من نقل المسؤولية الامنية في عموم البلاد".
وفي المرحلة الاخيرة، فانه " سوف يتم تخفيض الاشراف الى ان يصبح العراقيون على اتم الاستعداد لتولي كامل المسؤولية"، على حد قوله. ولم يتم اعداد جدول زمني لعملية التحويل النهائية، فهو يقول: "ان عملية الانتقال تتم استنادا الى كيفية تطبيق المعايير القياسية، وليس وفقا لجدول زمني".

Tuesday, December 06, 2005

امريكيون يدققون في مقاولات الحلة

بقلم: روان سكاربورو
ترجمة: علاء خالد غزالة
عن: الواشنطن بوست
لم يمض وقت طويل منذ ان استقر حديثا فريق من المراقبين الماليين الامريكيين في بغداد، حتى استشعروا وجود فساد في الحلة. فعلى مدى اسابيع قليلة من ربيع عام 2004 في العراق، حاول الفريق تتبع عدة مليارات من الدولارات اعطيت نقدا من قبل سلطة التحالف المؤقتة المنحلة. وقد اطلعوا على وثائق عديدة تبين انفاق اموال طائلة من قبل مقر فريق اعادة الاعمار في الحلة، وهي مدينة تقع الى الجنوب من بغداد، ولكنهم وجدوا بضع قصاصات من الورق تظهر ما تم شراؤه.
وقد توجهت قوة استجابة سريعة الى الحلة وشاهدت ما يكفي لإقناع رئيسها، المفتش العام ستيوارت دبليو بوين جي آر، لكي يأمر باجراء تحقيق معمق. وعلى سبيل المثال فقد اعاد احد وكلاء الدفع اوراقاً نقدية من فئة مائة دولار تزيد عن تلك التي تسلمها فعلا. وكان هذا مجرد دليل واحد يثبت ان سيل الاوراق الخضر (الدولارات) المخصصة لتطوير العراق كانت تحظى بقدر قليل من الاشراف.
وقد تـُرجم هذا الانحراف المبكر في الحلة من خلال اول توجيه للتهم الجنائية تقوم به وزارة العدل في تحقيقاتها بمقاولات اعادة الاعمار. وقد اصبحت هذه القضية باكورة الغنائم التي حصل عليها السيد بوين في تصيده لقضايا التزوير في تسليم أكثر من 60 مليار دولار لإعادة الاعمار، يعود اكثر من نصفها الى العراقيين انفسهم.
وكانت تهم بالتآمر للتزوير وغسيل الاموال قد وجّهت لروبرت جي ستاين جي آر، وهو من مدينة فايتيفيل بولاية نورث كارولينا وفيليب اتش بلوم من مدينة نيوجيرسي. والسيد ستاين هو الرقيب المالي لسلطة التحالف المؤقتة في منطقة الحلة، والمسؤول عن احالة المقاولات النقدية التي تصل قيمتها الى 500 الف دولار، والتي تهدف الى تحريك الاقتصاد المحلي من جديد. والسيد بلوم هو رئيس مجموعة الاعمال العالمية في رومانيا وعدد من مؤسسات خدمات الانشاءات. وتقول وزارة العدل ان السيد بلوم قد دفع للسيد ستاين اكثر من 600 الف دولار رشاوى مقابل مقاولات تزيد على 13 مليون دولار.
والسيد بوين هو المحقق العام المختص بقضايا اعادة اعمار العراق، وهو منصب فرضه الكونغرس على ادارة الرئيس بوش لمراقبة انفاق 24 مليار دولار من اموال دافعي الضرائب المخصصة لإعادة البناء. ولكن ابتدأ اولا بمصدر اخر للاموال، وهو مبلغ 37 مليار دولار من اموال الشعب العراقي، ومعظمه من عائدات النفط الذي تشرف عليه الامم المتحدة.
وكانت الامم المتحدة قد افرجت عن هذه الاموال الى سلطة التحالف المؤقت عام 2003. بعد ذلك بدأت شحنات كبيرة من الاوراق المالية فئة 100 دولار بالوصول الى العراق بواسطة طائرات الشحن سي 17. لقد حطت اموال التنمية المخصصة للعراق. وقد اكتشف فريق السيد بلوم ان هناك شروطا قليلة جدا ارفقت بتلك الاوراق النقدية الغضة. ويقوم المفتش العام بالتحقيق في 50 جريمة تزوير محتملة، ولكن فريقه يرى اهمية خاصة للمعتقلين عن قضية الحلة. وقال السيد جيم ميتشيل، المتحدث بلسان السيد بوين: "لقد بعثت رسالة مفادها اننا سنتعقب الاشخاص الذين فعلوا ذلك، هؤلاء الذين اقترفوا الجرائم"، مضيفا "لا يهم اذا كانوا امريكيين او عراقيين، سنقوم بتعقبهم"
ولدى السيد بوين (كادر) صغير نسبيا يتكون من 145 موظفا لتعقب عشرات المليارات من الدولارات. ولكنه تلقى الدعم فعلا من المفتشين العامين الاخرين. ويقوم الجيش بتوفير صور الاقمار الصناعية لمواقع الانشاءات. ويقول موظفو المكتب انه من الخطر التجول في انحاء العراق، فاذا كانت الصور الفضائية تفي بالغرض، فلماذا المخاطرة بالسفر؟
كما ان هناك شريكاً حكومياً يسمى (سبت فاير) اي نافث اللهب، يستطيع تعقب الاموال والاشخاص، ويضم مكتب السيد بوين، ودائرة الهجرة والكمارك، ومكتب خدمة الموارد الداخلية. واحد برامج سبت فاير تعقب الاشخاص موضع الاهتمام والذين يخططون لزيارة الولايات المتحدة، وكانت هي التي ساعدت في اكتشاف ان السيد بلوم، البالغ من العمر 65 عاما، قد خطط للعودة الى الولايات المتحدة. والقت السلطات القبض عليه في 13 تشرين الثاني لدى وصوله الى مطار نيوارك لبرتي الدولي في نيو جيرسي، ولم يكن يدرك ان فريق السيد بوين قد ازاح النقاب عن تزويره في العطاءات. وقال السيد ميتشيل: "لقد سافر كثيرا، كنا نتوقعه"
وقال مكتب التحقيقات الفدرالي ان السيد بلوم قد دفع اموالا الى السيد ستاين من حسابات مصرفية في العراق وسويسرا ورومانيا وهولندا لاقتناص مقاولات اعادة تجديد مكتبة كربلاء وبناء اكاديمية الشرطة في الحلة ومركز الديمقراطية الاقليمي للعشائر. وكانت للسيد ستاين الصلاحيات للمصادقة على احالة المقاولات التي تقل قيمتها عن 500 الف دولار، وقد فازت شركات السيد بلوم باعمال مفردة تصل قيمتها الى 498,900 الف دولار.

Thursday, December 01, 2005

الجيش الامريكي يدفع سرا اموالا لنشر مقالات في الصحف العراقية

* القوات تكتب مقالات تقدم على اساس انها تقارير اخبارية، وبعض الضباط يعترضون على التجربة.
بقلم: مارك مازتي وبورزو داراغاهي، محررين دائمين في الصحيفة
ترجمة: علاء خالد غزالة
عن: لوس انجلس تايمز
واشنطن – كجزء من الحملة الاعلامية الكريهة في العراق، يقوم الجيش الامريكي سرا بدفع مبالغ لنشر مقالات صحفية كتبت بقلم عسكريين امريكيين، وذلك في جهدوده لتلميع صورة بعثـة الولايات المتحدة في العراق. هذه المقالات كتبت بواسطة عسكريين امريكيين مختصين بالعمليات المعلوماتية، وتم ترجمتها الى اللغة العربية ونشرت بصحف بغداد بمعونة مقاول متعاقد مع وزراة الدفاع، وذلك استنادا الى ضباط في الجيش الامريكي ووثائق حصلت عليها لوس انجلس تايمز.
ان كثيرا من هذه المقالات قد قدمت الى الصحافة العراقية على اساس انها نشرات اخبارية غير منحازة، كتبت ووثقت من قبل صحفيين مستقلين. وهذه المقالات هي بمثابة بوق لاعمال الجيش الامريكي والجيش العراقي وتعمل على شجب المتمردين، وتستجدي التأييد للجهود التي تقودها الولايات المتحدة في اعادة بناء العراق.
وعلى الرغم من ان المقالات هي اساسا واقعية، الا ان المسؤولين يقولون انها تقدم جانبا واحدا فقط من الاحداث، وتسقط المعلومات التي يمكن ان تنعكس بشكل سيء على الولايات المتحدة او الحكومة العراقية. وتشير التسجيلات والمقابلات الى ان الولايات المتحدة قد دفعت لصحف عراقية لنشر عشرات من هذه المقالات، والتي تحمل عناوين مثل "العراقيون يصرون على العيش رغم الارهاب"، منذ ان بدأت تلك الجهود هذه السنة.
وقد صممت العملية لحجب اية علاقة مع الجيش الامريكي. ولدى البناغون عقد مع مؤسسة صغيرة تتخذ من واشنطن مقرا لها وتدعى مجموعة لنكولن، وهي تقوم بترجمة ونشر القصص الخبرية. ويقوم موظفو مجموعة لنكولن العراقيين، او المقاولين الثانويين المتعاقدين معها، بالادعاء انهم صحفيين مستقلين او مسؤولي اعلانات عندما يسلمون القصص الخبرية الى وسائل الاعلام البغدادية.
وتأتي جهود الجيش الامريكي لنشر بروباغاندا دعائية في وسائل الاعلام العراقية بالرغم من التزام المسؤولين الامريكين بنشر مباديء الديمقراطية والشفافية السياسية وحرية التعبير عن الرأي في هذا البلد الذي خرج توا من عقود من الديكتاتورية والفساد.
جاء ذلك بينما تقوم وزارة الخارجية بتدريب صحفيين عراقيين في المهارات الاساسية للصحافة والقواعد الاخلاقية في الصحافة الغربية، والتي تضمنت ورشة عمل بعنوان "دور الاعلام في مجتمع ديمقراطي". ان المقاييس لدى الصحافة العراقية هي على درجة كبيرة من التغاير، حيث ان كثيرا منها لا يمتلك الا ميزانية محدودة جدا.
وفي تأكيده على تطوير الصحافة لتحتذي بالصحافة الغربية، استشهد وزير الدفاع دونالد رامسفليد يوم 24 تشرين الثاني بتزايد المنظمات المعنية بالاخبار في العراق على انه احد اعظم النجاحات منذ الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين. وقال رامسفيلد ان المئات من الصحف ومحطات التلفزة و(وسائل الاعلام الحرة) الاخرى توفر (صمام ترويح) للشعب العراقي للمناظرة حول القضايا التي تهم ديمقراطيتهم الناشئة.
وقد احدثت هذه الحملة الدعائية التي يقوم بها الجيش هزة عنيفة لدى كبار الضباط العسكريين في العراق وفي البنتاغون، والذين يجادلون بان محاولات التأثير على الاعلام من شأنها ان تدمر مصداقية الجيش الامريكي لدى الامم الاخرى ولدى الشعب الامريكي. ويقول احد كبار المسؤولين في البنتاغون، وهو معارض لتسريب المقالات الى وسائل الاعلام العراقية: "نحن نحاول ان نرسي قواعد الديمقراطية في العراق. ان كل خطاب نلقية في ذلك البلد يدور حول الديمقراطية. ومع ذلك، نحن نكسر جميع القواعد الاساسية للديمقراطية عندما نقوم بها". وتعد الترتيبات مع مجموعة لنكولن دليلا على المدى الذي ذهب اليه البنتاغون لتمييع الحدود التقليدية بين مكتب العلاقات العامة في الجيش –توزيع معلومات حقيقية الى الصحافة- وبين العمليات النفسية والمعلوماتية، والتي تستخدم الدعاية الموجهة (البروباغاندا) وحتى المعلومات المضللة احيانا، لفائدة اهداف الحملة العسكرية.
وقد اضحت ادارة بوش هدفا للنقد لقيامها بتوزيع افلام فيديو وقصص خبرية في الولايات المتحدة بدون التعريف بمصدرها، وهو الحكومة الفيدرالية، ولقيامها بالدفع لصحفيين امريكيين مقابل الترويج لسياسات الادارة، وهي الممارسات التي دفعت مكتب المسائلة الحكومية الى تسميتها بـ"البروباغاندا السرية". ويقول المسؤولون العسكريون المطلعون على الجهود في العراق ان الكثير منها قد تم توجيهها بواسطة (قوات مهام علميات المعلومات) في بغداد، وهي جزء من مقر الفيلق متعدد الجنسيات الذي يقوده اللفتنانت جنرال جون آر فينس. وقد تحدث المسؤولون عن استخدام الاسماء المستعارة بسبب كونهم في وضع حرج تجاه المساعي الامريكية، كما انهم لم يكونوا مرخصين للتحدث علنا عنها. هذا وقد رفض المتحدث بلسان فينس التعليق على هذه الاخبار، كما امتنع الناطق الرسمي لمجموعة لنكولن عن التعليق ايضا.
وقال احد المسؤولين العسكريين انه ضمن حملة عمليات سايكولوجية (نفسية) نفذت بكثافة خلال العام الماضي، فقد قامت قوة المهام بشراء صحيفة عراقية واستولت على محطة اذاعية. وتم استخدامهما لتوجيه رسائل مناصرة لامريكا الى الشعب العراقي. ولكن ايا منهما لم تـُعرف على انها ناطقة بلسان الجيش. ولن يكشف المسؤولون عن ماهية الصحيفة او المحطة الاذاعية اللتين تخضعان للسيطرة الامريكية، قائلين ان اعلان اسميهما سوف يعرض موظفيهما الى خطر الهجمات من قبل المتمردين. ويحرّم قانون الولايات اللمتحدة الامريكية على الجيش توجيه اية حملة عمليات نفسية او تأسيس بروباغاندا دعائية باستعمال منافذ اعلامية امريكية. ولكن بعض المسؤولين يقولون انه، اذا ما أخذ بالاعتبار عولمة الصحافة المسوّقة عبر شبكة المعلومات العالمية (الانترنت)، وبث الاخبار على مدار الساعة، فان جهود البنتاغون قد نفذت مع علمه ان التغطية في الصحافة الاجنبية سوف تتسرب بشكل محتوم الى الصحافة الغربية، وتؤثر على التغطية في المنافذ الاعلامية للولايات المتحدة.
ويقول احد المتعاقدين الخصوصيين والذي نفذ عمليات معلوماتية لصالح البنتاغون: لم تعد هناك اية وسيلة لفصل الصحافة الاجنبية عن الصحافة المحلية. هذه الخطوط المنمقة لم تعد موجودة بحال". اما دانيال كوهل، وهو خبير بعمليات المعلومات جامعة الدفاع الوطنية في اف تي ماكنير بواشنطن، فيقول انه لا يعتقد انه من الخطأ وضع القصص في الصحافة العراقية. ولكنه تسائل فيما اذا كانت هذه الممارسة سوف تقلب موقف العراقيين ضد التمرد. ويستطر قائلا: "لا اعتقد ان هناك امرا شريرا او خطأ اخلاقيا بهذا التصرف، انا فقط اتسائل فيما اذا كانت فعالة".