عن: كريستيان ساينس مونيتر
ترجمة: علاء غزالة
تشبثت رائدة علي بالامل ان الوضع سوف يتحسن في بغداد. لكن حينما تعرضت عائلتها الى التهديد، قرروا انه قد حان الوقت للمغادرة، رائدة تنتمي الى الطائفة الشيعية لكن زوجها، محمد، هو من اهل السنة، وهو ما كان ذات مرة وضعا شائكا بالنسبة للعوائل التي تسكن منطقة الدورة، ذلك الحي السكني المختلط في بغداد والذي تحول الى الخط الأمامي في ارض المعركة، حتى بات الاختطاف والقتل والتفجير الانتحاري والغارات المستمرة التي يقوم بها الجيش الأميركي مستهدفا المتمردين، بات كل ذلك هو الوضع الطبيعي. تستذكر ذلك رائدة، بينما كان اطفالها مسمرين الى جهاز التلفاز لمشاهدة أفلام الكارتون: «تلقينا رسالة تهديد، مرروها من اسفل الباب".
تقول: (غادروا العراق او سوف تقتلون جميعا، حتى أطفالكم)»، وقد تلقت اخت زوجها رسالة مماثلة لكنها لم تعرها أهمية، ومن ثم اختطف زوجها ولم يسمع عنه شيئا بعد ذلك أبداً.
وهكذا جاءت السيدة رائدة علي وزوجها محمد وأطفالهما الأربعة الى الأردن قبل اكثر من سنة، بعد ان احتملوا اعمال العنف المستمرة منذ ان أسقطت الولايات المتحدة النظام العراقي قبل ست سنوات.
وبعد ان غادرت العائلة، ادت زيادة القوات الأميركية وتكثيف الجهود لمقارعة التمرد إلى انخفاض كبير في اعمال العنف، ومن ثم تقلصت القصص الإخبارية على الصفحات الأولى التي تغطي التأثيرات الجانبية للحرب في العراق. لكن هنا في الأردن، التي يقطنها اكثر من نصف مليون لاجئ عراقي، ولم يعد منهم الى العراق غير 300 شخص فقط، فان العراقيين مازالوا يتقاطرون عبر الحدود.
يقول رفيق تسجانن، مدير مكتب عمان لمنظمة الهجرة العالمية: «هناك اتجاه مثير للاهتمام انه مايزال هناك قادمون جدد من العراق. وعلى النقيض من المهاجرين السابقين، فان القادمين الجدد يذهبون الى القرى بدلا من عمان، التي ترتفع فيها كلفة المعيشة. ليس لدى هؤلاء اللاجئين سوى مال قليل ولذلك يبحثون عن ارخص القرى للعيش فيها».
وبينما عَلِق الزوجان في عمان فانهما يعيشان، بشكل غير قانوني، في حي سكني هادئ وفقير في العاصمة يدعى (المحطة)، وهما بالكاد يستطيعان ان يوفرا بدل الإيجار الشهري البالغ 150 دولارا بسبب انهما غير مرخصين للعمل. فالزوج، محمد، ينام في النهار ويعمل في الليل بأي عمل يمكن ان يجده مهما كان منخفض الأجر، لكن اثنين من أطفالهما الأربعة، وهما قصي البالغ 10 سنوات من العمر ولطيفة التي تصغره بعام واحد، يذهبان الى المدرسة. ليست هناك انفجارات، ولا اختفاءات، ولا رسائل تهديد من عقب الباب.
الأردن: المحطة الأولى للاجئين
تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ان حوالي 4,7 مليون عراقي قد تركوا بيوتهم منذ بدء الحرب، ما يشكل زيادة كبيرة عن الرقم المسجل قبل عامين والبالغ 3,8 مليون، والعراقيون هم اكثر طالبي اللجوء السياسي في أوروبا، وفي انتظار تحقيق أحلامهم، سواء في بناء حياة جديدة في الغرب او الانتظار حتى تزول الغمة عن العراق ويعود صالحا للعيش من جديد، فان العراقيين عموما يمرون في الأردن بادئ الامر.
يقول مسؤولو الهجرة انه من شبه المستحيل تقدير عدد العراقيين الذين يعيشون الان في الأردن، لان الغالبية الساحقة منهم غير مسجلين، وقد أعطت مجموعة نرويجية تسمى (فافو) تقديرا للعراقيين الذين يعيشون في الاردن يبلغ نصف مليون لاجئ، وذلك في دراستها التي نشرت مؤخرا. لكن آخرون يقولون ان الرقم قد انخفض بسبب قبول طلبات إعادة التوطين في بلدان اخرى.
تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ان اكثر من 54.000 عراقي قد تم تسجيلهم على انهم لاجئون في الأردن، بالمقارنة مع 221.000 في سوريا، البلد المجاور.
يحاول بعض العراقيين الذين يقيمون هنا ان يبقوا بعيدا عن نظر السلطات الأردنية عن عمد خوفا من ترحيلهم. كما ان هناك أشخاصاً مثل رائدة ومحمد اللذين غادرا على عجل بدون الحصول على جواز سفر، ثم الفيا نفسيهما غير قادرين على اثبات هويتهما من اجل الحصول على وضع لاجئ، وهناك آخرون يسعون الى الحصول على تأشيرة السفر الى أوروبا او الولايات المتحدة. لكن السيد تسجانن يقول ان بعضا ممن حصل عليها بالفعل هم بصدد العودة الان لاستحالة الحصول على عمل في خضم الانهيار الاقتصادي العالمي.
لقد كانت الأردن مضيافة، برغم صعوبة الحصول على ترخيص الإقامة بالنسبة للعراقيين، كما انها لم تمنح سوى عدد قليل منهم إقامة دائمة في أراضيها، وقد سمحت السلطات الأردنية، للعام الثاني، للأطفال العراقيين ان يسجلوا في المدارس الأردنية، كما انها أسقطت الغرامات المالية التي تفرضها الحكومة على هؤلاء الذين يتجاوزون مدة الإقامة التي حصلوا عليها في الأردن.
غير ان المسؤولين الأردنيين يقولون ان هذه الضيافة المؤقتة قد سببت ضغطا على الموارد المحدودة للبلاد.
يقول نبيل الشريف، وزير الدولة لشؤون الإعلام: «لقد اتخذت الأردن قرارا بتمديد إسقاط غرامات تجاوز الإقامة عن العراقيين، وهذا ما سيكلف الموازنة الأردنية مبلغ 270 مليون دولار هذا العام».
ويضيف: «لقد اتخذ الملك إجراءات غير اعتيادية لتسهيل إقامة العراقيين، وقد وضعت هذه الإجراءات بطبيعة الحال المزيد من الضغط على الجهات الخدمية في الأردن. يتضح هذا لنا اذا آخذنا بنظر الاعتبار ان هناك نحو نصف مليون لاجئ عراقي يعيشون في الأردن، حيث يبعثون أطفالهم الى المدارس الأردنية، ويذهبون الى العيادات الطبية، وما شابه ذلك. يشكل هذا الرقم نحو عشر تعداد السكان في الأردن، وهو ما يكلف نحو مليار دينار أردني (1,4 مليار دولار) سنويا، هناك دعم من المجتمع الدولي، غير انه غير كاف».
وقد أعلنت إدارة اوباما في الشهر الماضي عن تقديم المزيد من الاموال الى المهجرين العراقيين في العراق والأردن وسوريا، وهو ما يجعل قيمة مساهمة الولايات المتحدة هذا العام 150 مليون دولار، بينما كانت تلك المساهمة 400 مليون دولار في عام 2008، حسب ما افاد موقع بروبابليكا دوت اورغ.
يقول السيد الشريف: «تلتزم الحكومة الأردنية بتوفير العيش الملائم للعراقيين في الأردن، وقد اتخذت خطوات هائلة للتأكد من انهم قادرون على الحصول على الخدمات الحكومية، مثل المدارس العامة والعيادات الصحية، لكن الحل الامثل للعراقيين يتمثل في العودة الطوعية الى العراق.»
يقول السيد تسجانن ان بعض اللاجئين ربما اتخذوا هذه الخطوة بالفعل، لكن عددهم اقل مما يشاع.
ويضيف: «العدد الحقيقي للأشخاص الذين نعرفهم ونعلم انهم عادوا الى العراق هو 300 شخص من الأردن وعدد يتراوح بين 500 الى 600 شخص من سوريا. لكن لا احد يملك الأرقام المضبوطة عن الموجودين هنا حقيقة».
لم يعد لدينا من امل في العراق
السيد اراز همبرسوم اوديك هو احد اللاجئين العراقيين، وهو حديث العهد في الأردن نسبيا، فقد غادر بغداد قبل عامين، وهو وزوجته مسيحيان ارمنيان تعرضت طائفتهما الى المذابح الجماعية، وقد تمت مهاجمة كنيستهما في مناسبات عديدة، وهو غير قادر على احصاء كم من افراد العائلة والأصدقاء قد قتلوا او تعرضوا الى الاختطاف، ويقول انه قد تعرض الى التهديد واجبر على المغادرة.
يقول السيد اوديك، ويعمل كهربائيا: «من الصعب جدا الحصول على لقمة العيش هنا لاننا غير مرخصين بالعمل»، وقد وجد عملا في منطقة بعمان يقطنها عراقيون مسيحيون، وقد بدأ سكانها بالنضوب مع حصول الكثير منهم على تأشيرة السفر الى الولايات المتحدة.
يقول اوديك انه يتوقع الذهاب الى لوس أنجلس، حيث تسكن عائلة زوجته، في الاشهر القليلة القادمة. وقد حصلوا بالفعل على الموافقة بالهجرة الى الولايات المتحدة.
يقول اوديك: «لم يعد لنا من أمل في العراق، ولا احد يفكر بالعودة»، في الاقل لا احد يعرفه هو شخصياً، ويضيف: «اعلم انني لن أعود الى هناك ابدا».
Tuesday, April 14, 2009
Sunday, April 12, 2009
الولايات المتحدة تفقد مواطئ أقدامها في المدن
عن: كريستيان ساينس مونيتر
ترجمة: علاء غزالة
قد لا تكون البناية الصناعية المضجرة على سعتها في وسط تلك المدينة الواقعة في وسط العراق هي المقر الفخم لزهاء مئة من الجنود الاميركيين المقيمين هنا. لكن حينما تم اغلاقها في شهر شباط الماضي، كانت كلمات الوداع التي قالها تيري براون، الكابتن في الجيش الاميركي، تحمل المرارة في ثناياها.
فقد قال، متحدثا من تلك الحامية، التي افتتحت في حزيران من عام 2007:
«يمكنك ان تشارك المعاناة اليومية للسكان طالما كنت تعيش بينهم. لكن اغلاق الحامية ليس امرا سيئا بالضرورة. ذلك سوف يمكننا من التنحي جانبا ومراقبة القوات الامنية العراقية.»
تقوم القوات الاميركية باغلاق الحاميات، التي يتوزع اغلبها في المناطق الاكثر اضطرابا في العراق، كجزء من عملية سحب القوات الى القواعد الرئيسة تمهيدا للانسحاب الكامل في عام 2011. وقد اغلقت القوات الاميركية اواعادت، منذ اوائل شهر شباط 11 حامية ومركزا امنيا مشتركا وقاعدة صغيرة كانت تستضيف كلا من القوات العراقية والاميركية. وقد سلم الجيش الاميركي يوم الثلاثاء واحدة من اكبر قواعد العمليات الامامية، وهي قاعدة الرستمية، التي تبلغ مساحتها 15,000 متر مربع وتقع جنوب شرقي بغداد.
وبينما يأسف العديد من قادة الجيش الاميركي لخسارة مواطىء القدم قرب التجمعات السكنية في العراق، والتي مكنتهم من تقديم بعض الخدمات للاهالي، فان الجنود الاميركيين يرون هذا التحول –عموما– على انه تحرك ايجابي من شأنه ان يسهل تسليم المسؤولية الى الجيش العراقي عن طريق تقليل تواجد القوات الامريكية واجبار السكان المحليين على الاعتماد اكثر على قواتهم الامنية. ومع هذا، يستمر العنف في الموصل واجزاء اخرى من العراق، حتى ان هناك قلقا حول كيفية تعاطي المناطق المضطربة مع التواجد المحدود للقوات الاميركية.
يقول توبي دودج، الخبير في الشؤون العراقية لدى المعهد العالمي للدراسات الستراتيجية في لندن: «ترى هل هناك الآن فسحة للمقاتلين تمكنهم من لم شملهم والتحرك مجددا؟ فالموصل لم تفد من زيادة القوات الاميركية ومازالت في حالة غليان.»
30 حزيران: الموعد النهائي للانسحاب من المدن
وجاء اغلاق الحاميات كجزء من الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة والتي تم توقيعها اواخر عام 2008، والتي تقضي بانسحاب جميع القوات القتالية الاميركية من المدن الكبرى بحلول 30 حزيران. على كل حال، اشار المسؤولون الاميركيون والعراقيون انه مع استمرار العنف في الموصل وديالى فان بعض القوات الاميركية ربما ستبقى في المدن فيما بعد الموعد النهائي.
وقد اظهر الجيش الاميركي في وقت سابق من هذا الشهر اولى الاشارات على تخفيض عديد القوات حينما اعلن عن خطط لترحيل لواءين قتاليين، أي نحو 12,000 جندي، من العراق خلال الاشهر الست القادمة. هذا الترحيل سوف يترك قرابة 128,000 عسكري اميركي في العراق. يضاف الى ذلك مغادرة الالوية القتالية البريطانية للعراق في غضون الاشهر القادمة، والتي يبلغ عديدها 4,000 جندي.
ومن المقرر ان يُخفض تعداد القوات الاميركية الى ما بين 35,000 الى 50,000 عسكري للمساعدة في تدريب القوات العراقية، قبل الانسحاب الكامل في كانون الاول من عام 2011.
خطة بترايوس للتدخل السريع
ربما تكون ازالة الحاميات الصغيرة الموزعة بين المدن الكبرى في العراق هي اكبر تغير ملموس في الوقت الذي تتوغل القوات الاميركية اكثر فاكثر الى الخطوط الجانبية. وقد كانت هذه الحاميات حجر الزاوية في خطة الجنرال ديفيد بترايوس لجلب الاستقرار الى العراق عن طريق تحريك القوات الى الاحياء السكنية والاشراف على امنها مباشرة، حيث يمكن للقوات ان تستجيب بسرعة، انطلاقا من هذه الحاميات، الى الحالات الطارئة، كما يمكنها ان تتواصل اكثر من السكان المحليين.
يقول ساجان غوهيل، مدير منظمة الامن الدولي في مؤسسة آسيا-المحيط الهادىء، وهي مؤسسة مستقلة للاستخبارات والامن في لندن: «لعبت سياسة زيادة القوات دورا مهما، وتشعر الولايات المتحدة الآن بثقة اكبر ويمكنهم تحويل المسؤولية الى القوات العراقية.»
على كل حال، بينما ينخفض القتال في معظم اجزاء العراق، حيث بلغ عدد الضحايا بين القوات الاميركية خمس عددها في نفس الوقت من العام الماضي، ومغادرة الالوية التي جاءت ضمن عملية زيادة القوات، فان هذه الحاميات قد اضحت عبءا بالنسبة الى القادة. اذ بدلا من استخدام القوات للقيام بدوريات، فان قواتهم القتالية يجب ان تستخدم لتوفير الامن الى القواعد الصغيرة.
يقول الكولونيل في الجيش الاميركي بيرت ثومبسون، وهو قائد لواء سترايكر الاول التابع الى فرقة المشاة
الخامسة والعشرين في ديالى: «لقد اختلف الوضع عمّا كان عليه عندما كان الجنرال بترايوس هنا. الحاميات هي الحاضرة، وليس الناس. اريد ان اجعل الناس هم الحاضرين.»
القوات العراقية تقترب من عدد 600,000 عنصر
عندما تغادر القطعات الاميركية بعيدا عن الحاميات نحو القواعد المركزية فسيكون عليها ان تقطع مسافات اطول حينما يتطلب منها الوصول الى المدن والبلدات، لكن سيتاح للمزيد من الجنود الاميركيين العمل مع نظرائهم العراقيين، وهو محور تركيز القوات الاميركية في الوقت الراهن.
سوف تتولى القوات العراقية المسؤولية عن بعض الحاميات، بينما ستتم اعادة البعض الآخر الى وضعها المدني السابق.
وقد تطورت سمعة القوات الامنية العراقية بشكل كبير على مدى سني الحرب، لكن يبقى عليهم ان يفوزوا بالثقة الكاملة من الناس المحليين. وحتى العراقيين الواثقين في جيشهم، الذي بات يربو على 600,000 رجل قوي، فهم لايزالون يفضلون ان يأتوا الى القوات الاميركية عندما تعترضهم المشاكل، بسبب النظرة السائدة من ان الاميركيين لديهم موارد اكبر.
يقول السرجنت جيمس كلارك، الذي انهى للتو واجبه في حامية ببعقوبة: «ان اكبر شيء تحصل عليه، من خلال اخلاء الحاميات، ان الناس سيتوجب عليهم ان يعتمدوا اكثر على القوات الامنية العراقية وستكون لديهم فرص افضل في الظفر بثقة الناس.»
مخاوف من عودة المليشيات
غير أن هناك مخاوف في الشمال من ان يوفر انسحاب القوات الاميركية من مدن مثل الموصل، وهي آخر المعاقل الكبرى للمليشيات في العراق، الفرصة للمتمردين ليعودوا الى الساحة من جديد.
مثل هذه الهواجس خلقت حالة من الضبابية بالنسبة الى حاميات مثل المركز الاعلامي في ديالى الواقع على بعد 10 اميال جنوب شرقي بعقوبة. فهذه الحامية الكائنة في واحدة من اكثر المحافظات اضطرابا بنيت حول محطة تلفزة واذاعة صغيرتين، وتضم برجا للارسال. وتقع في منطقة ريفية من المحافظة، ما يعني انه لا يجب اغلاقها استنادا الى الاتفاقية الامنية.
يقول الكابتن في الجيش الاميركي جيمس لابوينتي انها تبعد مسافة اربعين دقيقة بالسيارة عن اقرب قاعدة عسكرية اميركية «وتسمح لنا بارسال قوة صغيرة خارج المدينة، ما يمكنها من الاستجابة بشكل اسرع، وهي مكان آخر يأتي اليه الناس ليقدموا لنا المعلومات.»
بينما يبقى مستقبل القواعد الصغيرة مثل المركز الاعلامي في ديالى غير واضح، وصعوبة التنبؤ بما تؤول اليه الامور في مناطق مثل ديالى والموصل، فان المرجح ان تخضع القوات العراقية الى اختبار عسير خلال الأشهر القادمة.
يقول السيد غوهيل: «هذا الاختبار الحاسم يتمثل بالكيفية التي ستتعامل بها الحكومة العراقية مع استمرار تقليص القوات الاميركية
ترجمة: علاء غزالة
قد لا تكون البناية الصناعية المضجرة على سعتها في وسط تلك المدينة الواقعة في وسط العراق هي المقر الفخم لزهاء مئة من الجنود الاميركيين المقيمين هنا. لكن حينما تم اغلاقها في شهر شباط الماضي، كانت كلمات الوداع التي قالها تيري براون، الكابتن في الجيش الاميركي، تحمل المرارة في ثناياها.
فقد قال، متحدثا من تلك الحامية، التي افتتحت في حزيران من عام 2007:
«يمكنك ان تشارك المعاناة اليومية للسكان طالما كنت تعيش بينهم. لكن اغلاق الحامية ليس امرا سيئا بالضرورة. ذلك سوف يمكننا من التنحي جانبا ومراقبة القوات الامنية العراقية.»
تقوم القوات الاميركية باغلاق الحاميات، التي يتوزع اغلبها في المناطق الاكثر اضطرابا في العراق، كجزء من عملية سحب القوات الى القواعد الرئيسة تمهيدا للانسحاب الكامل في عام 2011. وقد اغلقت القوات الاميركية اواعادت، منذ اوائل شهر شباط 11 حامية ومركزا امنيا مشتركا وقاعدة صغيرة كانت تستضيف كلا من القوات العراقية والاميركية. وقد سلم الجيش الاميركي يوم الثلاثاء واحدة من اكبر قواعد العمليات الامامية، وهي قاعدة الرستمية، التي تبلغ مساحتها 15,000 متر مربع وتقع جنوب شرقي بغداد.
وبينما يأسف العديد من قادة الجيش الاميركي لخسارة مواطىء القدم قرب التجمعات السكنية في العراق، والتي مكنتهم من تقديم بعض الخدمات للاهالي، فان الجنود الاميركيين يرون هذا التحول –عموما– على انه تحرك ايجابي من شأنه ان يسهل تسليم المسؤولية الى الجيش العراقي عن طريق تقليل تواجد القوات الامريكية واجبار السكان المحليين على الاعتماد اكثر على قواتهم الامنية. ومع هذا، يستمر العنف في الموصل واجزاء اخرى من العراق، حتى ان هناك قلقا حول كيفية تعاطي المناطق المضطربة مع التواجد المحدود للقوات الاميركية.
يقول توبي دودج، الخبير في الشؤون العراقية لدى المعهد العالمي للدراسات الستراتيجية في لندن: «ترى هل هناك الآن فسحة للمقاتلين تمكنهم من لم شملهم والتحرك مجددا؟ فالموصل لم تفد من زيادة القوات الاميركية ومازالت في حالة غليان.»
30 حزيران: الموعد النهائي للانسحاب من المدن
وجاء اغلاق الحاميات كجزء من الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة والتي تم توقيعها اواخر عام 2008، والتي تقضي بانسحاب جميع القوات القتالية الاميركية من المدن الكبرى بحلول 30 حزيران. على كل حال، اشار المسؤولون الاميركيون والعراقيون انه مع استمرار العنف في الموصل وديالى فان بعض القوات الاميركية ربما ستبقى في المدن فيما بعد الموعد النهائي.
وقد اظهر الجيش الاميركي في وقت سابق من هذا الشهر اولى الاشارات على تخفيض عديد القوات حينما اعلن عن خطط لترحيل لواءين قتاليين، أي نحو 12,000 جندي، من العراق خلال الاشهر الست القادمة. هذا الترحيل سوف يترك قرابة 128,000 عسكري اميركي في العراق. يضاف الى ذلك مغادرة الالوية القتالية البريطانية للعراق في غضون الاشهر القادمة، والتي يبلغ عديدها 4,000 جندي.
ومن المقرر ان يُخفض تعداد القوات الاميركية الى ما بين 35,000 الى 50,000 عسكري للمساعدة في تدريب القوات العراقية، قبل الانسحاب الكامل في كانون الاول من عام 2011.
خطة بترايوس للتدخل السريع
ربما تكون ازالة الحاميات الصغيرة الموزعة بين المدن الكبرى في العراق هي اكبر تغير ملموس في الوقت الذي تتوغل القوات الاميركية اكثر فاكثر الى الخطوط الجانبية. وقد كانت هذه الحاميات حجر الزاوية في خطة الجنرال ديفيد بترايوس لجلب الاستقرار الى العراق عن طريق تحريك القوات الى الاحياء السكنية والاشراف على امنها مباشرة، حيث يمكن للقوات ان تستجيب بسرعة، انطلاقا من هذه الحاميات، الى الحالات الطارئة، كما يمكنها ان تتواصل اكثر من السكان المحليين.
يقول ساجان غوهيل، مدير منظمة الامن الدولي في مؤسسة آسيا-المحيط الهادىء، وهي مؤسسة مستقلة للاستخبارات والامن في لندن: «لعبت سياسة زيادة القوات دورا مهما، وتشعر الولايات المتحدة الآن بثقة اكبر ويمكنهم تحويل المسؤولية الى القوات العراقية.»
على كل حال، بينما ينخفض القتال في معظم اجزاء العراق، حيث بلغ عدد الضحايا بين القوات الاميركية خمس عددها في نفس الوقت من العام الماضي، ومغادرة الالوية التي جاءت ضمن عملية زيادة القوات، فان هذه الحاميات قد اضحت عبءا بالنسبة الى القادة. اذ بدلا من استخدام القوات للقيام بدوريات، فان قواتهم القتالية يجب ان تستخدم لتوفير الامن الى القواعد الصغيرة.
يقول الكولونيل في الجيش الاميركي بيرت ثومبسون، وهو قائد لواء سترايكر الاول التابع الى فرقة المشاة
الخامسة والعشرين في ديالى: «لقد اختلف الوضع عمّا كان عليه عندما كان الجنرال بترايوس هنا. الحاميات هي الحاضرة، وليس الناس. اريد ان اجعل الناس هم الحاضرين.»
القوات العراقية تقترب من عدد 600,000 عنصر
عندما تغادر القطعات الاميركية بعيدا عن الحاميات نحو القواعد المركزية فسيكون عليها ان تقطع مسافات اطول حينما يتطلب منها الوصول الى المدن والبلدات، لكن سيتاح للمزيد من الجنود الاميركيين العمل مع نظرائهم العراقيين، وهو محور تركيز القوات الاميركية في الوقت الراهن.
سوف تتولى القوات العراقية المسؤولية عن بعض الحاميات، بينما ستتم اعادة البعض الآخر الى وضعها المدني السابق.
وقد تطورت سمعة القوات الامنية العراقية بشكل كبير على مدى سني الحرب، لكن يبقى عليهم ان يفوزوا بالثقة الكاملة من الناس المحليين. وحتى العراقيين الواثقين في جيشهم، الذي بات يربو على 600,000 رجل قوي، فهم لايزالون يفضلون ان يأتوا الى القوات الاميركية عندما تعترضهم المشاكل، بسبب النظرة السائدة من ان الاميركيين لديهم موارد اكبر.
يقول السرجنت جيمس كلارك، الذي انهى للتو واجبه في حامية ببعقوبة: «ان اكبر شيء تحصل عليه، من خلال اخلاء الحاميات، ان الناس سيتوجب عليهم ان يعتمدوا اكثر على القوات الامنية العراقية وستكون لديهم فرص افضل في الظفر بثقة الناس.»
مخاوف من عودة المليشيات
غير أن هناك مخاوف في الشمال من ان يوفر انسحاب القوات الاميركية من مدن مثل الموصل، وهي آخر المعاقل الكبرى للمليشيات في العراق، الفرصة للمتمردين ليعودوا الى الساحة من جديد.
مثل هذه الهواجس خلقت حالة من الضبابية بالنسبة الى حاميات مثل المركز الاعلامي في ديالى الواقع على بعد 10 اميال جنوب شرقي بعقوبة. فهذه الحامية الكائنة في واحدة من اكثر المحافظات اضطرابا بنيت حول محطة تلفزة واذاعة صغيرتين، وتضم برجا للارسال. وتقع في منطقة ريفية من المحافظة، ما يعني انه لا يجب اغلاقها استنادا الى الاتفاقية الامنية.
يقول الكابتن في الجيش الاميركي جيمس لابوينتي انها تبعد مسافة اربعين دقيقة بالسيارة عن اقرب قاعدة عسكرية اميركية «وتسمح لنا بارسال قوة صغيرة خارج المدينة، ما يمكنها من الاستجابة بشكل اسرع، وهي مكان آخر يأتي اليه الناس ليقدموا لنا المعلومات.»
بينما يبقى مستقبل القواعد الصغيرة مثل المركز الاعلامي في ديالى غير واضح، وصعوبة التنبؤ بما تؤول اليه الامور في مناطق مثل ديالى والموصل، فان المرجح ان تخضع القوات العراقية الى اختبار عسير خلال الأشهر القادمة.
يقول السيد غوهيل: «هذا الاختبار الحاسم يتمثل بالكيفية التي ستتعامل بها الحكومة العراقية مع استمرار تقليص القوات الاميركية
Tuesday, April 07, 2009
موظفو شركة بلاك ووتر السابقون قد يعودون للعمل في العراق
عن: الهيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة
فقدت شركة بلاك ووتر العالمية في الشهر الماضي عقدها الذي تبلغ قيمته مليارات عدة من الدولارات لحماية الدبلوماسيين الاميركيين هنا. لكن الكثير من موظفيها، ان لم يكن معظمهم، والذين يعملون كحراس خصوصيين سوف يعودون الى عملهم في العراق.
سوف يرتدي الافراد انفسهم زيا نظاميا جديدا، يتمثل في زي شركة تربل كانوبي، وهي المؤسسة التي فازت بعقد وزارة الخارجية الاميركية بعد ان رفض المسؤولون العراقيون تجديد ترخيص عمل شركة بلاك ووتر، حسبما افاد دبلوماسيون اميركيون ومسؤولون في قطاع الحماية الخصوصية ومسؤولون عراقيون.
وينظر الى شركة بلاك ووتر في العراق على انها رمز للعنف الاميركي والفرار من القصاص. وقد فقدت الشركة عقدها بعد اتهامها باستعمال القوة المفرطة في حوادث عدة، وبالتحديد في اطلاق النار بدون استفزاز، على ما يبدو، في وسط بغداد عام 2007 والذي ادى الى مقتل 17 مدنيا.
وعلى الرغم من توالي الانتقادات ضد شركة بلاك ووتر فان المسؤولين الاميركيين يقولون انهم شعروا بالارتياح لان الحراس الخصوصيين القدامى سوف يبقون في العمل. ويقولون انه لولا هذا فلن يكون بمقدور شركة تربل كانوبي ان توفر حراسا مؤهلين بما فيه الكفاية، والذين يحوزون على الموافقات الامنية المناسبة، قبل ان يسري مفعول العقد الجديد في شهر آيار.
يقول دبلوماسي غربي، طلب عدم ذكر اسمه: «ليس هناك من طريقة اخرى لفعل ذلك.»
ويخشى منتقدو شركة بلاك ووتر انه اذا عاد نفس الاشخاص للعمل فانهم قد يرتكبون نفس الاعمال التي يعتقدون انها تمثل عقلية تلك الشركة التي لم تعر اهمية لحيوات العراقيين.
تقول سوزان بورك، المحامية الاميركية التي رفعت ثلاث دعاوى قضائية ضد شركة بلاك ووتر نيابة عن المدنيين العراقيين الذين يدعون انهم ضحايا هذه الشركة:
هل ستفيد شركة بلاك ووتر، التي تم تسميتها مؤخرا (زي)، او اية شركة اخرى مرتبطة بها من هذه الصفقة؟ لازال هذا السؤال يبحث عن اجابة. هناك شكوك لدى العاملين في مجال الحماية الخصوصية بان شركة تربل كانوبي ربما ستحيل عقدا الى شركة تسمى فالكون غروب كمقاول ثانوي. وكانت السيدة بورك قد عرّفت تلك الاخيرة على انها مرتبطة بشركة بلاك ووتر في القضية التي رفعتها.
وقالت المتحدثة باسم شركة بلاك ووتر، آن تايريل، ان شركة بلاك ووتر لا تربطها اية علاقات مع شركة فاكون غروب، التي يصفها موقعها الالكتروني على انها شركة مملوكة لمجموعة من العراقيين المهتمين بالامن واعادة الاعمار. واضافت: «الاشخاص الذين يوفرون خدمات الحماية الخصوصية في الخارج هم متعاقدون مستقلون. حينما سينتهي سريان عقدنا في غضون 60 او 90 يوما، فان من حقهم ان يبحثوا عن التوظيف مع من يشاؤون.»
وقد رفضت الناطقة بلسان شركة تربل كانوبي، جايانتي مينجيس، التعليق على قضية العقد الثانوي وقالت: «سوف نعين موظفين لهذا العقد من بين الاشخاص المؤهلين والحاصلين على الموافقات الامنية.»
ولكن الدبلوماسي الغربي يقول انه على الرغم من ان معظم الحراس الخصوصيين هم من الذين خدموا سابقا مع شركة بلاك ووتر، فانه سوف تحدث تغييرات كبيرة في قواعدهم للاشتباك. ولخّص عقيد سابق في المارينز، وكان قد عمل مع شركة بلاك ووتر، القواعد السابقة بالقول: «ليس هناك من تعويض للمواطنين المحليين الذين يشاطرون الطريق مع سيارات او قافلات بلاك ووتر، اطلق النار ان كنت في حالة شك، واستمر في قيادة السيارة، الخ.»
يقول الدبلوماسي ان قواعد الاشتباك الجديدة تقتضي ان يتصرف الموظفون بعدوانية اقل. هذه القواعد اصبحت قيد التطبيق بالفعل حينما وُجهت الاوامر الى قوافل الحماية التابعة الى بلاك ووتر بالتحلي باللياقة حينما يسيرون في الشوارع العراقية.وكانت وزارة الخارجية الاميركية قد احالت عقد الحمايات الخاصة الى شركة تربل كانوبي بعد ان رفض العراق تجديد عقد شركة بلاك ووتر. وشركة تربل كانوبي هي احدى شركتين تقومان حاليا بتقديم خدمات الحماية الى وزارة الخارجية الاميركية في العراق، حيث ان الشركة الاخرى هي داينكورب. وقد احيل العقد، الذي يمتد اجله لخمس سنوات وتبلغ قيمته 977 مليون دولار، في 31 آذار، ويصبح ساري المفعول في 7 آيار. وتمثل تلك القيمة جزء كبيرا من اعمال شركة بلاك ووتر العالمية السابقة.
ويقول مسؤولون اميركيون ان من الصعب استبدال شركة بلاك ووتر باخرى تبدأ من الصفر في فترة شهر او نحوه. وتحتفظ الشركة بقوة من رجال مسلحين يبلغ عددهم 600 عنصر، ويقع مقرهم في المنطقة الخضراء ببغداد لحماية السفارة الاميركية والموظفين المدنيين الحكوميين الاخرين. ويتطلب عملهم الحصول على الموافقة الامنية حيث انهم سيرافقون الدبلوماسيين في مهمات حساسة. ويجري التحري مطولا عن المتقدمين للتعيين قبل منحهم تلك الموافقات الامنية.
كما ان الحصول على الموافقات الامنية بالنسبة لغير الاميركيين هو امر في غاية الصعوبة.
وتحتفظ بلاك ووتر بقوة للتدخل السريع، ولديها طائرات عمودية مدنية، وطائرات استطلاع بدون طيار، ووسائل نقل جوي اخرى. وسوف يبقى عقدهم للعمليات الجوية ساري المفعول حتى ينتهي في شهر ايلول.وعلى الرغم من ان شركة تربل كانوبي هي شركة اميركية الا ان معظم موظفيها في العراق هم عسكريون سابقون من بلدان ذات مقاييس دخل منخفضة، مثل البيرو والسلفادور، مع قدر من التدريب يقل كثيرا عن الموظفين الغربيين، كما لا يرجح انهم يمكن ان يحصلوا على الموافقات الامنية.وقد دافع الكثير من الدبلوماسيين الاميركيين عن شركة بلاك ووتر.
وكان ستة دبلوماسيين اميركيين على الاقل قد لقوا مصرعهم منذ احتلال العراق، وتقول السيدة تايريل ان 27 من اعضاء بلاك ووتر قتلوا بينما كانوا يدافعون عن الاشخاص الذين كانوا في عهدتهم. يقول مسؤول على اطلاع على التحضيرات الامنية للدبلوماسيين الاميركيين، وقد طلب عدم التعريف به لانه غير مخول بالحديث الى وسائل الاعلام: «هناك عدد معين من موظفينا بقوا على قيد الحياة لان حراس بلاك ووتر قتلوا بينما كانوا يحمونهم.»
ويبدو ان العراقيين مستعدون لقبول مبدأ ان الكثير، او حتى اغلب موظفي بلاك ووتر السابقين سوف يبقون في العمل على انهم موظفو تربل كانوبي. يقول العميد عبد الكريم خلف، المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية: «ليس من المهم من يكونون، او ما هي اسماؤهم، او أي زي يرتدون، طالما انهم خاضعون الى القانون العراقي وتحترم شركتهم القوانين العراقية.»
ترجمة: علاء غزالة
فقدت شركة بلاك ووتر العالمية في الشهر الماضي عقدها الذي تبلغ قيمته مليارات عدة من الدولارات لحماية الدبلوماسيين الاميركيين هنا. لكن الكثير من موظفيها، ان لم يكن معظمهم، والذين يعملون كحراس خصوصيين سوف يعودون الى عملهم في العراق.
سوف يرتدي الافراد انفسهم زيا نظاميا جديدا، يتمثل في زي شركة تربل كانوبي، وهي المؤسسة التي فازت بعقد وزارة الخارجية الاميركية بعد ان رفض المسؤولون العراقيون تجديد ترخيص عمل شركة بلاك ووتر، حسبما افاد دبلوماسيون اميركيون ومسؤولون في قطاع الحماية الخصوصية ومسؤولون عراقيون.
وينظر الى شركة بلاك ووتر في العراق على انها رمز للعنف الاميركي والفرار من القصاص. وقد فقدت الشركة عقدها بعد اتهامها باستعمال القوة المفرطة في حوادث عدة، وبالتحديد في اطلاق النار بدون استفزاز، على ما يبدو، في وسط بغداد عام 2007 والذي ادى الى مقتل 17 مدنيا.
وعلى الرغم من توالي الانتقادات ضد شركة بلاك ووتر فان المسؤولين الاميركيين يقولون انهم شعروا بالارتياح لان الحراس الخصوصيين القدامى سوف يبقون في العمل. ويقولون انه لولا هذا فلن يكون بمقدور شركة تربل كانوبي ان توفر حراسا مؤهلين بما فيه الكفاية، والذين يحوزون على الموافقات الامنية المناسبة، قبل ان يسري مفعول العقد الجديد في شهر آيار.
يقول دبلوماسي غربي، طلب عدم ذكر اسمه: «ليس هناك من طريقة اخرى لفعل ذلك.»
ويخشى منتقدو شركة بلاك ووتر انه اذا عاد نفس الاشخاص للعمل فانهم قد يرتكبون نفس الاعمال التي يعتقدون انها تمثل عقلية تلك الشركة التي لم تعر اهمية لحيوات العراقيين.
تقول سوزان بورك، المحامية الاميركية التي رفعت ثلاث دعاوى قضائية ضد شركة بلاك ووتر نيابة عن المدنيين العراقيين الذين يدعون انهم ضحايا هذه الشركة:
هل ستفيد شركة بلاك ووتر، التي تم تسميتها مؤخرا (زي)، او اية شركة اخرى مرتبطة بها من هذه الصفقة؟ لازال هذا السؤال يبحث عن اجابة. هناك شكوك لدى العاملين في مجال الحماية الخصوصية بان شركة تربل كانوبي ربما ستحيل عقدا الى شركة تسمى فالكون غروب كمقاول ثانوي. وكانت السيدة بورك قد عرّفت تلك الاخيرة على انها مرتبطة بشركة بلاك ووتر في القضية التي رفعتها.
وقالت المتحدثة باسم شركة بلاك ووتر، آن تايريل، ان شركة بلاك ووتر لا تربطها اية علاقات مع شركة فاكون غروب، التي يصفها موقعها الالكتروني على انها شركة مملوكة لمجموعة من العراقيين المهتمين بالامن واعادة الاعمار. واضافت: «الاشخاص الذين يوفرون خدمات الحماية الخصوصية في الخارج هم متعاقدون مستقلون. حينما سينتهي سريان عقدنا في غضون 60 او 90 يوما، فان من حقهم ان يبحثوا عن التوظيف مع من يشاؤون.»
وقد رفضت الناطقة بلسان شركة تربل كانوبي، جايانتي مينجيس، التعليق على قضية العقد الثانوي وقالت: «سوف نعين موظفين لهذا العقد من بين الاشخاص المؤهلين والحاصلين على الموافقات الامنية.»
ولكن الدبلوماسي الغربي يقول انه على الرغم من ان معظم الحراس الخصوصيين هم من الذين خدموا سابقا مع شركة بلاك ووتر، فانه سوف تحدث تغييرات كبيرة في قواعدهم للاشتباك. ولخّص عقيد سابق في المارينز، وكان قد عمل مع شركة بلاك ووتر، القواعد السابقة بالقول: «ليس هناك من تعويض للمواطنين المحليين الذين يشاطرون الطريق مع سيارات او قافلات بلاك ووتر، اطلق النار ان كنت في حالة شك، واستمر في قيادة السيارة، الخ.»
يقول الدبلوماسي ان قواعد الاشتباك الجديدة تقتضي ان يتصرف الموظفون بعدوانية اقل. هذه القواعد اصبحت قيد التطبيق بالفعل حينما وُجهت الاوامر الى قوافل الحماية التابعة الى بلاك ووتر بالتحلي باللياقة حينما يسيرون في الشوارع العراقية.وكانت وزارة الخارجية الاميركية قد احالت عقد الحمايات الخاصة الى شركة تربل كانوبي بعد ان رفض العراق تجديد عقد شركة بلاك ووتر. وشركة تربل كانوبي هي احدى شركتين تقومان حاليا بتقديم خدمات الحماية الى وزارة الخارجية الاميركية في العراق، حيث ان الشركة الاخرى هي داينكورب. وقد احيل العقد، الذي يمتد اجله لخمس سنوات وتبلغ قيمته 977 مليون دولار، في 31 آذار، ويصبح ساري المفعول في 7 آيار. وتمثل تلك القيمة جزء كبيرا من اعمال شركة بلاك ووتر العالمية السابقة.
ويقول مسؤولون اميركيون ان من الصعب استبدال شركة بلاك ووتر باخرى تبدأ من الصفر في فترة شهر او نحوه. وتحتفظ الشركة بقوة من رجال مسلحين يبلغ عددهم 600 عنصر، ويقع مقرهم في المنطقة الخضراء ببغداد لحماية السفارة الاميركية والموظفين المدنيين الحكوميين الاخرين. ويتطلب عملهم الحصول على الموافقة الامنية حيث انهم سيرافقون الدبلوماسيين في مهمات حساسة. ويجري التحري مطولا عن المتقدمين للتعيين قبل منحهم تلك الموافقات الامنية.
كما ان الحصول على الموافقات الامنية بالنسبة لغير الاميركيين هو امر في غاية الصعوبة.
وتحتفظ بلاك ووتر بقوة للتدخل السريع، ولديها طائرات عمودية مدنية، وطائرات استطلاع بدون طيار، ووسائل نقل جوي اخرى. وسوف يبقى عقدهم للعمليات الجوية ساري المفعول حتى ينتهي في شهر ايلول.وعلى الرغم من ان شركة تربل كانوبي هي شركة اميركية الا ان معظم موظفيها في العراق هم عسكريون سابقون من بلدان ذات مقاييس دخل منخفضة، مثل البيرو والسلفادور، مع قدر من التدريب يقل كثيرا عن الموظفين الغربيين، كما لا يرجح انهم يمكن ان يحصلوا على الموافقات الامنية.وقد دافع الكثير من الدبلوماسيين الاميركيين عن شركة بلاك ووتر.
وكان ستة دبلوماسيين اميركيين على الاقل قد لقوا مصرعهم منذ احتلال العراق، وتقول السيدة تايريل ان 27 من اعضاء بلاك ووتر قتلوا بينما كانوا يدافعون عن الاشخاص الذين كانوا في عهدتهم. يقول مسؤول على اطلاع على التحضيرات الامنية للدبلوماسيين الاميركيين، وقد طلب عدم التعريف به لانه غير مخول بالحديث الى وسائل الاعلام: «هناك عدد معين من موظفينا بقوا على قيد الحياة لان حراس بلاك ووتر قتلوا بينما كانوا يحمونهم.»
ويبدو ان العراقيين مستعدون لقبول مبدأ ان الكثير، او حتى اغلب موظفي بلاك ووتر السابقين سوف يبقون في العمل على انهم موظفو تربل كانوبي. يقول العميد عبد الكريم خلف، المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية: «ليس من المهم من يكونون، او ما هي اسماؤهم، او أي زي يرتدون، طالما انهم خاضعون الى القانون العراقي وتحترم شركتهم القوانين العراقية.»
Sunday, April 05, 2009
جولة في ذاكرة العراق عبر القطار
عن: الواشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة
العاصفة الرملية تجعل بغداد الحزينة أكثر حزنا على الدوام. تتحول الشمس الى قمر في سماء رمادية في حالة حداد. يتوقف الزمن حينما يذوب الفجر في يوم غائم يشعرك وكأنه الغروب. تجلب هذه العواصف، التي اصبحت شائعة هذه الايام، حبات الحصى الناعمة التي تستقر على كل شيء، حتى على حاجبي الجندي باسم كاظم الخاليين من التعابير.
انحنى نحو السيارة التي تمر بنقطة التفتيش عند مدخل محطة بغداد المركزية للقطارات، حيث كان يقوم بواجبه. تقلصت عيناه وهو يحشر رأسه ليتعرف على الموجودين في السيارة.
عزف جهاز التسجيل الصوتي في السيارة اغنية لام كلثوم، المطربة المصرية الشهيرة من جيل سابق، من شريط مخدوش. كانت اغنية "سيرة الحب"، حيث علا صوتها المنقطع النظير صوت الكمان الحزين.
قال كاظم للسائق: "دعني استمع لدقيقة، ثم سادعك تمر."
استمع الى ام كلثوم تصدح: "من همسة حب لقيتني بحب. بحب وادوب في الحب. ليل ونهار على بابك." ثم سمح للسيارة بالمرور.
دب نشاط جديد في محطة قطارات بغداد فيما بعد نقطة السيطرة، وقد عادت للحياة بعد سبات طويل. ولكنها تستعيد الى الذاكرة عالماً ضائعاً، مثلما تفعل تلك المطربة الاسطورة. تقف منارتي الساعة، مثل برجي حراسة، على جانبي القبة التركوازية التي بنيت قبل نصف قرن. تعلن بطاقات رثة عن رحلات لم تعد موجودة: الى الموصل والى حصيبة وعبر الحدود الى سوريا وتركيا. ترسل الثريات السقفية ومضات من الضوء تتوهج تحتها علامات التميز بين درجة المنام والدرجة السياحية التي لم يعد لها اهمية.
والمحطة باكملها ليست الا بوابة تؤدي الى القطار المتوقف عند طرفها.
المرور من خلال المحطة هو مرور من خلال عراق آخر، ابعد ما يكون عن تلك البلاد هذه الايام، حين كانت ذات مرة عنيدة للغاية وان كانت غير واثقة. هذا الـ(عراق) تملؤه ذكريات، هي في بعض الاحيان محض خيال، عن ماض خلا من سفك الدماء. انها امة حيث تذكـّر الاسماء بالمكان، لا بجريمة المحتل وتماديه، في ابو غريب وحديثة وحتى في بغداد. انها البلاد التي تتفتح بين نهرين امتلئا على طولهما بحدود غير دقيقة للتقسيمات العرقية والطائفية، التي فـُصلت حتى في اصغر المدن بجدران كونكريتية كئيبة، او بتداعيات المذابح الجماعية العالقة في الذاكرة.
قال احمد مراد، وهو يستقبل عربة القطار: "في القطار، توجه الى الامام مباشرة."
صفر البوق في الساعة 6:25 مساءا، ورمى العمال والطلاب، وهم الابناء الطيبون العائدون الى بيوتهم، والمهنئون والمعزون، ستراتهم وحقائب الكتف المنتفخة وحقائب الطعام وقطع السجاد الملفوفة بحزم على الرفوف العلوية. استلقوا على المقاعد الجلدية الخضراء المهترأة، يتهامسون كما لو كانوا متفرجين يتحدثون قبل بدء مسرحية.
ليس للقطار رقم، فهناك قطار واحد فقط ينطلق كل ليلة الى البصرة الواقعة على بعد 540 كيلومتراً الى الجنوب.
صفر البوق ثانية عند الساعة 6:30. جرت عربات القطار الست نفسها متثاقلة، ثم ارتطمت بعضها مع بعض، بينما كان القطار يغادر في موعده. تهاوت صرخات عجلات القطار، وصنوج المعدن القادم من عالم آخر، والمكان الموحش دائما، في صحوة القطار.
سأل احدهم بتثاقل: "هل وصلنا الدورة؟"
وتعجب الاخر: "هل هي الكاظمية؟"
تسربت الريح الى عربة القطار بينما كان يستجمع سرعته. تلاشت الاعلام الملونة الدينية عن الانظار. كما تلاشت نقاط التفتيش المحاطة بالزهور البلاستيكية التي جللتها العواصف الترابية بالغبار. نفخ القطار بوقه بينما كان يمر بمشاهد مشوشة لصفوف ملتوية من السيارات تنتظر دورها في التفتيش في نقاط السيطرة، ونفخ ثانية حينما مرّ بسيارات للشرطة وقد ومضت مصابيح الانذار فيها، وثالثة حينما مرّ بجدران كونكريتية التي عُلقت عليها ملصقات الانتخابات الممزقة. امكن للحظة تميز وجوه الجنود الواقفين امام صف من المصابيح الامامية للسيارات ، قبل ان تغمرها ظلمة الليل مجددا.
ربما تكون تلك هي المرة الاولى منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 التي تتوقف فيها قافلة سيارات اميركية على الطريق في بغداد. فقد توقفت وهي في طريقها الى المطار بانتظار مرور القطار.
وفي الساعة 6:45 وصل القطار الى سرعته القصوى، وحينها اشعل عقيل موسى سيجارته، وهو يراقب مشهد البيوت المتربعة تحت اشجار النخيل هنا وهناك، غير مكترثة بالزمن.
قال، وقد جالت الافكار في خاطره: "ليس هناك سُنة هنا، وليس هناك من شيعة. نحن كلانا اجزاء من يد واحدة. اتعرف الى شخص ما فقط من خلال المناقشة التي نخوضها."
يُعد خط السكة الحديد هذا، من الناحية الروحية ان لم يكن من الناحية الواقعية، جزءً من خط اقدم، وشرق اوسط اقدم، وهو نتاج رؤية الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر وحلفاؤها الالمان لبناء خط سكة حديد برلين-بغداد الذي ينتهي اخير في البصرة، ويجري بحرية عبر الامتدادات التركية غير المفصولة بحدود، في سوريا والعراق.
وقد بدأت خدمة القطارات مجددا في شهر كانون الاول، باقل قدر من التطبيل والتهليل. وقد كانت رحلة القطار على مدى ثمانية عشر شهرا قبل ذلك من الخطورة بمكان، لانه يمر بالمناطق المتمردة التي تتخفى بين اشجار الكالبتوز والنخيل وبين القرى الصفراء الواقعة في المنطقة التي عرفت باسم مثلث الموت. حينها صوب القناصون بنادقهم عشوائيا على القطار. وقد وقع مدير عام السكك الحديدية في كمين واصيب بطلقات نارية في كلتا رجليه عام 2004. كما تعرض الجسر قرب اللطيفية، الكائنة في قلب مثلث الموت، الى التفجير المرة تلو الاخرى.
اما اليوم، فالقطار ممتليء بالمسافرين، حيث تبلغ اجرة التذكرة مبلغ سبعة دولارات فقط، او خمس تكلفة سيارة الاجرة. وحينما مرّ القطار باللطيفية، لم يتوجس احد من خطر كامن.
قال هلال كريم، الذي يسافر من اجل عمل في البصرة: "الدليل (على الامن) اني اجلس هنا الان."
عُلقت الستائر القذرة في العربة رقم 499 على نافذة ذات شقوق. نوابض المقعد رقم 23 كانت مكسورة. القليل من المصابيح الرأسية في العربة كانت تعمل، اجتذب احدها حشرات طائرة لترقص حول السقف، بلا كلل ولا ملل. اما الجدران البنية فقد اضافت حصتها الى المشهد الكئيب.
هتف احد المسافرين من مؤخرة العربة، وقد اجتمع اثنان من اصابعه حول سيجارة: "يا محمد، اترك الباب مفتوحا، حتى يمكن للدخان ان يخرج."
ثم سرعان ما التقى عقب سيجارته مع بذور (حب) عباد الشمس الملقاة على الارضية.
صاح على احد الشباب الجالس امامه، وقد كان يحاول بلا جدوى ان يحشر عودا من البخور المشتعل في موضع لبرغي مفقود: "ماذا تفعل؟ هل تريد ان تحرق القطار؟"
تساءل مسافر آخر: "هل هذه هي اللطيفية؟"
اجابه صديقه مخمنا: "انها المحمودية؟"
عزفت اجهزة الهاتف النقال اغنيات منوعة. كان من بينها اغنيات لمطربين عراقيين مثل ياس خضر. وقام احدهم بعزف نشيد عسكري من وقت صدام على سبيل المزاح. ثم ادت مطربة سورية (...) اسمها (اصالة) اغنية اخرى لام كلثوم. "اخاف منك، واخاف تنساني. لكن البعد عنك صحاني، غلبني الشوق."
كانت كلمات الاغنية بالكاد مسموعة بالنسبة الى ولاء حسين الذي يقف عند باب القطار.
تطوع بالكلام، وهو يرتشف شايا ساخنا: "لقد سئمت من هذه الحياة."
جاء حسين، الشاب البالغ ثمانية عشر عاما من العمر وهو متزوج واب لصبي اسمه علي وعمره تسعة اشهر، جاء الى بغداد للعمل. لقد كانت تلك هي رحلته الخامسة على القطار. وقد نام في الشارع في الليلة الماضية، على أمل ان يكون من بين الاوائل في صف الانتظار للتقديم على سلك الشرطة. ولكن لم يكن لذلك اهمية.
قال: "ليس هناك من مستقبل، اقسم بالله." القى ما تبقى من الشاي في كوبه عبر الباب ثم وقف على رجليه، وقال: "ليس لدي حتى عشاءً واحدا اقدمه الى طفلي."
دفع ذراعه المفتولة نحو باب الخروج ورسم ابتسامة مضيافة. تطلع بوجه تعلوه نظرة الوداع الى خارج القطار حيث تعيش حيوات اخرى. حياته بالكاد بدأت. قال: "حينما اقف هنا، اريد ان اخرج كل الأسى من قلبي وارميه خارج هذا الباب."
ابتسم ثانية، بصرامة، وقال: "انه لمن الجيد ان يتحدث المرء."
تباطأ القطار. تساءل احدهم: "هل نحن في المسيب؟"
على مبعدة عدة صفوف من الكراسي الى الامام، كانت هناك اغنية تـُعزف. الاغنية اسمها "هذا العراق"، وينشدها تيسير الصفار. تقول الاغنية: "سوف نضيء طرقاتك بالشموع. سوف نجفف دموع عينيك."
ينتظر تاريخ الحروب الداخلية التي وقعت بالعراق في عامي 2006 و2007 ان يُكتب. انها تفتقر حتى الى الاسم. يُطلق عليها في بعض الاحيان تسمية "الفترة الطائفية" او "الحرب الطائفية." وفي احيان اخرى تـُعرف باسم "الاحداث." غير انه عادة ما تكفي الاشارة الى كلمة واحدة: "الطائفية."
اصبحت نقاط السيطرة الموزعة بكثرة في الشوارع العراقية، احيانا في كل 100 متر او نحوها، ميراث هذه الحرب. في بلد يكتظ بالجدران والموانع والسواتر والاسلاك الشائكة، تجد الكثيرين كارهين لها. يجري التفتيش في نقاط السيطرة اعتباطيا، حيث يكون الجنود احيانا فظين، بينما قد يدوم التأخير فيها لساعات، يتمثل باشرطة من السيارات المصطفة بتراخٍ على مسافة كيلومترات عدة.
قال علي زيد، الطالب الذي يبلغ عشرين عاما من العمر وقد كان يقوم بزيارة في بغداد: "يزعجك دائما ان ترى القوافل العسكرية الامريكية توقفنا وتمنعنا من التحرك في بلدنا."
اضاف ابن عمه عبد الله حامد: "والان انتقل عدوى هذا المرض من الاميركيين الى العراقيين. انه مثل فايروس ينتشر في حاسوبك. لا يمكنك محوه."
حامد هو شخص كثير الحديث وضخم الجسم. وهو يدرس الحاسوب، لكنه يقول ان ولعه الحقيقي هو في الشعر، سواء كانت اعمال امرؤ القيس، قبل فجر الاسلام، ام الشاعر نزار قباني، المتوفى في عام 1998. البيت الشعري المفضل لديه، متأثرا بالطائفية، هو: "دموع بغداد، ملايين الدموع. من لدي في بغداد، تبكي علي، وابكي عليها؟"
قال ان هناك شعراً يتلى في القطار. انها الثقافة المكتسبة في الرحلة.
واضاف، وقد مال رأسه الى النافذة التي يعلوها الغبار: "سوف تكوّن فكرة عن البلاد اذا استطعت ان تتجول خلالها بحرية. اريد ان انتقل من مكان الى مكان. اذا لم يكن لي ان اعرف العالم، فبامكاني في الاقل ان اتعرف الي بلدي."
عُزفت المزيد من الاغاني، كان احدها نشيدا للقطار.
صدح صوت ياس خضر، من سماعة خافتة: "راح ابقى على السكة، اعد المحطات للبصرة. وصلوا تل اللحم، لو عبروا؟"
بينما اقترب منتصف الليل، هوى المزيد من المسافرين الى النوم، ما عدا مجموعة من المشاغبين في الصف رقم 29. ومع حلول الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سكن حتى هؤلاء الى الهدوء. لكن المسافرين تنحنحوا في مكانهم كلما ابطأ القطار.
سأل احدهم: "اين نحن الان؟"
وتساءل الاخر: "في أي مدينة نحن الان؟ في السماوة ام في سوق الشيوخ."
بينما اقترب القطار من البصرة بدأت السماء تصطبغ باللون الرمادي. ولاح عن بعد لهيب الغاز الذي يُحرق من آبار النفط، مثل مشاعل في الافق. عادت البيارق الدينية الى الظهور مجددا، كذلك عادت الكتابات والرسومات العشوائية السوداء على الجدران. كما عادت نقاط السيطرة، مع حدودها المرسومة.
توالت اصوات قرعات من القطار بينما كان يعبر قناة قذرة مليئة بالازبال في مدينة كانت تـُعد الاجمل بين مدن العراق.
توقف القطار في الساعة 5:58 صباحا. كـُتب على لافتة معلقة على جدار المحطة، قرب شباك التذاكر الذي يقدم (حجز درجة اولى): "محطة البصرة ترحب بكم." لقد وصل القطار دقيقتين قبل الموعد.
ترجمة: علاء غزالة
العاصفة الرملية تجعل بغداد الحزينة أكثر حزنا على الدوام. تتحول الشمس الى قمر في سماء رمادية في حالة حداد. يتوقف الزمن حينما يذوب الفجر في يوم غائم يشعرك وكأنه الغروب. تجلب هذه العواصف، التي اصبحت شائعة هذه الايام، حبات الحصى الناعمة التي تستقر على كل شيء، حتى على حاجبي الجندي باسم كاظم الخاليين من التعابير.
انحنى نحو السيارة التي تمر بنقطة التفتيش عند مدخل محطة بغداد المركزية للقطارات، حيث كان يقوم بواجبه. تقلصت عيناه وهو يحشر رأسه ليتعرف على الموجودين في السيارة.
عزف جهاز التسجيل الصوتي في السيارة اغنية لام كلثوم، المطربة المصرية الشهيرة من جيل سابق، من شريط مخدوش. كانت اغنية "سيرة الحب"، حيث علا صوتها المنقطع النظير صوت الكمان الحزين.
قال كاظم للسائق: "دعني استمع لدقيقة، ثم سادعك تمر."
استمع الى ام كلثوم تصدح: "من همسة حب لقيتني بحب. بحب وادوب في الحب. ليل ونهار على بابك." ثم سمح للسيارة بالمرور.
دب نشاط جديد في محطة قطارات بغداد فيما بعد نقطة السيطرة، وقد عادت للحياة بعد سبات طويل. ولكنها تستعيد الى الذاكرة عالماً ضائعاً، مثلما تفعل تلك المطربة الاسطورة. تقف منارتي الساعة، مثل برجي حراسة، على جانبي القبة التركوازية التي بنيت قبل نصف قرن. تعلن بطاقات رثة عن رحلات لم تعد موجودة: الى الموصل والى حصيبة وعبر الحدود الى سوريا وتركيا. ترسل الثريات السقفية ومضات من الضوء تتوهج تحتها علامات التميز بين درجة المنام والدرجة السياحية التي لم يعد لها اهمية.
والمحطة باكملها ليست الا بوابة تؤدي الى القطار المتوقف عند طرفها.
المرور من خلال المحطة هو مرور من خلال عراق آخر، ابعد ما يكون عن تلك البلاد هذه الايام، حين كانت ذات مرة عنيدة للغاية وان كانت غير واثقة. هذا الـ(عراق) تملؤه ذكريات، هي في بعض الاحيان محض خيال، عن ماض خلا من سفك الدماء. انها امة حيث تذكـّر الاسماء بالمكان، لا بجريمة المحتل وتماديه، في ابو غريب وحديثة وحتى في بغداد. انها البلاد التي تتفتح بين نهرين امتلئا على طولهما بحدود غير دقيقة للتقسيمات العرقية والطائفية، التي فـُصلت حتى في اصغر المدن بجدران كونكريتية كئيبة، او بتداعيات المذابح الجماعية العالقة في الذاكرة.
قال احمد مراد، وهو يستقبل عربة القطار: "في القطار، توجه الى الامام مباشرة."
صفر البوق في الساعة 6:25 مساءا، ورمى العمال والطلاب، وهم الابناء الطيبون العائدون الى بيوتهم، والمهنئون والمعزون، ستراتهم وحقائب الكتف المنتفخة وحقائب الطعام وقطع السجاد الملفوفة بحزم على الرفوف العلوية. استلقوا على المقاعد الجلدية الخضراء المهترأة، يتهامسون كما لو كانوا متفرجين يتحدثون قبل بدء مسرحية.
ليس للقطار رقم، فهناك قطار واحد فقط ينطلق كل ليلة الى البصرة الواقعة على بعد 540 كيلومتراً الى الجنوب.
صفر البوق ثانية عند الساعة 6:30. جرت عربات القطار الست نفسها متثاقلة، ثم ارتطمت بعضها مع بعض، بينما كان القطار يغادر في موعده. تهاوت صرخات عجلات القطار، وصنوج المعدن القادم من عالم آخر، والمكان الموحش دائما، في صحوة القطار.
سأل احدهم بتثاقل: "هل وصلنا الدورة؟"
وتعجب الاخر: "هل هي الكاظمية؟"
تسربت الريح الى عربة القطار بينما كان يستجمع سرعته. تلاشت الاعلام الملونة الدينية عن الانظار. كما تلاشت نقاط التفتيش المحاطة بالزهور البلاستيكية التي جللتها العواصف الترابية بالغبار. نفخ القطار بوقه بينما كان يمر بمشاهد مشوشة لصفوف ملتوية من السيارات تنتظر دورها في التفتيش في نقاط السيطرة، ونفخ ثانية حينما مرّ بسيارات للشرطة وقد ومضت مصابيح الانذار فيها، وثالثة حينما مرّ بجدران كونكريتية التي عُلقت عليها ملصقات الانتخابات الممزقة. امكن للحظة تميز وجوه الجنود الواقفين امام صف من المصابيح الامامية للسيارات ، قبل ان تغمرها ظلمة الليل مجددا.
ربما تكون تلك هي المرة الاولى منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 التي تتوقف فيها قافلة سيارات اميركية على الطريق في بغداد. فقد توقفت وهي في طريقها الى المطار بانتظار مرور القطار.
وفي الساعة 6:45 وصل القطار الى سرعته القصوى، وحينها اشعل عقيل موسى سيجارته، وهو يراقب مشهد البيوت المتربعة تحت اشجار النخيل هنا وهناك، غير مكترثة بالزمن.
قال، وقد جالت الافكار في خاطره: "ليس هناك سُنة هنا، وليس هناك من شيعة. نحن كلانا اجزاء من يد واحدة. اتعرف الى شخص ما فقط من خلال المناقشة التي نخوضها."
يُعد خط السكة الحديد هذا، من الناحية الروحية ان لم يكن من الناحية الواقعية، جزءً من خط اقدم، وشرق اوسط اقدم، وهو نتاج رؤية الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر وحلفاؤها الالمان لبناء خط سكة حديد برلين-بغداد الذي ينتهي اخير في البصرة، ويجري بحرية عبر الامتدادات التركية غير المفصولة بحدود، في سوريا والعراق.
وقد بدأت خدمة القطارات مجددا في شهر كانون الاول، باقل قدر من التطبيل والتهليل. وقد كانت رحلة القطار على مدى ثمانية عشر شهرا قبل ذلك من الخطورة بمكان، لانه يمر بالمناطق المتمردة التي تتخفى بين اشجار الكالبتوز والنخيل وبين القرى الصفراء الواقعة في المنطقة التي عرفت باسم مثلث الموت. حينها صوب القناصون بنادقهم عشوائيا على القطار. وقد وقع مدير عام السكك الحديدية في كمين واصيب بطلقات نارية في كلتا رجليه عام 2004. كما تعرض الجسر قرب اللطيفية، الكائنة في قلب مثلث الموت، الى التفجير المرة تلو الاخرى.
اما اليوم، فالقطار ممتليء بالمسافرين، حيث تبلغ اجرة التذكرة مبلغ سبعة دولارات فقط، او خمس تكلفة سيارة الاجرة. وحينما مرّ القطار باللطيفية، لم يتوجس احد من خطر كامن.
قال هلال كريم، الذي يسافر من اجل عمل في البصرة: "الدليل (على الامن) اني اجلس هنا الان."
عُلقت الستائر القذرة في العربة رقم 499 على نافذة ذات شقوق. نوابض المقعد رقم 23 كانت مكسورة. القليل من المصابيح الرأسية في العربة كانت تعمل، اجتذب احدها حشرات طائرة لترقص حول السقف، بلا كلل ولا ملل. اما الجدران البنية فقد اضافت حصتها الى المشهد الكئيب.
هتف احد المسافرين من مؤخرة العربة، وقد اجتمع اثنان من اصابعه حول سيجارة: "يا محمد، اترك الباب مفتوحا، حتى يمكن للدخان ان يخرج."
ثم سرعان ما التقى عقب سيجارته مع بذور (حب) عباد الشمس الملقاة على الارضية.
صاح على احد الشباب الجالس امامه، وقد كان يحاول بلا جدوى ان يحشر عودا من البخور المشتعل في موضع لبرغي مفقود: "ماذا تفعل؟ هل تريد ان تحرق القطار؟"
تساءل مسافر آخر: "هل هذه هي اللطيفية؟"
اجابه صديقه مخمنا: "انها المحمودية؟"
عزفت اجهزة الهاتف النقال اغنيات منوعة. كان من بينها اغنيات لمطربين عراقيين مثل ياس خضر. وقام احدهم بعزف نشيد عسكري من وقت صدام على سبيل المزاح. ثم ادت مطربة سورية (...) اسمها (اصالة) اغنية اخرى لام كلثوم. "اخاف منك، واخاف تنساني. لكن البعد عنك صحاني، غلبني الشوق."
كانت كلمات الاغنية بالكاد مسموعة بالنسبة الى ولاء حسين الذي يقف عند باب القطار.
تطوع بالكلام، وهو يرتشف شايا ساخنا: "لقد سئمت من هذه الحياة."
جاء حسين، الشاب البالغ ثمانية عشر عاما من العمر وهو متزوج واب لصبي اسمه علي وعمره تسعة اشهر، جاء الى بغداد للعمل. لقد كانت تلك هي رحلته الخامسة على القطار. وقد نام في الشارع في الليلة الماضية، على أمل ان يكون من بين الاوائل في صف الانتظار للتقديم على سلك الشرطة. ولكن لم يكن لذلك اهمية.
قال: "ليس هناك من مستقبل، اقسم بالله." القى ما تبقى من الشاي في كوبه عبر الباب ثم وقف على رجليه، وقال: "ليس لدي حتى عشاءً واحدا اقدمه الى طفلي."
دفع ذراعه المفتولة نحو باب الخروج ورسم ابتسامة مضيافة. تطلع بوجه تعلوه نظرة الوداع الى خارج القطار حيث تعيش حيوات اخرى. حياته بالكاد بدأت. قال: "حينما اقف هنا، اريد ان اخرج كل الأسى من قلبي وارميه خارج هذا الباب."
ابتسم ثانية، بصرامة، وقال: "انه لمن الجيد ان يتحدث المرء."
تباطأ القطار. تساءل احدهم: "هل نحن في المسيب؟"
على مبعدة عدة صفوف من الكراسي الى الامام، كانت هناك اغنية تـُعزف. الاغنية اسمها "هذا العراق"، وينشدها تيسير الصفار. تقول الاغنية: "سوف نضيء طرقاتك بالشموع. سوف نجفف دموع عينيك."
ينتظر تاريخ الحروب الداخلية التي وقعت بالعراق في عامي 2006 و2007 ان يُكتب. انها تفتقر حتى الى الاسم. يُطلق عليها في بعض الاحيان تسمية "الفترة الطائفية" او "الحرب الطائفية." وفي احيان اخرى تـُعرف باسم "الاحداث." غير انه عادة ما تكفي الاشارة الى كلمة واحدة: "الطائفية."
اصبحت نقاط السيطرة الموزعة بكثرة في الشوارع العراقية، احيانا في كل 100 متر او نحوها، ميراث هذه الحرب. في بلد يكتظ بالجدران والموانع والسواتر والاسلاك الشائكة، تجد الكثيرين كارهين لها. يجري التفتيش في نقاط السيطرة اعتباطيا، حيث يكون الجنود احيانا فظين، بينما قد يدوم التأخير فيها لساعات، يتمثل باشرطة من السيارات المصطفة بتراخٍ على مسافة كيلومترات عدة.
قال علي زيد، الطالب الذي يبلغ عشرين عاما من العمر وقد كان يقوم بزيارة في بغداد: "يزعجك دائما ان ترى القوافل العسكرية الامريكية توقفنا وتمنعنا من التحرك في بلدنا."
اضاف ابن عمه عبد الله حامد: "والان انتقل عدوى هذا المرض من الاميركيين الى العراقيين. انه مثل فايروس ينتشر في حاسوبك. لا يمكنك محوه."
حامد هو شخص كثير الحديث وضخم الجسم. وهو يدرس الحاسوب، لكنه يقول ان ولعه الحقيقي هو في الشعر، سواء كانت اعمال امرؤ القيس، قبل فجر الاسلام، ام الشاعر نزار قباني، المتوفى في عام 1998. البيت الشعري المفضل لديه، متأثرا بالطائفية، هو: "دموع بغداد، ملايين الدموع. من لدي في بغداد، تبكي علي، وابكي عليها؟"
قال ان هناك شعراً يتلى في القطار. انها الثقافة المكتسبة في الرحلة.
واضاف، وقد مال رأسه الى النافذة التي يعلوها الغبار: "سوف تكوّن فكرة عن البلاد اذا استطعت ان تتجول خلالها بحرية. اريد ان انتقل من مكان الى مكان. اذا لم يكن لي ان اعرف العالم، فبامكاني في الاقل ان اتعرف الي بلدي."
عُزفت المزيد من الاغاني، كان احدها نشيدا للقطار.
صدح صوت ياس خضر، من سماعة خافتة: "راح ابقى على السكة، اعد المحطات للبصرة. وصلوا تل اللحم، لو عبروا؟"
بينما اقترب منتصف الليل، هوى المزيد من المسافرين الى النوم، ما عدا مجموعة من المشاغبين في الصف رقم 29. ومع حلول الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سكن حتى هؤلاء الى الهدوء. لكن المسافرين تنحنحوا في مكانهم كلما ابطأ القطار.
سأل احدهم: "اين نحن الان؟"
وتساءل الاخر: "في أي مدينة نحن الان؟ في السماوة ام في سوق الشيوخ."
بينما اقترب القطار من البصرة بدأت السماء تصطبغ باللون الرمادي. ولاح عن بعد لهيب الغاز الذي يُحرق من آبار النفط، مثل مشاعل في الافق. عادت البيارق الدينية الى الظهور مجددا، كذلك عادت الكتابات والرسومات العشوائية السوداء على الجدران. كما عادت نقاط السيطرة، مع حدودها المرسومة.
توالت اصوات قرعات من القطار بينما كان يعبر قناة قذرة مليئة بالازبال في مدينة كانت تـُعد الاجمل بين مدن العراق.
توقف القطار في الساعة 5:58 صباحا. كـُتب على لافتة معلقة على جدار المحطة، قرب شباك التذاكر الذي يقدم (حجز درجة اولى): "محطة البصرة ترحب بكم." لقد وصل القطار دقيقتين قبل الموعد.
Saturday, April 04, 2009
المملكة المتحدة تبدأ وداعها بالقول: الوداع وشكراً لكم على السمك
عن: الغارديان
ترجمة: علاء غزالة
حلت بداية النهاية مع وليمة، واستعراض عسكري تحت السماء الغائمة، وسمكة ذهبية مرصعة بالجواهر.
بدأ انسحاب الجيش البريطاني من العراق ، بعد ست سنوات اعتبرت فيها بريطانيا صديقا وعدوا، محررا ومحتلا، رسميا حينما سلمت القوات البريطانية آخر قواعدها العسكرية الباقية في البصرة، وهي القاعدة في فندق شط العرب.وسوف يسلم الجيش كذلك قاعدته الرئيسة الى الجيش الاميركي، ما يفتح الطريق امام انسحاب كامل مع اوائل الصيف وانهاء احد اكبر اختبارات الجيش البريطاني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتضمن الحفل الذي اقيم يوم امس عرضا لفرقة البحرية الملكية البريطانية، والتي طارت من مدينة كورنويل في المملكة المتحدة، لتقدم عروضها امام مجموعة من الشيوخ وقادة الشرطة. كما جرى في الحفل تبادل الهدايا.
وقد تم تقديم الهدية وهي سمكة السلمون الذهبية المدهشة الى الميجر جنرال اندي سلمون، والذي سلم المهام الامنية الى فرقة عسكرية عراقية عملت القوات البريطانية على تدريبها خلال العامين الماضيين. وقد اشاد الجنرال بالانتخابات المحلية التي جرت مؤخرا في العراق، وحياها باعتبارها نجاحا ديمقراطيا، برغم المزاعم حول التلاعب بنتائجها، والتحقيقات الاخيرة لتصرفات بعض المرشحين من قبل هيئة النزاهة العراقية.
كما ادعى ان القوات البريطانية فخورة في الوصول الى «نهاية ناجحة» للحرب في العراق، وقال ان قرار اسقاط نظام صدام كان صائبا. واضاف: «لقد حافظنا على المسار، وتكبدنا الصعاب، وتشاركنا مع كل شخص، واقتنصنا فرصنا، وتكيفنا على طول الخط.»
واستطرد: «استطيع ان اضع يدي على قلبي واقول اننا انهينا ذلك بالشكل الصحيح. واستطيع ايضا ان اقول اننا مررنا ببعض الاوقات الصعبة، ومن ثم خرجنا منها. وقد مر الجميع هنا بمثل ذلك. ولكننا نستطيع جميعا ان نرفع رؤوسنا عاليا ونقول ان الامر كان يستحق العناء.»
وقد اصر الجيش على مدى الاشهر الثمانية عشر الماضية ان الجيش العراقي قد اختلف كثيرا عن ذلك الجيش الذي كان موجودا وقت حرب عام 2003. كما يدعي الجيش ان البصرة اصبحت اكثر امنا واستقرارا. وهذان هما انجازان مهّدا الطريق امام خروج القوات البريطانية.
على كل حال، سوف يتولى الجيش الاميركي ملء الفجوة التي ستتركها مغادرة القوات البريطانية، وهي الخطوة التي تلقي ظلالاً لن الشك على ادعاءات داوننغ ستريت ووايت هول (الحكومة البريطانية) ان العمل قد انجز.
يقوم الجيش العراقي بدوريات في المدينة منذ عشرة اشهر، وسوف يستمر في استضافة القوات البريطانية في فندق شط العرب حتى شهر تموز.
لن يبقى من القوات البريطانية سوى فريق هيكلي صغير في هذا الفندق الذي كان ذات مرة فندقا شاطئيا فخما واصبح اليوم –جزئيا– اطلالا.
وبينما كان الوجهاء العراقيون والبريطانيون مجتمعين في محفلهم، انفجرت قنبلة قرب منشأة نفطية في جنوب العراق، ما ادى الى مقتل ثلاثة رجال شرطة وثلاثة مدنيين. وكان العنف قد انخفض بشدة في عموم مناطق جنوب العراق، ولكن اعمال العنف تشتعل بين الحين والآخر بالتزامن مع الاحداث الكبيرة.
وقد بلغ العدد الكلي لقتلى القوات البريطانية في هذا الصراع 179 فردا. وقد وجه قائد عمليات البصرة الجديد، اللواء محمد، التحية لهم، مدعيا ان تضحياتهم قد قادت الى تحول كبير في الجنوب. واضاف: «يغادرنا البريطانيون كاصدقاء. يجب ان يكونوا فخورين بما انجزوه. لقد فازوا باحترامنا، وتقدير الشعب العراقي العالي لجهودهم.»
سوف يتسلم القائد الاميركي السيطرة على المطار رسميا يوم الثلاثاء. وقال الوايت هول انه سوف يسحب جميع القوات البريطانية تدريجيا بين الحين والاخر، غير انه لم يعط جدولا زمنيا.
سوف يؤدي التسليم الرسمي الى تحول القوات البريطانية من شريك رئيس في جنوب العراق الى قوات ثانوية، على الرغم من بقاء القوات القتالية على اهبة الاستعداد، مع استمرار انسيابية انسحاب القوات الباقية والبالغ عددها 100عسكري من الان وحتى نهاية تموز. وهي أول المؤشرات المهمة على نهاية الحملة التي قاتلت طويلا من اجل الشرعية في العقل الشعبي البريطاني، وسط الشكوك القائمة حول صلاحها وآثارها.
ترجمة: علاء غزالة
حلت بداية النهاية مع وليمة، واستعراض عسكري تحت السماء الغائمة، وسمكة ذهبية مرصعة بالجواهر.
بدأ انسحاب الجيش البريطاني من العراق ، بعد ست سنوات اعتبرت فيها بريطانيا صديقا وعدوا، محررا ومحتلا، رسميا حينما سلمت القوات البريطانية آخر قواعدها العسكرية الباقية في البصرة، وهي القاعدة في فندق شط العرب.وسوف يسلم الجيش كذلك قاعدته الرئيسة الى الجيش الاميركي، ما يفتح الطريق امام انسحاب كامل مع اوائل الصيف وانهاء احد اكبر اختبارات الجيش البريطاني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتضمن الحفل الذي اقيم يوم امس عرضا لفرقة البحرية الملكية البريطانية، والتي طارت من مدينة كورنويل في المملكة المتحدة، لتقدم عروضها امام مجموعة من الشيوخ وقادة الشرطة. كما جرى في الحفل تبادل الهدايا.
وقد تم تقديم الهدية وهي سمكة السلمون الذهبية المدهشة الى الميجر جنرال اندي سلمون، والذي سلم المهام الامنية الى فرقة عسكرية عراقية عملت القوات البريطانية على تدريبها خلال العامين الماضيين. وقد اشاد الجنرال بالانتخابات المحلية التي جرت مؤخرا في العراق، وحياها باعتبارها نجاحا ديمقراطيا، برغم المزاعم حول التلاعب بنتائجها، والتحقيقات الاخيرة لتصرفات بعض المرشحين من قبل هيئة النزاهة العراقية.
كما ادعى ان القوات البريطانية فخورة في الوصول الى «نهاية ناجحة» للحرب في العراق، وقال ان قرار اسقاط نظام صدام كان صائبا. واضاف: «لقد حافظنا على المسار، وتكبدنا الصعاب، وتشاركنا مع كل شخص، واقتنصنا فرصنا، وتكيفنا على طول الخط.»
واستطرد: «استطيع ان اضع يدي على قلبي واقول اننا انهينا ذلك بالشكل الصحيح. واستطيع ايضا ان اقول اننا مررنا ببعض الاوقات الصعبة، ومن ثم خرجنا منها. وقد مر الجميع هنا بمثل ذلك. ولكننا نستطيع جميعا ان نرفع رؤوسنا عاليا ونقول ان الامر كان يستحق العناء.»
وقد اصر الجيش على مدى الاشهر الثمانية عشر الماضية ان الجيش العراقي قد اختلف كثيرا عن ذلك الجيش الذي كان موجودا وقت حرب عام 2003. كما يدعي الجيش ان البصرة اصبحت اكثر امنا واستقرارا. وهذان هما انجازان مهّدا الطريق امام خروج القوات البريطانية.
على كل حال، سوف يتولى الجيش الاميركي ملء الفجوة التي ستتركها مغادرة القوات البريطانية، وهي الخطوة التي تلقي ظلالاً لن الشك على ادعاءات داوننغ ستريت ووايت هول (الحكومة البريطانية) ان العمل قد انجز.
يقوم الجيش العراقي بدوريات في المدينة منذ عشرة اشهر، وسوف يستمر في استضافة القوات البريطانية في فندق شط العرب حتى شهر تموز.
لن يبقى من القوات البريطانية سوى فريق هيكلي صغير في هذا الفندق الذي كان ذات مرة فندقا شاطئيا فخما واصبح اليوم –جزئيا– اطلالا.
وبينما كان الوجهاء العراقيون والبريطانيون مجتمعين في محفلهم، انفجرت قنبلة قرب منشأة نفطية في جنوب العراق، ما ادى الى مقتل ثلاثة رجال شرطة وثلاثة مدنيين. وكان العنف قد انخفض بشدة في عموم مناطق جنوب العراق، ولكن اعمال العنف تشتعل بين الحين والآخر بالتزامن مع الاحداث الكبيرة.
وقد بلغ العدد الكلي لقتلى القوات البريطانية في هذا الصراع 179 فردا. وقد وجه قائد عمليات البصرة الجديد، اللواء محمد، التحية لهم، مدعيا ان تضحياتهم قد قادت الى تحول كبير في الجنوب. واضاف: «يغادرنا البريطانيون كاصدقاء. يجب ان يكونوا فخورين بما انجزوه. لقد فازوا باحترامنا، وتقدير الشعب العراقي العالي لجهودهم.»
سوف يتسلم القائد الاميركي السيطرة على المطار رسميا يوم الثلاثاء. وقال الوايت هول انه سوف يسحب جميع القوات البريطانية تدريجيا بين الحين والاخر، غير انه لم يعط جدولا زمنيا.
سوف يؤدي التسليم الرسمي الى تحول القوات البريطانية من شريك رئيس في جنوب العراق الى قوات ثانوية، على الرغم من بقاء القوات القتالية على اهبة الاستعداد، مع استمرار انسيابية انسحاب القوات الباقية والبالغ عددها 100عسكري من الان وحتى نهاية تموز. وهي أول المؤشرات المهمة على نهاية الحملة التي قاتلت طويلا من اجل الشرعية في العقل الشعبي البريطاني، وسط الشكوك القائمة حول صلاحها وآثارها.
مخاوف من فوضى تعقب إغلاق السجون الأميريكية في العراق..النزلاء السابقون يعيدون نشاطهم
عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة
مهد إطلاق سراح المئات من السجناء في معتقل بوكا، وهو السجن الذي تديره الولايات المتحدة في جنوبي العراق، الطريق لاعادة احياء المليشيات والتمرد في البصرة وبغداد والمناطق الممتدة على طول نهر الفرات، وذلك حسبما افاد قادة الشرطة ومسؤولو الاستخبارات في وزارة الداخلية بالاضافة الى المواطنين المحليين. وعلى الرغم من انه لا احد يتوقع العودة الى فترة الفوضى والاقتتال الطائفي التي شهدتها البلاد في عامي 2006 و2007، حينما كان يُعثر على عدد من الجثث ملقاة في الطرقات كل يوم، الا ان المسؤولين يرون ان هذه المجاميع كانت تستعد لبدء الانسحاب الاميركي.
وللمفارقة فان هذا التحذير يأتي مع بداية نهاية التواجد الاميركي هنا. فبينما تعمل الولايات المتحدة على تفكيك سجن بوكا، وهو المكان الذي وصفه العديدون على انه اجهاض مقرف للعدالة حيث لم توجه التهم الى السجناء ولم يسمح لهم بالاطلاع على الادلة ضدهم، فان العديد من المطلق سراحهم قد ينتهون الى الانضمام الى التمرد الذي خبا اواره.
يتحدث بعض النزلاء السابقين في معتقل بوكا، في المناطق التي تفتقر إلى ابسط الاحتياجات ببغداد، يتحدثون عن الانتقام. بينما يتحدث آخرون عن تحولهم حينما كانوا في السجن و يسود المنطقة الخاوية المحيطة بالكرمة جو من عدم اليقين، تلك المدينة التي تعصف بها الرياح الجافة لتذرها يبابا، مثلما جفاها القانون، حيث يستعد السكان المحليون من عودة العشرات من المقاتلين، بينما يقر رجال مثل العقيد سعد عباس محمود، قائد شرطة المدينة، علنا بانهم لا يستطيعون مجاراة توافد هؤلاء المعتقلين السابقين.
يقول العقيد محمود، الذي يدعوه مساعدوه باسم (ابو قتيبة)، ولكنهم يطرقون كعوب احذيتهم عندما يدخلون عليه: «لم يكن هؤلاء الرجال يزرعون الزهور في الحدائق. ولم يكونوا يتنزهون في الطرقات. هذه مشكلة كبيرة وخطيرة في آن واحد. ولكن الحكومة العراقية، للاسف، لا تدرك المدى الذي وصلت اليه هذه المشكلة.»
وكانت الولايات المتحدة قد اعتقلت، منذ ان قادت الحرب التي اسقطت صدام في نيسان من عام 2003، حوالي مائة الف شخص في البلاد. وقد وصل عدد المعتقلين بسجن بوكا، وهو معتقل شاسع المساحة بالقرب من الحدود الكويتية جنوب العراق، في الفترة التي شهدت اكبر عديد للقوات الاميركية نحو 26,000 نزيل. لكن هذه الرقم انخفض الى 9,600 نزيل. وقد بلغ اجمالي عدد النزلاء الذي اطلق سراحهم منذ الاول من كانون الثاني نحو 2,000 معتقل، ويخطط الجيش الاميركي لاغلاق المعسكر مع حلول فصل الصيف.
وقد اطلق سراح 106 من المعتقلين في بغداد في احتفال بهيج اقيم يوم الخميس الماضي، حيث تم اصطحابهم الى جامع ام القرى، وقد ماجت العوائل في شجون وصياح وبكاء بينما كان المعتقلون تسلمون اوراقهم الثبوتية.
يقول سعد نعمة، وهو يمسك يد ولده رعد، الذي كان مسجونا لمدة 18 شهرا: «ان معظم المعتقلين ابرياء، تماما مثل ولدي. لقد بكيت اليوم فرحا.»
لكن العقيد داود حمود، نائب قائد شرطة الفلوجة، يقول ان محمد علي مراد ليس بريئا، وهو الذي عمل سائقا لدى ابو مصعب الزرقاوي، قائد المجموعة المتمردة التي أطلق عليها تسمية (القاعدة في العراق)، والذي قتل في حزيران من عام 2006.
وقد تم احتجاز مراد بعد ان غادر سجن بوكا، لكن القاضي اطلق سراحه. ويعتقد انه يدير خلية متمردين في بغداد بالتعاون مع مسجونين سابقين آخرين. ويتهم العقيد حمود هذا السجين السابق بتدبير الهجوم الذي وقع في 4 كانون اول الماضي، بان ارسل شاحنتين محملتين بالمتفجرات استهدفتا مركزا للشرطة، ما ادى الى مقتل 15 شخصا.
يقول حمود، وهو ضابط شرطة سابق في عهد صدام، ويعمل حاليا في موقع يمتلئ بسيارات البي ام دبليو والتيوتا والاوبل والشيفروليه التي تم استخدامها كسيارات مفخخة: «لدينا معلومات انه وخليته دبروا هذا الهجوم.»
ويخمن حمود ان عدد الذين سوف يعودون الى الفلوجة، التي كانت يوما مهدا للتمرد، سيبلغ المئات. ويقدر انه قد حاول ان يعتقل 10 بالمئة من الذين اطلق سراحهم، لكنه يقر بان عددا لا يتجاوز اصابع اليدين من هؤلاء المقاتلين قادرون على اشاعة العنف.
ويقول: «بالطبع انهم يمثلون مسرحا للعمليات.»
بيد ان مسؤولا رفيعا في استخبارات وزارة الداخلية يقول ان العدد اكبر من ذلك بكثير، وان المشكلة اكثر هولا. ويقول ان «المجاميع الخاصة» التي تشكلت بين صفوف المليشيات والتي تؤيد الحكم الذاتي، اصبحت تعيد تنظيم نفسها في البصرة، وبدرجة اقل في بغداد. ويضيف ان جهود المتمردين تحت مظلة القاعدة ربما كانت اكثر درامية لاعادة تشكيل نفسها في الاحياء الجنوبية والغربية من العاصمة، ومن ثم في منطقة الكرمة الواقعة الى الغرب من بغداد.
ويقول: «لقد اضحت هذه الاماكن خطرا على الحكومة. فالقاعدة تحضر نفسها لرحيل الاميركيين. وهم يخططون لتنفيذ ثورة.»
ويؤكد ان نسبة 60 بالمئة من الذين اطلق سراحهم في هذه المناطق يعودون الى القتال. غير ان العقيد محمود من الكرمة يرى هذه النسبة في منطقته تصل الى 90 بالمئة.
ويسكن محمود في قلعة حصينة تحيطها جدران من الاكياس الرملية في الكرمة التي يقود شرطتها. وهو رجل مميز، اذ يقول ان عدد المرات التي تعرض فيها الى محاولة الاغتيال وصلت الى خمس وعشرين. وربما كانت آخر مرة تعرض فيها الى محاولة اغتيال هي الاكثر ابداعا ايضا: فقد ارسل اليه المصحف الشريف وقد اخفيت المتفجرات بين دفتي غلافه الاخضر، مدفونة بين اوراقه. وبعد اقل من اسبوعين، جرى تسميم طبقه من (الدليمية)، وهي خليط من الدجاج ولحم الضأن وقطع من الدهن الحيواني والرز، ما اجبره على النزول في المستشفى لمدة عشرة ايام. وحينما خرج من المستشفى، استهدف بتفجير قنبلتين قرب منزله في الفلوجة.
يقول: «الحمد لله، لم يصب احد بمكروه.»
وقد تم اختطاف احد اخوته، بينما قتل الاخر في تفجير قنبلة في العام الماضي.
يقول محمود: «لم يتسن لنا ان نجمع كليوغراما واحدا من لحمه.»
فتح حقيبته ليستخرج صورتين، احدهما لرأس مقطوع لاحد المفجرين الانتحاريين، وقد ظلت عيناه مفتوحتين، والاخرى لجثة انتحاري وقد افرغت احشاؤه.
يشرف محمد على 3,000 من رجال الصحوة، وهي المجاميع العشائرية التي ساندتها القوات الاميركية، والتي يطلق عليها احيانا تسمية (ابناء العراق) والتي ساعدت في هزيمة تنظيم القاعدة في العراق في المناطق الساخنة . ولكنه يقول ان راتب كل فرد لا يتعدى مبلغ 130 دولاراً في الشهر، «وهو لا يكفي لشراء سجائرهم»، على حد قوله. ومع ذلك، فانهم لم يتسلموا رواتبهم في الأشهر الثلاث الماضية. ويبلغ تعداد القوات الامنية الاخرى في المنطقة 500 فرد فقط، ولكنه يقول ان نصفهم قد فروا من الخدمة.
يقول محمود انه في نفس الوقت يعود المعتقلون من بوكا. وقد القت قواته القبض على 70 من المسجونين السابقين منذ اجراء الانتخابات المحلية في 31 كانون الثاني. ويؤكد ان بعض هؤلاء المعتقلين قد ركزوا جهودهم على محاولة اجتذاب عناصر الصحوة الغاضبين الى جانبهم من جديد. كـُتب على منشور موقع باسم (صحوة الشباب المسلم) ووجد في الكرمة: «نرجوكم ان تعودوا الى ايمانكم، وسوف نستقبلكم بقلوبنا وايادينا المفتوحة. وان لم تعودوا، فسوف نأتيكم برجال يحبون الموت كما تحبون الحياة.»
احد هؤلاء الرجال الذي اعتقلهم محمود اسمه صلاح خضير.
وقد امضى سبعة أشهر في بوكا بعد ان اكتشف الجنود اربعة الغام في شاحنته. وقد اعيد الى السجن في عام 2008 بعد ان قبض عليه وهو يزرع القنابل التي تستهدف دورية اميركية. وقد اطلق سراحه هذا الشهر. وبعد خمسة ايام اعتقل مرة ثانية، بعد انفجار قنبلة على جانب الطريق، والتي تقول الشرطة انها تحمل بصمته في صنع القنابل.
قال خضير لضابط الشرطة، وهو يهز برأسه: «انا بريء.»
واضاف هذا الشاب النحيف الذي يبلغ 22 عاما من العمر: «انا رجل مسالم.»
اجاب محمود: «انه خبير في زراعة القنابل.»
بعد ان انصرف خضير، سلمنا محمود رسالة يقول فيها ان خضير ارسلها الى اخيه.
وكتب في لغة طفولية وبخط بالكاد يقرأ: «اذا كنت تعتقد اني ساهجر الجهاد، فاني اقول اني قد نذرت نفسي الى الله وبارادته سوف افعل أي شيء.»
وقد وقع الرسالة: «صلاح، قنبلة جانب الطريق.»
غير ان هناك حقيقة واحدة لدى السجناء السابقين من الكرمة واجزاء من بغداد تتمثل في ان الكثير منهم قد اعتقلوا في الوقت الذي كان الوجود الاميركي يعد احتلالاً بما لا يقبل الجدل، وان التمرد ضد الاميركيين كان يحظى بالاسناد. والسؤال ليس فيما اذا كانوا يريدون الانتقام وانما متى سيسعون الى الانتقام.
وفي حي الامين ، لايزال في نفس انور عباس شيء تجاه رجل الشرطة الذي اعتقله.
فهو يعلن قائلا: «اريد ان اقتله. ليس هناك تعويض كاف يدفعه لي بخلاف قتله. انه ليس عراقياً ماذا اعني؟ انه جاسوس، ولا احد يقبل جاسوسا.»
وقد اطلق سراح عباس في الاسبوع الماضي، بعد ان امضى قرابة عامين في بوكا. ولم يستطع ابنه الاكبر، البالغ ثلاثة اعوام من العمر ان يتعرف عليه. يقول: «لا ينفك يسأل امه عني من اكون». اما ابنه الاصغر، واسمه منتظر، فقد ولد بينما كان في السجن.
انكر عباس بادئ الامر انه مقاتل. لكن كاظم سعدي، غمزه بعينه. فما كان من عباس، بعد أن غمرته الثقة مجددا، الا ان يتحدث تملؤه طاقة التحول.
وأضاف عباس: «لم ينته القتال. انها مجرد هدنه مؤقتة.»
وكان المسؤولون الاميركيون قد اعربوا عن قلقهم منذ فترة طويلة من ان سجن بوكا بات مدرسة للمتمردين، وقد حاولوا ان يتخذوا خطوات للتصدي لذلك. لكن عباس يقول انه في القسم الذي كان يشغله من السجن درّس سعدي، وهو رجل دين، فقه القانون والدراسات القرآنية واللغة العربية وحتى الادب.
ويعتقد سعدي انه اجتذب 80 رجلا خلال السنة التي قضاها في بوكا.
ويقول: «افتتحنا، بعون الله، معهدنا في سجن اميركي.»
احد تلامذته، واسمه سيف طعمة كان قد حظي بنصيب من الشهرة عندما ظهرت صورته في مجلة تايم عام 2004. ونشر المقال تحت عنوان: «استعادة الشوارع.» وظهرت في هذا المقال صورة طعمة على رأس مجموعة من رجال الشرطة وهم يقومون بدورية.»
وبعد عامين تعرض للاعتقال بعد ان داهمت دورية مشتركة للقوات الاميركية والعراقية منزله لتعتقل صديقا لاحد اصدقائه كان يزوره. وقد انتهى به المطاف في بوكا لمدة 19 شهرا.
وطعمة هذا هو رجل بدين بلحية مدببة على الذقن وقد بدت خيوط من الشيب فوق أذنيه .يتحدث عن نفسه قائلا: «لم اكن ملتزما من قبل. لم اكن اؤدي الصلاة والصوم. وكنت احب الفتيات. وكنت احب الشراب. اقول ذلك بصراحة. لقد علموني الصلاة وعبادة الله. لو لم يعلموني ذلك، لبقيت اعيش حياة الضلال. انهم اناس طيبون؛ رجال ممتازون.»
ويقول ان عشرين من رفاقه في سجن بوكا شعروا بنفس الشيء.
ترجمة: علاء غزالة
مهد إطلاق سراح المئات من السجناء في معتقل بوكا، وهو السجن الذي تديره الولايات المتحدة في جنوبي العراق، الطريق لاعادة احياء المليشيات والتمرد في البصرة وبغداد والمناطق الممتدة على طول نهر الفرات، وذلك حسبما افاد قادة الشرطة ومسؤولو الاستخبارات في وزارة الداخلية بالاضافة الى المواطنين المحليين. وعلى الرغم من انه لا احد يتوقع العودة الى فترة الفوضى والاقتتال الطائفي التي شهدتها البلاد في عامي 2006 و2007، حينما كان يُعثر على عدد من الجثث ملقاة في الطرقات كل يوم، الا ان المسؤولين يرون ان هذه المجاميع كانت تستعد لبدء الانسحاب الاميركي.
وللمفارقة فان هذا التحذير يأتي مع بداية نهاية التواجد الاميركي هنا. فبينما تعمل الولايات المتحدة على تفكيك سجن بوكا، وهو المكان الذي وصفه العديدون على انه اجهاض مقرف للعدالة حيث لم توجه التهم الى السجناء ولم يسمح لهم بالاطلاع على الادلة ضدهم، فان العديد من المطلق سراحهم قد ينتهون الى الانضمام الى التمرد الذي خبا اواره.
يتحدث بعض النزلاء السابقين في معتقل بوكا، في المناطق التي تفتقر إلى ابسط الاحتياجات ببغداد، يتحدثون عن الانتقام. بينما يتحدث آخرون عن تحولهم حينما كانوا في السجن و يسود المنطقة الخاوية المحيطة بالكرمة جو من عدم اليقين، تلك المدينة التي تعصف بها الرياح الجافة لتذرها يبابا، مثلما جفاها القانون، حيث يستعد السكان المحليون من عودة العشرات من المقاتلين، بينما يقر رجال مثل العقيد سعد عباس محمود، قائد شرطة المدينة، علنا بانهم لا يستطيعون مجاراة توافد هؤلاء المعتقلين السابقين.
يقول العقيد محمود، الذي يدعوه مساعدوه باسم (ابو قتيبة)، ولكنهم يطرقون كعوب احذيتهم عندما يدخلون عليه: «لم يكن هؤلاء الرجال يزرعون الزهور في الحدائق. ولم يكونوا يتنزهون في الطرقات. هذه مشكلة كبيرة وخطيرة في آن واحد. ولكن الحكومة العراقية، للاسف، لا تدرك المدى الذي وصلت اليه هذه المشكلة.»
وكانت الولايات المتحدة قد اعتقلت، منذ ان قادت الحرب التي اسقطت صدام في نيسان من عام 2003، حوالي مائة الف شخص في البلاد. وقد وصل عدد المعتقلين بسجن بوكا، وهو معتقل شاسع المساحة بالقرب من الحدود الكويتية جنوب العراق، في الفترة التي شهدت اكبر عديد للقوات الاميركية نحو 26,000 نزيل. لكن هذه الرقم انخفض الى 9,600 نزيل. وقد بلغ اجمالي عدد النزلاء الذي اطلق سراحهم منذ الاول من كانون الثاني نحو 2,000 معتقل، ويخطط الجيش الاميركي لاغلاق المعسكر مع حلول فصل الصيف.
وقد اطلق سراح 106 من المعتقلين في بغداد في احتفال بهيج اقيم يوم الخميس الماضي، حيث تم اصطحابهم الى جامع ام القرى، وقد ماجت العوائل في شجون وصياح وبكاء بينما كان المعتقلون تسلمون اوراقهم الثبوتية.
يقول سعد نعمة، وهو يمسك يد ولده رعد، الذي كان مسجونا لمدة 18 شهرا: «ان معظم المعتقلين ابرياء، تماما مثل ولدي. لقد بكيت اليوم فرحا.»
لكن العقيد داود حمود، نائب قائد شرطة الفلوجة، يقول ان محمد علي مراد ليس بريئا، وهو الذي عمل سائقا لدى ابو مصعب الزرقاوي، قائد المجموعة المتمردة التي أطلق عليها تسمية (القاعدة في العراق)، والذي قتل في حزيران من عام 2006.
وقد تم احتجاز مراد بعد ان غادر سجن بوكا، لكن القاضي اطلق سراحه. ويعتقد انه يدير خلية متمردين في بغداد بالتعاون مع مسجونين سابقين آخرين. ويتهم العقيد حمود هذا السجين السابق بتدبير الهجوم الذي وقع في 4 كانون اول الماضي، بان ارسل شاحنتين محملتين بالمتفجرات استهدفتا مركزا للشرطة، ما ادى الى مقتل 15 شخصا.
يقول حمود، وهو ضابط شرطة سابق في عهد صدام، ويعمل حاليا في موقع يمتلئ بسيارات البي ام دبليو والتيوتا والاوبل والشيفروليه التي تم استخدامها كسيارات مفخخة: «لدينا معلومات انه وخليته دبروا هذا الهجوم.»
ويخمن حمود ان عدد الذين سوف يعودون الى الفلوجة، التي كانت يوما مهدا للتمرد، سيبلغ المئات. ويقدر انه قد حاول ان يعتقل 10 بالمئة من الذين اطلق سراحهم، لكنه يقر بان عددا لا يتجاوز اصابع اليدين من هؤلاء المقاتلين قادرون على اشاعة العنف.
ويقول: «بالطبع انهم يمثلون مسرحا للعمليات.»
بيد ان مسؤولا رفيعا في استخبارات وزارة الداخلية يقول ان العدد اكبر من ذلك بكثير، وان المشكلة اكثر هولا. ويقول ان «المجاميع الخاصة» التي تشكلت بين صفوف المليشيات والتي تؤيد الحكم الذاتي، اصبحت تعيد تنظيم نفسها في البصرة، وبدرجة اقل في بغداد. ويضيف ان جهود المتمردين تحت مظلة القاعدة ربما كانت اكثر درامية لاعادة تشكيل نفسها في الاحياء الجنوبية والغربية من العاصمة، ومن ثم في منطقة الكرمة الواقعة الى الغرب من بغداد.
ويقول: «لقد اضحت هذه الاماكن خطرا على الحكومة. فالقاعدة تحضر نفسها لرحيل الاميركيين. وهم يخططون لتنفيذ ثورة.»
ويؤكد ان نسبة 60 بالمئة من الذين اطلق سراحهم في هذه المناطق يعودون الى القتال. غير ان العقيد محمود من الكرمة يرى هذه النسبة في منطقته تصل الى 90 بالمئة.
ويسكن محمود في قلعة حصينة تحيطها جدران من الاكياس الرملية في الكرمة التي يقود شرطتها. وهو رجل مميز، اذ يقول ان عدد المرات التي تعرض فيها الى محاولة الاغتيال وصلت الى خمس وعشرين. وربما كانت آخر مرة تعرض فيها الى محاولة اغتيال هي الاكثر ابداعا ايضا: فقد ارسل اليه المصحف الشريف وقد اخفيت المتفجرات بين دفتي غلافه الاخضر، مدفونة بين اوراقه. وبعد اقل من اسبوعين، جرى تسميم طبقه من (الدليمية)، وهي خليط من الدجاج ولحم الضأن وقطع من الدهن الحيواني والرز، ما اجبره على النزول في المستشفى لمدة عشرة ايام. وحينما خرج من المستشفى، استهدف بتفجير قنبلتين قرب منزله في الفلوجة.
يقول: «الحمد لله، لم يصب احد بمكروه.»
وقد تم اختطاف احد اخوته، بينما قتل الاخر في تفجير قنبلة في العام الماضي.
يقول محمود: «لم يتسن لنا ان نجمع كليوغراما واحدا من لحمه.»
فتح حقيبته ليستخرج صورتين، احدهما لرأس مقطوع لاحد المفجرين الانتحاريين، وقد ظلت عيناه مفتوحتين، والاخرى لجثة انتحاري وقد افرغت احشاؤه.
يشرف محمد على 3,000 من رجال الصحوة، وهي المجاميع العشائرية التي ساندتها القوات الاميركية، والتي يطلق عليها احيانا تسمية (ابناء العراق) والتي ساعدت في هزيمة تنظيم القاعدة في العراق في المناطق الساخنة . ولكنه يقول ان راتب كل فرد لا يتعدى مبلغ 130 دولاراً في الشهر، «وهو لا يكفي لشراء سجائرهم»، على حد قوله. ومع ذلك، فانهم لم يتسلموا رواتبهم في الأشهر الثلاث الماضية. ويبلغ تعداد القوات الامنية الاخرى في المنطقة 500 فرد فقط، ولكنه يقول ان نصفهم قد فروا من الخدمة.
يقول محمود انه في نفس الوقت يعود المعتقلون من بوكا. وقد القت قواته القبض على 70 من المسجونين السابقين منذ اجراء الانتخابات المحلية في 31 كانون الثاني. ويؤكد ان بعض هؤلاء المعتقلين قد ركزوا جهودهم على محاولة اجتذاب عناصر الصحوة الغاضبين الى جانبهم من جديد. كـُتب على منشور موقع باسم (صحوة الشباب المسلم) ووجد في الكرمة: «نرجوكم ان تعودوا الى ايمانكم، وسوف نستقبلكم بقلوبنا وايادينا المفتوحة. وان لم تعودوا، فسوف نأتيكم برجال يحبون الموت كما تحبون الحياة.»
احد هؤلاء الرجال الذي اعتقلهم محمود اسمه صلاح خضير.
وقد امضى سبعة أشهر في بوكا بعد ان اكتشف الجنود اربعة الغام في شاحنته. وقد اعيد الى السجن في عام 2008 بعد ان قبض عليه وهو يزرع القنابل التي تستهدف دورية اميركية. وقد اطلق سراحه هذا الشهر. وبعد خمسة ايام اعتقل مرة ثانية، بعد انفجار قنبلة على جانب الطريق، والتي تقول الشرطة انها تحمل بصمته في صنع القنابل.
قال خضير لضابط الشرطة، وهو يهز برأسه: «انا بريء.»
واضاف هذا الشاب النحيف الذي يبلغ 22 عاما من العمر: «انا رجل مسالم.»
اجاب محمود: «انه خبير في زراعة القنابل.»
بعد ان انصرف خضير، سلمنا محمود رسالة يقول فيها ان خضير ارسلها الى اخيه.
وكتب في لغة طفولية وبخط بالكاد يقرأ: «اذا كنت تعتقد اني ساهجر الجهاد، فاني اقول اني قد نذرت نفسي الى الله وبارادته سوف افعل أي شيء.»
وقد وقع الرسالة: «صلاح، قنبلة جانب الطريق.»
غير ان هناك حقيقة واحدة لدى السجناء السابقين من الكرمة واجزاء من بغداد تتمثل في ان الكثير منهم قد اعتقلوا في الوقت الذي كان الوجود الاميركي يعد احتلالاً بما لا يقبل الجدل، وان التمرد ضد الاميركيين كان يحظى بالاسناد. والسؤال ليس فيما اذا كانوا يريدون الانتقام وانما متى سيسعون الى الانتقام.
وفي حي الامين ، لايزال في نفس انور عباس شيء تجاه رجل الشرطة الذي اعتقله.
فهو يعلن قائلا: «اريد ان اقتله. ليس هناك تعويض كاف يدفعه لي بخلاف قتله. انه ليس عراقياً ماذا اعني؟ انه جاسوس، ولا احد يقبل جاسوسا.»
وقد اطلق سراح عباس في الاسبوع الماضي، بعد ان امضى قرابة عامين في بوكا. ولم يستطع ابنه الاكبر، البالغ ثلاثة اعوام من العمر ان يتعرف عليه. يقول: «لا ينفك يسأل امه عني من اكون». اما ابنه الاصغر، واسمه منتظر، فقد ولد بينما كان في السجن.
انكر عباس بادئ الامر انه مقاتل. لكن كاظم سعدي، غمزه بعينه. فما كان من عباس، بعد أن غمرته الثقة مجددا، الا ان يتحدث تملؤه طاقة التحول.
وأضاف عباس: «لم ينته القتال. انها مجرد هدنه مؤقتة.»
وكان المسؤولون الاميركيون قد اعربوا عن قلقهم منذ فترة طويلة من ان سجن بوكا بات مدرسة للمتمردين، وقد حاولوا ان يتخذوا خطوات للتصدي لذلك. لكن عباس يقول انه في القسم الذي كان يشغله من السجن درّس سعدي، وهو رجل دين، فقه القانون والدراسات القرآنية واللغة العربية وحتى الادب.
ويعتقد سعدي انه اجتذب 80 رجلا خلال السنة التي قضاها في بوكا.
ويقول: «افتتحنا، بعون الله، معهدنا في سجن اميركي.»
احد تلامذته، واسمه سيف طعمة كان قد حظي بنصيب من الشهرة عندما ظهرت صورته في مجلة تايم عام 2004. ونشر المقال تحت عنوان: «استعادة الشوارع.» وظهرت في هذا المقال صورة طعمة على رأس مجموعة من رجال الشرطة وهم يقومون بدورية.»
وبعد عامين تعرض للاعتقال بعد ان داهمت دورية مشتركة للقوات الاميركية والعراقية منزله لتعتقل صديقا لاحد اصدقائه كان يزوره. وقد انتهى به المطاف في بوكا لمدة 19 شهرا.
وطعمة هذا هو رجل بدين بلحية مدببة على الذقن وقد بدت خيوط من الشيب فوق أذنيه .يتحدث عن نفسه قائلا: «لم اكن ملتزما من قبل. لم اكن اؤدي الصلاة والصوم. وكنت احب الفتيات. وكنت احب الشراب. اقول ذلك بصراحة. لقد علموني الصلاة وعبادة الله. لو لم يعلموني ذلك، لبقيت اعيش حياة الضلال. انهم اناس طيبون؛ رجال ممتازون.»
ويقول ان عشرين من رفاقه في سجن بوكا شعروا بنفس الشيء.
Wednesday, April 01, 2009
ست سنوات في العراق وثلاث قصص
عن: كريستيان ساينس مونيتر
ترجمة: علاء غزالة
بالنسبة الى السرجنت تود باورز فان الاعوام الست المنصرمة في العراق كانت انجازا وملحمة، جُمعت بافضل ما يكون في حياة رجل واحد، رجل عراقي يعرفه باسمه الاول فقط، مفيد.
كان عام 2005، وكانت الفلوجة، معقل التمرد، في حالة الحرب، حيث تحيل التفجيرات البنايات الى ركام بينما تشق الصواريخ عنان السماء. وفي وسط هذه الفوضى، يقول السرجنت باورز، الذي خدم مرتين في العراق: «جاءنا هذا الرجل العراقي وقال: كيف لي ان اساعدكم؟»
لقد كانت لحظة تأخذ الانفاس بالنسبة الى الوحدة التي خدم فيها باورز. يقول: «لقد كان حقا يمثل ذلك النوع من العلاقة التي تريد ان تبنيها على المستوى المحلي حتى يمكن لك ان تعكس المد.»
بعد ستة اعوام من الغزو الاميركي للعراق، ترمز خبرة باورز الى ما تعلمته اميركا، والى ما قدمه العراق من تضحيات. لقد حصل التقدم في العراق من خلال بناء علاقة تلو الاخرى. هذا الدرس من شأنه ان يغير من الطريقة التي يقاتل بها الجيش الاميركي في افغانستان وما بعدها. لكن (مفيد) قـُتل امام عائلته في وقت لاحق من ذلك العام لتعاونه مع الاميركيين. لقد تعلم باورز درسا هو بمثابة لمحة عن تكلفة الحرب على الشعب العراقي. خبا عمل العنف الاعمى الذي حصد روح (مفيد) والالاف من المدنيين العراقيين. كما انخفضت اعداد القتلى بين صفوف القوات الاميركية على السواء، بحيث باتت في ادنى مستوياتها منذ بداية الغزو عام 2003. وعلى الرغم ان عددا قليلا من الخبراء، ما خلا العراقيين منهم، يتحدثون عن النصر، فان الحكومة العراقية تأخذ بالتدريج مسؤولية اكبر عن شؤون بلدها. وتقدم الانتخابات الوطنية المقررة في نهاية هذا العام وعدا بتحقيق خطوة اخرى نحو الاستقرار والهدوء في العراق، وهو ما لم يشهده العراق منذ عقود عديدة. وهذا ما منح الرئيس اوباما الثقة ليقر خطته بسحب ثلثي القوات الاميركية البالغ عديدها 145,000 عسكري بحلول خريف عام 2010. وقد تم تأخير الانسحاب لغرض توفير اعظم تغطية امنية خلال الانتخابات.
لكن صورة العراق تشوبها ظلال اكثر اذا نظرنا اليها من خلال اعين ثلاثة اميركيين خدموا في العراق وتعرفوا الى البلاد عن قرب: الجندي باورز، وخبير اعادة الاعمار باول هيوز، والناشطة في مجال السلام نار-اوبيد. وفي الذكرى السادسة للغزو، فان وجهة نظرهم الذاتية تشير الى الانجازات مثل التي تحققت في الفلوجة، ولكن تشير ايضا الى الصعوبات التي ما يزال على البلاد ان تواجهها، من صعود تيار اسلامي محافظ، الى سبات التصدع الطائفي والذي قد يعود الى الحياة مع رحيل الاميركيين.
الجندي
كان باورز يعمل متدربا في مكتب النائب عن ولاية اريزونا جيم كولبي في مبنى الكابيتول هيل حينما تلقى بلاغ ارساله الى العراق اوائل عام 2003. وبعد اسبوع تم نقله على متن سفينة متجهة الى الكويت ليشترك في عملية غزو العراق.
وبدأ مسؤول العلاقات المدنية في اول دورة له في العراق بتكوين فكرة عن اهمية الحفاظ على امن المدنيين. لكن باورز لم يبدأ بادراك مدى حيوية العلاقات بين الولايات المتحدة والشعب العراقي في تحقيق الاستقرار للبلاد حتى عاد الى العراق في المرة الثانية، بعد ان درس اللغة العربية وشؤون الشرق الاوسط في جامعة جورج واشنطن، بالعاصمة الاميركية واشنطن. وبينما كان باورز يراقب تعاقب الاحداث، بضمنها تشويه واحراق المتعاقدين الاميركيين الاربعة في الفلوجة علنا عام 2004، وجد نفسه يتساءل: «كيف يمكن ان تسير الامور بهذا السوء؟»
كان هذا في نفس الوقت الذي بدأ المسؤولون الاميركيون، بضمنهم اولئك العاملون في البنتاغون، في مناقشة الحاجة الى طريقة مختلفة في العراق، هذا التفكير الذي قاد الى ما يعرف بـ»زيادة القوات الاميركية القتالية»، والتركيز على الفوز باسناد الشعب المحلي. ولاحت الفرصة لباورز، هذا الرجل النحيل ذو النظرات الثاقبة، في توظيف مبدأ «المدنيين اولا» في غضون خدمته في الفلوجة. يقول انه اختبار صعب، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هدف المعركة كان التخلص من المتعاطفين مع القاعدة، والذين باتوا يهيمنون على المدينة. ويضيف: «ليس من السهل ان تبني العلاقات التي تنشد النجاح على المدى الطويل حينما يبدو ان كل ما تفعله هو ان تقصف المدينة مرارا وتكرار.»
وربما لم يتمكن من فعل ذلك من دون (مفيد).
يقول باورز انه كان رابطا حيويا لبناء الثقة، وقد ساعد الاميركيين على التواصل مع وجهاء الفلوجة النافذين، والذين ارادوا التحرر من التمرد المتأثر بالقاعدة.
ويضيف قائلا: «لقد ساعدنا في تكوين النقطة الحيوية التي طالما سعينا لتكوينها. ذلك ليس بان تقوم الولايات المتحدة باشياء مثل اعادة بناء الخدمات او تشكيل المجالس المحلية للعراقيين، لكن ان يقوم العراقيون بانفسهم بعمل هذه الاشياء.» سمع باورز تقارير في الفترة الاخيرة ان جنود المارينز في الفلوجة يقومون بدورياتهم من دون ارتداء خوذهم. يعرف من هذا ان عمله، وعمل (مفيد)، قد تكلل بالنجاح. يقول باورز، وهو يعمل حاليا مدير الشؤون الحكومية لقدامى المحاربين الاميركيين في العراق وافغانستان: «مازال امامنا طريق نسلكه، لكن ما بقي من هذا المسار يجب ان يكون اسهل نتيجة ما تعلمناه.» يقول باورز، وهو يستعد لمشاركته الحربية الثالثة، هذه المرة في افغانستان في وقت لاحق من هذا العام، انه سيحمل درسا اساسيا واحدا معه: «التواصل بطريق المصافحة لا برمي النبال، هو الاكثر تأثيرا في الدوام في عمليات مقارعة التمرد.»
خبير اعادة الاعمار
جاء السيد هيوز الى العراق ثماني مرات منذ بدء الغزو. فقد شارك مع الجيش، وشارك كخبير في اعادة الاعمار، واصطحب مجموعة دراسة العراق في رحلة تقصي الحقائق عام 2005. ولكن ما يتذكره هو لحظتان تشيران إلى الفشل الأولى والنجاح اللاحق الذان دمغا الحملة الأميركية في العراق.
اللحظة الأولى تبدأ في حفلة شواء في مقر القوات الأميركية في بغداد أواخر أيار عام 2003، أي بعد نحو عشرة اسابيع من الغزو في 19 آذار. وجاءت الاخبار ان هجوما وقع على عربتين مصفحيتن اميركيتين قد ادى الى مقتل جنديين اميركيين في طريق المطار.
وقد كانت تلك، في عقل هيوز، بداية التمرد. وجاء الحادث بعد خمسة ايام فقط من القرار العليل الذي اصدرته الولايات المتحدة بحل الجيش العراقي. وهو يقول ان الامرين متصلان. فما اعتقده الكثير من المسؤولين الاميركيين خطأَ انه سيكون اسقاطا سريعا لنظام صدام حسين اصبح في الواقع حربا طويلة لا يمكن التنبؤ بها. يقول هيوز، والذي كان في آيار يعمل ببغداد مساعدا لاول مسؤول اداري اميركي بعد الغزو، الجنرال جاي غارنر: «لقد كان ذلك مؤشرا على ما سيأتي.» ولكنه لم يشعر بان التغييرات المهمة في سياسة الولايات المتحدة قد اخذت تؤتي ثمارها الا بعد اربعة اعوام، وذلك في اثناء خدمته في المحمودية، وهي المنطقة التي اطلق عليها تسمية «مثلث الموت» في جنوب غربي بغداد. وقد عانى اللواء الاميركي الذي تم ارساله لتأمين المنطقة خلال الفترة التي شهدت زيادة القوات مصاعب في تحقيق أي تقدم في علاقتها مع السكان المحليين. وكان الجنود يُقتلون ويُختطفون. ولا يعمل القادة المحليون مع نظرائهم. ولكن بعد اشهر عديدة من الجهود المضنية تم التوصل الى خطة للمصالحة. يقول هيوز، الذي يعمل الان مدير برنامج اقدم في المعهد الاميركي للسلام، وهي مؤسسة فكرية في واشنطن تركز على منع الصراعات واعادة الاعمار بعد الصدامات: «لقد كان ما وقعه قادة المحمودية اساسا هو اتفاق للسلام، وقد اصبحت تعرف بين العراقيين على انها (انموذج المحمودية)». يقول هيوز ان هذه التجربة، وتجارب اخرى مماثلة، قد علمت الاميركيين درسين. الاول مدى قصور التحضيرات التي جهزوها لفترة ما بعد الصراع. والثاني المدى الزمني الضروري لوجودهم في العراق على مدى السنوات القادمة. ويضيف: «أصبحنا نعي تماما هنا، في الولايات المتحدة، عدم جاهزيتنا لظروف ما بعد الصراع.» لكنه يستدرك انه في نفس الوقت «هناك أيضا متطلبات لبقاء الاميركيين في العراق لفترة من الزمن، طالما كان العراقيون يطالبون به ويوافقون عليه.»
ويمضي الى القول: «تتمثل مسؤوليتنا في مساعدتهم على تخطي الصعاب التي تواجههم في بناء مجتمعهم وتحقيق الاستقرار له ونشر العدالة بينه، وفي بناء اقتصاد سوق حر ومفتوح.» لكن ذلك يعني ان على الولايات المتحدة ان تتعلم من خلال هذه العملية بنفس القدر الذي يتعلمه العراقيون، وهي الدروس التي ربما تكون قادرة على تطبيقها في افغانستان واماكن اخرى. كما يأمل هيوز في ان يؤدي تحويل التركيز العسكري عن العراق الى كشف عراق آخر للاميركيين. ويقول: «اتذكر اني كنت اقود السيارة قرب كربلاء (في جنوب العراق) حينما اشار المترجم من خلال النافذة وقال (هذا ضريح النبي اسحاق)، او ما قيل لي عن مكان محتمل لمخبأ دانيل في مدينة بابل الاثرية. هذه المعالم هي ما يود الكثير من الاميركيين ان يشاهدوه، وهو العراق الذي يريدون ان يَخبروه.»
ناشطة السلام
حينما عادت السيدة نار-اوبيد من العراق عام 2004، جلبت معها انباء هزت اميركا والعالم، تمثلت في افادات ادلى بها عراقيون عن اساءات في المعتقل الاميركي في ابو غريب.
تقول السيدة نار-اوبيد، وقد دأبت على البقاء في العراق عدة اشهر من كل عام منذ سنة 2002: «كنت آمل اني مهما سلطت من ضغوطات في العراق، او تحدثت جهارا في وطني حينما اعود اليه، فانها ستساعد على وضع نهاية لإساءة المعاملة التي كنا نسمع عنها.»
وقد دُهشت نار-اوبيد، وهي تعود من جديد الى العراق، لا بالتقدم الحاصل الذي امكنها ان تراه، ولكن بمقدار التحديات التي مازال العراق يواجهها. لقد خفت حدة التوترات الطائفية في العراق عن الفترة التي شهدت اعمال التطهير العرقي والتهجير والفصل. لكن هناك توتر خفي مازال باقِيا. وتقول متحدثة عبر الهاتف والبريد الالكتروني: «هناك انخفاض ملحوظ في اعمال العنف (نتيجة الفصل الجديد بين التجمعات السكانية)، لكن لم يتم تحقيق الا القليل في مضمار المصالحة السياسية او الشخصية.» والشيء الايجابي الوحيد المؤكد الذي ترى نار-اوبيد انه نتج عن ست سنوات من الصراع هو ان صدام حسين لم يعد في السلطة. وهي تقول انها لم تعِ –حقيقة– اهمية هذا الشيء حتى انتقل فريقها، من بغداد الى مدنية السليمانية.
وتضيف: «لا اعتقد اني فهمت عمق وحشية صدام حسين حتى انتقل فريقنا الى المنطقة الكردية في الشمال، وبدأت في التعرف على المآسي التي عاناها العراقيون هناك .»
كما أنها غير متفائلة بالانتخابات المحلية التي اجريت مؤخرا، على عكس تفاؤل الكثيرين غيرها. وتقول، وهي تشير الى قضايا عدد كبير من العراقيين الذين حرموا من حق التصويت بسبب امور تقنية او عدم اهلية جميع المهجرين للتصويت.
وعلى الرغم من رؤية نار-اوبيد غير المشجعة للوجود الاميركي هنا، فانها تقول ان السنوات الست الاميركية في العراق قد اوصلتها الى الاستنتاج ان للولايات المتحدة دور دولي مهم تعلبه، اذا غيرت اميركا طريقتها في التعامل مع العالم.
وتقول: «نحن الاميركيين لدينا الكثير من الموارد والمواهب، اذا كان لها ان تستخدم في مصلحة العالم، لا ان تستخدم في مصلحة القوة العظمى.» وبطريقة ما، فان رؤيتها لا تختلف كثيرا عن ما رآه باورز في شوارع الفلوجة. هذه الخبرات انصهرت مع بعضها لتصب في انموذج مقارعة التمرد الذي طبقه الجنرال ديفد بترايوس، مؤكدا على طريقة «امن الشعب اولا». وكانت الفكرة من ذلك ان يتم الحصول على ثقة الناس المدنيين، وطريقة بناء الامة استنادا الى العمل، وهما درسان يفترض ان تكون الولايات المتحدة قد استوعبتهما من سنواتها في العراق. وتقول نار-اوبيد، مشيرة الى تجربتها الشخصية، ان العراقيين ينتظرون ان تمد اليهم يد المساعدة لبناء السلام واعادة التواصل مع العالم. وتضيف: «هذا الشعب الذي تعرض الى الازدراء والعزل من قبل المجتمع الدولي لفترة طويلة اصبح لديهم من يمد لهم يد الصداقة من الغرب. ارى رد الفعل في اعينهم، انها لهدية استطيع، بصفتي الفردية، ان اقدمها لهم هنا.»
ترجمة: علاء غزالة
بالنسبة الى السرجنت تود باورز فان الاعوام الست المنصرمة في العراق كانت انجازا وملحمة، جُمعت بافضل ما يكون في حياة رجل واحد، رجل عراقي يعرفه باسمه الاول فقط، مفيد.
كان عام 2005، وكانت الفلوجة، معقل التمرد، في حالة الحرب، حيث تحيل التفجيرات البنايات الى ركام بينما تشق الصواريخ عنان السماء. وفي وسط هذه الفوضى، يقول السرجنت باورز، الذي خدم مرتين في العراق: «جاءنا هذا الرجل العراقي وقال: كيف لي ان اساعدكم؟»
لقد كانت لحظة تأخذ الانفاس بالنسبة الى الوحدة التي خدم فيها باورز. يقول: «لقد كان حقا يمثل ذلك النوع من العلاقة التي تريد ان تبنيها على المستوى المحلي حتى يمكن لك ان تعكس المد.»
بعد ستة اعوام من الغزو الاميركي للعراق، ترمز خبرة باورز الى ما تعلمته اميركا، والى ما قدمه العراق من تضحيات. لقد حصل التقدم في العراق من خلال بناء علاقة تلو الاخرى. هذا الدرس من شأنه ان يغير من الطريقة التي يقاتل بها الجيش الاميركي في افغانستان وما بعدها. لكن (مفيد) قـُتل امام عائلته في وقت لاحق من ذلك العام لتعاونه مع الاميركيين. لقد تعلم باورز درسا هو بمثابة لمحة عن تكلفة الحرب على الشعب العراقي. خبا عمل العنف الاعمى الذي حصد روح (مفيد) والالاف من المدنيين العراقيين. كما انخفضت اعداد القتلى بين صفوف القوات الاميركية على السواء، بحيث باتت في ادنى مستوياتها منذ بداية الغزو عام 2003. وعلى الرغم ان عددا قليلا من الخبراء، ما خلا العراقيين منهم، يتحدثون عن النصر، فان الحكومة العراقية تأخذ بالتدريج مسؤولية اكبر عن شؤون بلدها. وتقدم الانتخابات الوطنية المقررة في نهاية هذا العام وعدا بتحقيق خطوة اخرى نحو الاستقرار والهدوء في العراق، وهو ما لم يشهده العراق منذ عقود عديدة. وهذا ما منح الرئيس اوباما الثقة ليقر خطته بسحب ثلثي القوات الاميركية البالغ عديدها 145,000 عسكري بحلول خريف عام 2010. وقد تم تأخير الانسحاب لغرض توفير اعظم تغطية امنية خلال الانتخابات.
لكن صورة العراق تشوبها ظلال اكثر اذا نظرنا اليها من خلال اعين ثلاثة اميركيين خدموا في العراق وتعرفوا الى البلاد عن قرب: الجندي باورز، وخبير اعادة الاعمار باول هيوز، والناشطة في مجال السلام نار-اوبيد. وفي الذكرى السادسة للغزو، فان وجهة نظرهم الذاتية تشير الى الانجازات مثل التي تحققت في الفلوجة، ولكن تشير ايضا الى الصعوبات التي ما يزال على البلاد ان تواجهها، من صعود تيار اسلامي محافظ، الى سبات التصدع الطائفي والذي قد يعود الى الحياة مع رحيل الاميركيين.
الجندي
كان باورز يعمل متدربا في مكتب النائب عن ولاية اريزونا جيم كولبي في مبنى الكابيتول هيل حينما تلقى بلاغ ارساله الى العراق اوائل عام 2003. وبعد اسبوع تم نقله على متن سفينة متجهة الى الكويت ليشترك في عملية غزو العراق.
وبدأ مسؤول العلاقات المدنية في اول دورة له في العراق بتكوين فكرة عن اهمية الحفاظ على امن المدنيين. لكن باورز لم يبدأ بادراك مدى حيوية العلاقات بين الولايات المتحدة والشعب العراقي في تحقيق الاستقرار للبلاد حتى عاد الى العراق في المرة الثانية، بعد ان درس اللغة العربية وشؤون الشرق الاوسط في جامعة جورج واشنطن، بالعاصمة الاميركية واشنطن. وبينما كان باورز يراقب تعاقب الاحداث، بضمنها تشويه واحراق المتعاقدين الاميركيين الاربعة في الفلوجة علنا عام 2004، وجد نفسه يتساءل: «كيف يمكن ان تسير الامور بهذا السوء؟»
كان هذا في نفس الوقت الذي بدأ المسؤولون الاميركيون، بضمنهم اولئك العاملون في البنتاغون، في مناقشة الحاجة الى طريقة مختلفة في العراق، هذا التفكير الذي قاد الى ما يعرف بـ»زيادة القوات الاميركية القتالية»، والتركيز على الفوز باسناد الشعب المحلي. ولاحت الفرصة لباورز، هذا الرجل النحيل ذو النظرات الثاقبة، في توظيف مبدأ «المدنيين اولا» في غضون خدمته في الفلوجة. يقول انه اختبار صعب، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هدف المعركة كان التخلص من المتعاطفين مع القاعدة، والذين باتوا يهيمنون على المدينة. ويضيف: «ليس من السهل ان تبني العلاقات التي تنشد النجاح على المدى الطويل حينما يبدو ان كل ما تفعله هو ان تقصف المدينة مرارا وتكرار.»
وربما لم يتمكن من فعل ذلك من دون (مفيد).
يقول باورز انه كان رابطا حيويا لبناء الثقة، وقد ساعد الاميركيين على التواصل مع وجهاء الفلوجة النافذين، والذين ارادوا التحرر من التمرد المتأثر بالقاعدة.
ويضيف قائلا: «لقد ساعدنا في تكوين النقطة الحيوية التي طالما سعينا لتكوينها. ذلك ليس بان تقوم الولايات المتحدة باشياء مثل اعادة بناء الخدمات او تشكيل المجالس المحلية للعراقيين، لكن ان يقوم العراقيون بانفسهم بعمل هذه الاشياء.» سمع باورز تقارير في الفترة الاخيرة ان جنود المارينز في الفلوجة يقومون بدورياتهم من دون ارتداء خوذهم. يعرف من هذا ان عمله، وعمل (مفيد)، قد تكلل بالنجاح. يقول باورز، وهو يعمل حاليا مدير الشؤون الحكومية لقدامى المحاربين الاميركيين في العراق وافغانستان: «مازال امامنا طريق نسلكه، لكن ما بقي من هذا المسار يجب ان يكون اسهل نتيجة ما تعلمناه.» يقول باورز، وهو يستعد لمشاركته الحربية الثالثة، هذه المرة في افغانستان في وقت لاحق من هذا العام، انه سيحمل درسا اساسيا واحدا معه: «التواصل بطريق المصافحة لا برمي النبال، هو الاكثر تأثيرا في الدوام في عمليات مقارعة التمرد.»
خبير اعادة الاعمار
جاء السيد هيوز الى العراق ثماني مرات منذ بدء الغزو. فقد شارك مع الجيش، وشارك كخبير في اعادة الاعمار، واصطحب مجموعة دراسة العراق في رحلة تقصي الحقائق عام 2005. ولكن ما يتذكره هو لحظتان تشيران إلى الفشل الأولى والنجاح اللاحق الذان دمغا الحملة الأميركية في العراق.
اللحظة الأولى تبدأ في حفلة شواء في مقر القوات الأميركية في بغداد أواخر أيار عام 2003، أي بعد نحو عشرة اسابيع من الغزو في 19 آذار. وجاءت الاخبار ان هجوما وقع على عربتين مصفحيتن اميركيتين قد ادى الى مقتل جنديين اميركيين في طريق المطار.
وقد كانت تلك، في عقل هيوز، بداية التمرد. وجاء الحادث بعد خمسة ايام فقط من القرار العليل الذي اصدرته الولايات المتحدة بحل الجيش العراقي. وهو يقول ان الامرين متصلان. فما اعتقده الكثير من المسؤولين الاميركيين خطأَ انه سيكون اسقاطا سريعا لنظام صدام حسين اصبح في الواقع حربا طويلة لا يمكن التنبؤ بها. يقول هيوز، والذي كان في آيار يعمل ببغداد مساعدا لاول مسؤول اداري اميركي بعد الغزو، الجنرال جاي غارنر: «لقد كان ذلك مؤشرا على ما سيأتي.» ولكنه لم يشعر بان التغييرات المهمة في سياسة الولايات المتحدة قد اخذت تؤتي ثمارها الا بعد اربعة اعوام، وذلك في اثناء خدمته في المحمودية، وهي المنطقة التي اطلق عليها تسمية «مثلث الموت» في جنوب غربي بغداد. وقد عانى اللواء الاميركي الذي تم ارساله لتأمين المنطقة خلال الفترة التي شهدت زيادة القوات مصاعب في تحقيق أي تقدم في علاقتها مع السكان المحليين. وكان الجنود يُقتلون ويُختطفون. ولا يعمل القادة المحليون مع نظرائهم. ولكن بعد اشهر عديدة من الجهود المضنية تم التوصل الى خطة للمصالحة. يقول هيوز، الذي يعمل الان مدير برنامج اقدم في المعهد الاميركي للسلام، وهي مؤسسة فكرية في واشنطن تركز على منع الصراعات واعادة الاعمار بعد الصدامات: «لقد كان ما وقعه قادة المحمودية اساسا هو اتفاق للسلام، وقد اصبحت تعرف بين العراقيين على انها (انموذج المحمودية)». يقول هيوز ان هذه التجربة، وتجارب اخرى مماثلة، قد علمت الاميركيين درسين. الاول مدى قصور التحضيرات التي جهزوها لفترة ما بعد الصراع. والثاني المدى الزمني الضروري لوجودهم في العراق على مدى السنوات القادمة. ويضيف: «أصبحنا نعي تماما هنا، في الولايات المتحدة، عدم جاهزيتنا لظروف ما بعد الصراع.» لكنه يستدرك انه في نفس الوقت «هناك أيضا متطلبات لبقاء الاميركيين في العراق لفترة من الزمن، طالما كان العراقيون يطالبون به ويوافقون عليه.»
ويمضي الى القول: «تتمثل مسؤوليتنا في مساعدتهم على تخطي الصعاب التي تواجههم في بناء مجتمعهم وتحقيق الاستقرار له ونشر العدالة بينه، وفي بناء اقتصاد سوق حر ومفتوح.» لكن ذلك يعني ان على الولايات المتحدة ان تتعلم من خلال هذه العملية بنفس القدر الذي يتعلمه العراقيون، وهي الدروس التي ربما تكون قادرة على تطبيقها في افغانستان واماكن اخرى. كما يأمل هيوز في ان يؤدي تحويل التركيز العسكري عن العراق الى كشف عراق آخر للاميركيين. ويقول: «اتذكر اني كنت اقود السيارة قرب كربلاء (في جنوب العراق) حينما اشار المترجم من خلال النافذة وقال (هذا ضريح النبي اسحاق)، او ما قيل لي عن مكان محتمل لمخبأ دانيل في مدينة بابل الاثرية. هذه المعالم هي ما يود الكثير من الاميركيين ان يشاهدوه، وهو العراق الذي يريدون ان يَخبروه.»
ناشطة السلام
حينما عادت السيدة نار-اوبيد من العراق عام 2004، جلبت معها انباء هزت اميركا والعالم، تمثلت في افادات ادلى بها عراقيون عن اساءات في المعتقل الاميركي في ابو غريب.
تقول السيدة نار-اوبيد، وقد دأبت على البقاء في العراق عدة اشهر من كل عام منذ سنة 2002: «كنت آمل اني مهما سلطت من ضغوطات في العراق، او تحدثت جهارا في وطني حينما اعود اليه، فانها ستساعد على وضع نهاية لإساءة المعاملة التي كنا نسمع عنها.»
وقد دُهشت نار-اوبيد، وهي تعود من جديد الى العراق، لا بالتقدم الحاصل الذي امكنها ان تراه، ولكن بمقدار التحديات التي مازال العراق يواجهها. لقد خفت حدة التوترات الطائفية في العراق عن الفترة التي شهدت اعمال التطهير العرقي والتهجير والفصل. لكن هناك توتر خفي مازال باقِيا. وتقول متحدثة عبر الهاتف والبريد الالكتروني: «هناك انخفاض ملحوظ في اعمال العنف (نتيجة الفصل الجديد بين التجمعات السكانية)، لكن لم يتم تحقيق الا القليل في مضمار المصالحة السياسية او الشخصية.» والشيء الايجابي الوحيد المؤكد الذي ترى نار-اوبيد انه نتج عن ست سنوات من الصراع هو ان صدام حسين لم يعد في السلطة. وهي تقول انها لم تعِ –حقيقة– اهمية هذا الشيء حتى انتقل فريقها، من بغداد الى مدنية السليمانية.
وتضيف: «لا اعتقد اني فهمت عمق وحشية صدام حسين حتى انتقل فريقنا الى المنطقة الكردية في الشمال، وبدأت في التعرف على المآسي التي عاناها العراقيون هناك .»
كما أنها غير متفائلة بالانتخابات المحلية التي اجريت مؤخرا، على عكس تفاؤل الكثيرين غيرها. وتقول، وهي تشير الى قضايا عدد كبير من العراقيين الذين حرموا من حق التصويت بسبب امور تقنية او عدم اهلية جميع المهجرين للتصويت.
وعلى الرغم من رؤية نار-اوبيد غير المشجعة للوجود الاميركي هنا، فانها تقول ان السنوات الست الاميركية في العراق قد اوصلتها الى الاستنتاج ان للولايات المتحدة دور دولي مهم تعلبه، اذا غيرت اميركا طريقتها في التعامل مع العالم.
وتقول: «نحن الاميركيين لدينا الكثير من الموارد والمواهب، اذا كان لها ان تستخدم في مصلحة العالم، لا ان تستخدم في مصلحة القوة العظمى.» وبطريقة ما، فان رؤيتها لا تختلف كثيرا عن ما رآه باورز في شوارع الفلوجة. هذه الخبرات انصهرت مع بعضها لتصب في انموذج مقارعة التمرد الذي طبقه الجنرال ديفد بترايوس، مؤكدا على طريقة «امن الشعب اولا». وكانت الفكرة من ذلك ان يتم الحصول على ثقة الناس المدنيين، وطريقة بناء الامة استنادا الى العمل، وهما درسان يفترض ان تكون الولايات المتحدة قد استوعبتهما من سنواتها في العراق. وتقول نار-اوبيد، مشيرة الى تجربتها الشخصية، ان العراقيين ينتظرون ان تمد اليهم يد المساعدة لبناء السلام واعادة التواصل مع العالم. وتضيف: «هذا الشعب الذي تعرض الى الازدراء والعزل من قبل المجتمع الدولي لفترة طويلة اصبح لديهم من يمد لهم يد الصداقة من الغرب. ارى رد الفعل في اعينهم، انها لهدية استطيع، بصفتي الفردية، ان اقدمها لهم هنا.»
Sunday, March 29, 2009
االعراق ينظر في منح المستثمرين الاجانب في قطاع النفط شروطا افضل
عن نيويورك تايمز
ترجمة: علاء غزالة
بغداد – تنظر الحكومة العراقية في تقديم حوافز جديدة للشركات الاجنبية لحملها على الاستثمار في قطاع النفط، حيث تمس الحاجة الى زيادة الانتاج. وتتضمن هذه الحوافز عروضا بتمليك اغلبية الاسهم في المشاريع المشتركة لتطوير حقول النفط والغاز الضخمة في البلاد، حسبما افاد مسؤول عراقي رفيع يوم الاربعاء. وقال المسؤول انه سوف يتاح للشركات الاجنبية ان تمتلك حتى 75 بالمئة من المشاريع الجديدة. وكان العراق قد عرض على الشركات الاجنبية التي تفاوض معها، ومنها اكسون موبيل ورويال دوتش شيل، استملاك ما لا يزيد على 49 بالمئة من اسهم المشاريع المشتركة لتطوير الحقول النفطية الموجودة والجديدة.
وقد طلب من الشركات الاجنبية، ضمن عملية رسمية وضعت السنة الماضية، ان تقدم عروضها للحصول على حقوق المشاركة في توسيع الانتاج النفطي العراقي. لكن العديد من الشركات كانت متشككة حول الشروط التي وضعتها البلاد، وقالوا انها تفتقر الى الحوافز الكافية. وفي نفس الوقت، فان التحسن الامني في العراق يعني ان الشركات الاجنبية اصبحت متحمسة للاستثمار في البلاد بعد عقود من الحروب والعقوبات التي ابقت هذه الشركات بعيدة عن العراق. وقال وزير النفط العراقي، حسين الشهرستاني، في حديثه الى منظمة الاوبك في جنيف يوم الاربعاء، ان العراق سوف يسمح للمرة الاولى للشركات الاجنبية ان تشارك في الارباح من الانتاج النفطي مباشرة، بدلا من البدلات الثابتة في المشاريع المشتركة المعروضة حاليا. سوف يتم تطبيق هذه الترتبيات، التي تعرف باتفاقية المشاركة في الانتاج، على الاستكشافات الجديدة غير المضمونة، وهي سوف تقدم ايضا حوافز اضافية الى المستثمرين الاجانب وتسمح لهم باستعادة استثماراتهم بسرعة اكبر. وأكد السيد ثامر الغضبان، كبير مستشاري رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ووزير النفط السابق، تصريحات السيد الشهرستاني.
وقد كانت هناك معارضة شديدة في البرلمان من قبل العديد من الاحزاب السياسية ضد اية استثمارات اجنبية، واكثر من ذلك ضد فكرة اتاحة الفرصة للشركات الاجنبية ان تمتلك اغلبية الاسهم في المشاريع المشتركة. وحتى العقد المقترح مع شركة شيل لانتاج الغاز الطبيعي في جنوب العراق، والذي يمنح الشركة حصة 49 بالمئة، قد تعرض الى الادانة في البرلمان.
وقال برهم صالح، نائب رئيس الوزراء العراقي، والذي ترأس المراجعة التي قامت بها الحكومة العراقية لاصلاح القطاع النفطي، ان منح الشركات الاجنبية حوافز اضافية قد تأخر كثيرا. واضاف: «هناك اجماع على ان السياسة والادارة النفطية الحالية هي في وضع كارثي.»
وقال السيد الغضبان انه اضافة الى عملية تقديم العروض الرسمية التي تم وضعها العام الماضي، كان العراق يتفاوض مباشرة مع عدد من الشركات العالمية لزيادة الانتاج من الحقول النفطية الموجودة. ويبدو ان اول هذه الحقول يقع في الناصرية، والذي خطط العراق ان يطوره بنفسه. وتخوض الحكومة العراقية نقاشات مع شركة ايني الايطالية وشركة ريبوزال الاسبانية وشركة نيبون اويل اليابانية، حسبما قال المسؤولون العراقيون.
وقال السيد صالح ان مراجعة السياسة النفطية التي انجزت في الاول من آذار دعت الى اعادة النظر في الحظر على اتفاقيات مشاركة الانتاج، واضاف: «لا يمكن القبول بالوضع الحالي.»
وقال ابراهيم بحر العلوم، مستشار السيد المالكي للشؤون النفطية، ان هناك اتفاقاً واسعاً ان العراق يحتاج الى طرق جديدة لجذب اهتمام المجموعات النفطية الاجنبية. واضاف: «لكن علينا ان نقرر ماهي هذه الطرق.»
وقال انه لا علم له بتصريحات السيد الشهرستاني التي ادلى بها يوم الاربعاء، لكن فكرة منح اغلبية الاسهم للشركات الاجنبية سوف تكون مثارا للجدل. وقال: «هذه قضية معقدة وحساسة للغاية.»
يقترح العراق الان ان يمنح ملكية اسهم حقول النفط او الغاز الى الشركات الاجنبية، لكن دستور البلاد الجديد يمنع ذلك. بدلا من ذلك، يمكن للشركات العالمية ان تمتلك حصة اكبر في الشركات المشتركة، والتي سيتم تأسيسها لتطوير واستخدام الحقول النفطية.
ولم يتسن لنا الوصول الى السيد الشهرستاني للتعليق على الموضوع.
وقد توجب على العراق ان يخفض من ميزانيته بشدة نتيجة انخفاض اسعار النفط. وقال السيد الشهرستاني ان ذلك قد ساهم في الحاجة الى «زيادة فورية الى انتاج اضافي.» وقال السيد الشهرستاني ان العراق ينتج حاليا 2,4 مليون برميل يوميا ويأمل في زيادة الانتاج الى 6 ملايين برميل يوميا خلال الاعوام الست القادمة. وهو يقدر ان الانتاج الاضافي سوف يتطلب استثمارا بقيمة 50 مليار دولار. وكان السيد الشهرستاني قد عارض في الماضي اي مقترح لاتفاقيات مشاركة الانتاج مع الشركات الاجنبية. لكن موقفه اصبح اكثر لينا يوم الاربعاء.
وقال في فينا: «نحن لا ننحي جانبا اتفاقيات مشاركة الانتاج بالكامل، لكن من المرجح ان يكون هذا للحقول الجديدة والتي لم يتم استكشافها وتقييمها بعد. نحن ننظر في تقديم ذلك في عروض تعلن في وقت لاحق هذا العام. هناك 65 منطقة ذات فرص طيبة لاستكشاف النفط والغاز في العراق.»
ترجمة: علاء غزالة
بغداد – تنظر الحكومة العراقية في تقديم حوافز جديدة للشركات الاجنبية لحملها على الاستثمار في قطاع النفط، حيث تمس الحاجة الى زيادة الانتاج. وتتضمن هذه الحوافز عروضا بتمليك اغلبية الاسهم في المشاريع المشتركة لتطوير حقول النفط والغاز الضخمة في البلاد، حسبما افاد مسؤول عراقي رفيع يوم الاربعاء. وقال المسؤول انه سوف يتاح للشركات الاجنبية ان تمتلك حتى 75 بالمئة من المشاريع الجديدة. وكان العراق قد عرض على الشركات الاجنبية التي تفاوض معها، ومنها اكسون موبيل ورويال دوتش شيل، استملاك ما لا يزيد على 49 بالمئة من اسهم المشاريع المشتركة لتطوير الحقول النفطية الموجودة والجديدة.
وقد طلب من الشركات الاجنبية، ضمن عملية رسمية وضعت السنة الماضية، ان تقدم عروضها للحصول على حقوق المشاركة في توسيع الانتاج النفطي العراقي. لكن العديد من الشركات كانت متشككة حول الشروط التي وضعتها البلاد، وقالوا انها تفتقر الى الحوافز الكافية. وفي نفس الوقت، فان التحسن الامني في العراق يعني ان الشركات الاجنبية اصبحت متحمسة للاستثمار في البلاد بعد عقود من الحروب والعقوبات التي ابقت هذه الشركات بعيدة عن العراق. وقال وزير النفط العراقي، حسين الشهرستاني، في حديثه الى منظمة الاوبك في جنيف يوم الاربعاء، ان العراق سوف يسمح للمرة الاولى للشركات الاجنبية ان تشارك في الارباح من الانتاج النفطي مباشرة، بدلا من البدلات الثابتة في المشاريع المشتركة المعروضة حاليا. سوف يتم تطبيق هذه الترتبيات، التي تعرف باتفاقية المشاركة في الانتاج، على الاستكشافات الجديدة غير المضمونة، وهي سوف تقدم ايضا حوافز اضافية الى المستثمرين الاجانب وتسمح لهم باستعادة استثماراتهم بسرعة اكبر. وأكد السيد ثامر الغضبان، كبير مستشاري رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ووزير النفط السابق، تصريحات السيد الشهرستاني.
وقد كانت هناك معارضة شديدة في البرلمان من قبل العديد من الاحزاب السياسية ضد اية استثمارات اجنبية، واكثر من ذلك ضد فكرة اتاحة الفرصة للشركات الاجنبية ان تمتلك اغلبية الاسهم في المشاريع المشتركة. وحتى العقد المقترح مع شركة شيل لانتاج الغاز الطبيعي في جنوب العراق، والذي يمنح الشركة حصة 49 بالمئة، قد تعرض الى الادانة في البرلمان.
وقال برهم صالح، نائب رئيس الوزراء العراقي، والذي ترأس المراجعة التي قامت بها الحكومة العراقية لاصلاح القطاع النفطي، ان منح الشركات الاجنبية حوافز اضافية قد تأخر كثيرا. واضاف: «هناك اجماع على ان السياسة والادارة النفطية الحالية هي في وضع كارثي.»
وقال السيد الغضبان انه اضافة الى عملية تقديم العروض الرسمية التي تم وضعها العام الماضي، كان العراق يتفاوض مباشرة مع عدد من الشركات العالمية لزيادة الانتاج من الحقول النفطية الموجودة. ويبدو ان اول هذه الحقول يقع في الناصرية، والذي خطط العراق ان يطوره بنفسه. وتخوض الحكومة العراقية نقاشات مع شركة ايني الايطالية وشركة ريبوزال الاسبانية وشركة نيبون اويل اليابانية، حسبما قال المسؤولون العراقيون.
وقال السيد صالح ان مراجعة السياسة النفطية التي انجزت في الاول من آذار دعت الى اعادة النظر في الحظر على اتفاقيات مشاركة الانتاج، واضاف: «لا يمكن القبول بالوضع الحالي.»
وقال ابراهيم بحر العلوم، مستشار السيد المالكي للشؤون النفطية، ان هناك اتفاقاً واسعاً ان العراق يحتاج الى طرق جديدة لجذب اهتمام المجموعات النفطية الاجنبية. واضاف: «لكن علينا ان نقرر ماهي هذه الطرق.»
وقال انه لا علم له بتصريحات السيد الشهرستاني التي ادلى بها يوم الاربعاء، لكن فكرة منح اغلبية الاسهم للشركات الاجنبية سوف تكون مثارا للجدل. وقال: «هذه قضية معقدة وحساسة للغاية.»
يقترح العراق الان ان يمنح ملكية اسهم حقول النفط او الغاز الى الشركات الاجنبية، لكن دستور البلاد الجديد يمنع ذلك. بدلا من ذلك، يمكن للشركات العالمية ان تمتلك حصة اكبر في الشركات المشتركة، والتي سيتم تأسيسها لتطوير واستخدام الحقول النفطية.
ولم يتسن لنا الوصول الى السيد الشهرستاني للتعليق على الموضوع.
وقد توجب على العراق ان يخفض من ميزانيته بشدة نتيجة انخفاض اسعار النفط. وقال السيد الشهرستاني ان ذلك قد ساهم في الحاجة الى «زيادة فورية الى انتاج اضافي.» وقال السيد الشهرستاني ان العراق ينتج حاليا 2,4 مليون برميل يوميا ويأمل في زيادة الانتاج الى 6 ملايين برميل يوميا خلال الاعوام الست القادمة. وهو يقدر ان الانتاج الاضافي سوف يتطلب استثمارا بقيمة 50 مليار دولار. وكان السيد الشهرستاني قد عارض في الماضي اي مقترح لاتفاقيات مشاركة الانتاج مع الشركات الاجنبية. لكن موقفه اصبح اكثر لينا يوم الاربعاء.
وقال في فينا: «نحن لا ننحي جانبا اتفاقيات مشاركة الانتاج بالكامل، لكن من المرجح ان يكون هذا للحقول الجديدة والتي لم يتم استكشافها وتقييمها بعد. نحن ننظر في تقديم ذلك في عروض تعلن في وقت لاحق هذا العام. هناك 65 منطقة ذات فرص طيبة لاستكشاف النفط والغاز في العراق.»
Wednesday, March 25, 2009
لـم يعد للضحايا أية قيمة
عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة
ابو غريب – في منتصف نهار يوم الثلاثاء 11 آذار كان هناك انفجار، اعقبه اطلاق نار، ما ادى الى مقتل 33 شخصا. اختلطت اشلاء من اجسام الضحايا مع مياه المجاري والازبال وفضلات الطعام الفاسدة. وفي منتصف نهار الاربعاء لم يتبق سوى الاطلال. هذه الاطلال المتخلفة عن هجوم يوم الثلاثاء، وهو احد هجومين وقعا في الاسبوع الماضي واديا الى مقتل العديد من الاشخاص في العاصمة وضواحيها، تمثلت في اغلفة الاطلاقات الفارغة الملقاة على قارعة الطريق، تعكس ومضات من شمس الصباح. تلك الاغلفة هي ما تخلف عن الاطلاقات التي يتهم الناجون الجنودَ باطلاقها عليهم في خضم الفوضى والارتباك الذين اعقبا الانفجار.
يقول رحيم عبد الله، الذي فقد عمته وابن عمه: "لن يحاكمه الاميركيون ولا العراقيون. سوف يمثل لعدالة السموات." (في اشارة الى المفجر الانتحاري). في عام 2003، حينما بدأت الولايات احتلالها، كان التفجير الذي يؤدي الى نصف عدد الضحايا الذين سقطوا في تفجير الثلاثاء يعتبر مؤشرا على ان الولايات المتحدة قد لا تحرز النصر. اما اليوم، ففي الوقت الذي يبدو الاميركيون وحلفاؤهم من العراقيين يحققون نصرا، فان هذا الهجوم لم يتمكن حتى من ان يتصدر عناوين الصحف الحكومية على صفحاتها الاولى.
يقول محمد عواد، وهو قريب لاحد الضحايا، والذي كان واقفا قرب المشرحة تحت الشمس التي غسلت لون ابو غريب: "لم يعد احد يولي الضحايا اية قيمة." وحتى قبل سقوط نظام صدام، كان لـ(ابو غريب)، وهي منطقة معزولة في ضواحي بغداد الغربية، قيمة معنوية. فقد كان السجن الكائن في هذه المنطقة اسوأ معتقلات النظام؛ مكان ينطق اسمه بالرعب من ارهاب النظام الدائم. وحينما اصدر صدام قرار العفو الذي افرغ السجون في تشرين الاول من عام 2002، كان ذلك تمهيدا للفوضى التي اراد لها ان تستمر ستة اشهر في الاقل بعد سقوط النظام، في الوقت الذي خرجت البلاد باكملها من زنزانات السجن الى ضوء الشمس. وتحولت (ابو غريب) الى محور للتمرد، حتى باتت واحدة من اخطر المناطق العراقية. وقد استولى الجنود الاميركيون على سجن ابو غريب، ومن ثم التقطوا صورا فوتوغرافية تعكس معاملتهم السادية لنزلاء السجن. وفي يوم الاربعاء، وهو اليوم التالي لتفجير السوق، تحولت (ابو غريب) الى رمز للموت المجهول، في صراع مازال يسقط المئات من الضحايا كل شهر، حتى مع عودة الاحساس بالحياة الطبيعية.
جُمعت بقايا اللحم البشري في كيس اسود من البلاستك والقي قرب السوق، المؤلف من اكشاك من القماش الممزق والبطانيات المهترأة، والخشب والحديد المزعزين. مازالت رائحة الموت العفنة تفوح من البرك الطينية المختلطة بالدم وقد تحولت الى لون بين البني والاحمر. وعلقت اكياس من البلاستك بالاسلاك الشائكة التي راحت ترتجف مع هبات الريح الحزينة. وعلى الجدارن الكونكريتية رسمت لوحات للطيور والانهار والنخيل وغروب الشمس، بما لا يتوأءم مع طبيعة المكان الذي اصطبغ، من نخيله المُغبر الى حشيشه اليابس، بلونين رمادي وبني.
كتب على الحاجز الكونكريتي عبارة: "ممنوع الوقوف" في نفس المكان الذي توقف فيه اللواء مارد عبد الحسن يوم الثلاثاء ليتجول في ذات السوق قبل ان يهرع المفجر الانتحاري اليها بسيارته المفخخة ليفجرها وسط جموع الناس من الرجال والنساء والاطفال. يقول احمد ناجي، الذي يرقد اخوه علي في المستشفى، وقد انفذ انبوب الى انفه لكي يسحب الدم من جرحه: " لن ننسى. لن ننسى ما حدث."
كان علي يعبر الطريق حينما رمى المعتدي، الذي كان يرتدي زيّ رجل شرطة، بنفسه على اللواء عبد الحسن. وقذف عصف الانفجار ابنة علي الرضيعة، واسمها آية، من بين يديه لتطير في الهواء وتسقط على الارض.
ويقول عن نجاته ببساطة: "الحمد لله."
يقول اخوه احمد: "لقد كان مثل يوم سقوط بغداد، لا بل اسوأ من ذلك." يقول اللواء عبد الحسن ان المتمردين اطلقوا النار على رجاله، ما ادى الى اشتباك بالاسلحة النارية، حمى وطيسها بينما كانت سيارته تبتعد عن المكان. ولكن رجال الشرطة المتمركزين في المنطقة يلقون باللائمة على الجنود المرافقين لقافلة اللواء لاطلاقهم النار عشوائيا. ويصر الناجون، ويوافقهم في ذلك الاطباء والعاملون في المستشفى، على ان جنود السيد اللواء فقدوا – ببساطة – السيطرة على الموقف، بان انهالوا بالاطلاقات على الناجين بينما كانوا يشقون طريقهم خلال السوق.
يقول علي: "لقد تعرض كل من كان في حال الحركة الى اطلاق النار."
بينما قال رجل آخر، وهو يئن تحت وطأة جراحه: "لقد كانوا مثل جيش احتلال."
بدا احمد تحسين، الذي يبلغ 12 عاما فقط، اصغر من عمره نظرا لنحافته. وكان يبيع الاكياس البلاستيكية في السوق مقابل 20 سنتا. وقد مات ابوه في حادث سيارة قبل الحرب، وهجرته امه. وقامت اخته غير الشقيقة، نورا، بتنشئته، هو واخوه حسام. بكى احمد وهو يئن في الغرفة المجاورة، بينما كان الطبيب يحاول ان يدس انبوبا في انفه لاستخراج الدم المتخلف من جراحة اجروها له لاستئصال اجزاء من امعائه واحشائه الداخلية. فقد تمزق طحاله، على حد تعبير الطبيب. بكى احمد مجددا وهو يقول: "لا استطيع احتمال الالم."
صاح به الطبيب: "اسكت! ما افعله هو في صالحك." وتوسل الصبي، وهو يتكور في البطانية التي القيت عليه: "لا تدعوه يضعه في انفي. لا تدعوه يفعل ذلك. ارجوكم تكلموا اليه."
اتكأ اخوه الى جدار متسخ وقد اجهش بالبكاء.
قال حسام: " ما الذي فعله ليجني هذا؟ لماذا؟ انه لم يفعل أي سوء."
مالت الشمس الى المغيب. انها تفعل ذلك في العراق، لا تمل ولا تسأم. وقف عبد الله وعواد الى جانب ثلاجة المشرحة، وقد تجمع العرق على جباههم بانتظار تسلم جثامين اقربائهم. لم يكن بامكانهم القدوم في الساعات التي اعقبت الهجوم، فقد اغلقت كل الطرقات. يقول عبد الله: "لم يسمحوا لاي احد بالمرور. لم يسمحوا حتى لشخص واحد بالدخول او الخروج." وكان قد ذهب في تلك الليلة لاستلام جثة ابن عمه، رعد صابر، وكان يبلغ 28 عاما من العمر. ثم عاد يوم الاربعاء ليدفن عمته، بركة حسين خلف والتي كانت تبلغ 63 عاما. وكان جثمانها محفوظا في الداخل، مع تسعة جثامين اخرى وبقايا من ساقيْ المفجر الانتحاري.
قال عبد الله: "انه لكابوس. وددت ان اعرف الحوار الذي يدور بينهم الان. آمل انهم يسالونه لماذا قتلهم. اريدهم ان يعرفوا اجابته." تقع مقبرة الكرخ على مبعدة كيلومترات عن السوق، والذي بدا مهجورا يوم الاربعاء، الا من قليل من باعة الرصيف الذين يعرضون الطماطم والباذنجان والقرع والموز والبرتقال إضافة الى البطاطا التي تشتهر بها (ابو غريب). عند مدخل المقبرة جلس كاتب خلف منضدة. قرأ الاسم الاول: "رسول فاضل عباس"، مواليد 1988. "عبد المجيد حميد احمد"، مواليد 1995. "محمد خضير"، مواليد 1998. ثم تلا اسماء ثلاثة عشر آخرين من الضحايا. اما سبب الوفاة فهو واحد لدى الجميع. قرأ: "نتيجة انفجار". تم دفن الجثث تحت اكوام من التراب الذي كان معدا لذلك. كتبت الاسماء بخط اليد على الواح كونكريتية زهيدة الثمن. وغرست سعفة نخيل في التراب مع كل قبر. وبين الفينة والاخرى تتعالى اصوات الحزن. تحرك الجمع وئيدا قرب اشجار الكالبتوز، تعظيما لطقوس الدفن.
قال اكرم احمد، حفار القبور: "فليرحمهم الله."
ترجمة: علاء غزالة
ابو غريب – في منتصف نهار يوم الثلاثاء 11 آذار كان هناك انفجار، اعقبه اطلاق نار، ما ادى الى مقتل 33 شخصا. اختلطت اشلاء من اجسام الضحايا مع مياه المجاري والازبال وفضلات الطعام الفاسدة. وفي منتصف نهار الاربعاء لم يتبق سوى الاطلال. هذه الاطلال المتخلفة عن هجوم يوم الثلاثاء، وهو احد هجومين وقعا في الاسبوع الماضي واديا الى مقتل العديد من الاشخاص في العاصمة وضواحيها، تمثلت في اغلفة الاطلاقات الفارغة الملقاة على قارعة الطريق، تعكس ومضات من شمس الصباح. تلك الاغلفة هي ما تخلف عن الاطلاقات التي يتهم الناجون الجنودَ باطلاقها عليهم في خضم الفوضى والارتباك الذين اعقبا الانفجار.
يقول رحيم عبد الله، الذي فقد عمته وابن عمه: "لن يحاكمه الاميركيون ولا العراقيون. سوف يمثل لعدالة السموات." (في اشارة الى المفجر الانتحاري). في عام 2003، حينما بدأت الولايات احتلالها، كان التفجير الذي يؤدي الى نصف عدد الضحايا الذين سقطوا في تفجير الثلاثاء يعتبر مؤشرا على ان الولايات المتحدة قد لا تحرز النصر. اما اليوم، ففي الوقت الذي يبدو الاميركيون وحلفاؤهم من العراقيين يحققون نصرا، فان هذا الهجوم لم يتمكن حتى من ان يتصدر عناوين الصحف الحكومية على صفحاتها الاولى.
يقول محمد عواد، وهو قريب لاحد الضحايا، والذي كان واقفا قرب المشرحة تحت الشمس التي غسلت لون ابو غريب: "لم يعد احد يولي الضحايا اية قيمة." وحتى قبل سقوط نظام صدام، كان لـ(ابو غريب)، وهي منطقة معزولة في ضواحي بغداد الغربية، قيمة معنوية. فقد كان السجن الكائن في هذه المنطقة اسوأ معتقلات النظام؛ مكان ينطق اسمه بالرعب من ارهاب النظام الدائم. وحينما اصدر صدام قرار العفو الذي افرغ السجون في تشرين الاول من عام 2002، كان ذلك تمهيدا للفوضى التي اراد لها ان تستمر ستة اشهر في الاقل بعد سقوط النظام، في الوقت الذي خرجت البلاد باكملها من زنزانات السجن الى ضوء الشمس. وتحولت (ابو غريب) الى محور للتمرد، حتى باتت واحدة من اخطر المناطق العراقية. وقد استولى الجنود الاميركيون على سجن ابو غريب، ومن ثم التقطوا صورا فوتوغرافية تعكس معاملتهم السادية لنزلاء السجن. وفي يوم الاربعاء، وهو اليوم التالي لتفجير السوق، تحولت (ابو غريب) الى رمز للموت المجهول، في صراع مازال يسقط المئات من الضحايا كل شهر، حتى مع عودة الاحساس بالحياة الطبيعية.
جُمعت بقايا اللحم البشري في كيس اسود من البلاستك والقي قرب السوق، المؤلف من اكشاك من القماش الممزق والبطانيات المهترأة، والخشب والحديد المزعزين. مازالت رائحة الموت العفنة تفوح من البرك الطينية المختلطة بالدم وقد تحولت الى لون بين البني والاحمر. وعلقت اكياس من البلاستك بالاسلاك الشائكة التي راحت ترتجف مع هبات الريح الحزينة. وعلى الجدارن الكونكريتية رسمت لوحات للطيور والانهار والنخيل وغروب الشمس، بما لا يتوأءم مع طبيعة المكان الذي اصطبغ، من نخيله المُغبر الى حشيشه اليابس، بلونين رمادي وبني.
كتب على الحاجز الكونكريتي عبارة: "ممنوع الوقوف" في نفس المكان الذي توقف فيه اللواء مارد عبد الحسن يوم الثلاثاء ليتجول في ذات السوق قبل ان يهرع المفجر الانتحاري اليها بسيارته المفخخة ليفجرها وسط جموع الناس من الرجال والنساء والاطفال. يقول احمد ناجي، الذي يرقد اخوه علي في المستشفى، وقد انفذ انبوب الى انفه لكي يسحب الدم من جرحه: " لن ننسى. لن ننسى ما حدث."
كان علي يعبر الطريق حينما رمى المعتدي، الذي كان يرتدي زيّ رجل شرطة، بنفسه على اللواء عبد الحسن. وقذف عصف الانفجار ابنة علي الرضيعة، واسمها آية، من بين يديه لتطير في الهواء وتسقط على الارض.
ويقول عن نجاته ببساطة: "الحمد لله."
يقول اخوه احمد: "لقد كان مثل يوم سقوط بغداد، لا بل اسوأ من ذلك." يقول اللواء عبد الحسن ان المتمردين اطلقوا النار على رجاله، ما ادى الى اشتباك بالاسلحة النارية، حمى وطيسها بينما كانت سيارته تبتعد عن المكان. ولكن رجال الشرطة المتمركزين في المنطقة يلقون باللائمة على الجنود المرافقين لقافلة اللواء لاطلاقهم النار عشوائيا. ويصر الناجون، ويوافقهم في ذلك الاطباء والعاملون في المستشفى، على ان جنود السيد اللواء فقدوا – ببساطة – السيطرة على الموقف، بان انهالوا بالاطلاقات على الناجين بينما كانوا يشقون طريقهم خلال السوق.
يقول علي: "لقد تعرض كل من كان في حال الحركة الى اطلاق النار."
بينما قال رجل آخر، وهو يئن تحت وطأة جراحه: "لقد كانوا مثل جيش احتلال."
بدا احمد تحسين، الذي يبلغ 12 عاما فقط، اصغر من عمره نظرا لنحافته. وكان يبيع الاكياس البلاستيكية في السوق مقابل 20 سنتا. وقد مات ابوه في حادث سيارة قبل الحرب، وهجرته امه. وقامت اخته غير الشقيقة، نورا، بتنشئته، هو واخوه حسام. بكى احمد وهو يئن في الغرفة المجاورة، بينما كان الطبيب يحاول ان يدس انبوبا في انفه لاستخراج الدم المتخلف من جراحة اجروها له لاستئصال اجزاء من امعائه واحشائه الداخلية. فقد تمزق طحاله، على حد تعبير الطبيب. بكى احمد مجددا وهو يقول: "لا استطيع احتمال الالم."
صاح به الطبيب: "اسكت! ما افعله هو في صالحك." وتوسل الصبي، وهو يتكور في البطانية التي القيت عليه: "لا تدعوه يضعه في انفي. لا تدعوه يفعل ذلك. ارجوكم تكلموا اليه."
اتكأ اخوه الى جدار متسخ وقد اجهش بالبكاء.
قال حسام: " ما الذي فعله ليجني هذا؟ لماذا؟ انه لم يفعل أي سوء."
مالت الشمس الى المغيب. انها تفعل ذلك في العراق، لا تمل ولا تسأم. وقف عبد الله وعواد الى جانب ثلاجة المشرحة، وقد تجمع العرق على جباههم بانتظار تسلم جثامين اقربائهم. لم يكن بامكانهم القدوم في الساعات التي اعقبت الهجوم، فقد اغلقت كل الطرقات. يقول عبد الله: "لم يسمحوا لاي احد بالمرور. لم يسمحوا حتى لشخص واحد بالدخول او الخروج." وكان قد ذهب في تلك الليلة لاستلام جثة ابن عمه، رعد صابر، وكان يبلغ 28 عاما من العمر. ثم عاد يوم الاربعاء ليدفن عمته، بركة حسين خلف والتي كانت تبلغ 63 عاما. وكان جثمانها محفوظا في الداخل، مع تسعة جثامين اخرى وبقايا من ساقيْ المفجر الانتحاري.
قال عبد الله: "انه لكابوس. وددت ان اعرف الحوار الذي يدور بينهم الان. آمل انهم يسالونه لماذا قتلهم. اريدهم ان يعرفوا اجابته." تقع مقبرة الكرخ على مبعدة كيلومترات عن السوق، والذي بدا مهجورا يوم الاربعاء، الا من قليل من باعة الرصيف الذين يعرضون الطماطم والباذنجان والقرع والموز والبرتقال إضافة الى البطاطا التي تشتهر بها (ابو غريب). عند مدخل المقبرة جلس كاتب خلف منضدة. قرأ الاسم الاول: "رسول فاضل عباس"، مواليد 1988. "عبد المجيد حميد احمد"، مواليد 1995. "محمد خضير"، مواليد 1998. ثم تلا اسماء ثلاثة عشر آخرين من الضحايا. اما سبب الوفاة فهو واحد لدى الجميع. قرأ: "نتيجة انفجار". تم دفن الجثث تحت اكوام من التراب الذي كان معدا لذلك. كتبت الاسماء بخط اليد على الواح كونكريتية زهيدة الثمن. وغرست سعفة نخيل في التراب مع كل قبر. وبين الفينة والاخرى تتعالى اصوات الحزن. تحرك الجمع وئيدا قرب اشجار الكالبتوز، تعظيما لطقوس الدفن.
قال اكرم احمد، حفار القبور: "فليرحمهم الله."
Wednesday, March 18, 2009
تغيير السياسة الأميركية حيال غوانتانامو
عن: هيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة
قالت إدارة اوباما يوم الجمعة انها سوف تتخلى عن مصطلح «المقاتلين الأعداء» الذي تبنته ادارة بوش، في الوقت الذي تجادل فيه هذه الادارة من اجل استمرار احتجاز السجناء في غوانتانامو في كوبا. وهي حركة يبدو ان النية منها الفصل الرمزي بين الادارة الجديدة وسياسيات الاعتقال تحت ادارة بوش.
وجاء في لائحة الدعوى التي قدمتها وزارة العدل ان من صلاحية الرئيس ان يأمر باحتجاز المشتبه بهم من دون توجيه تهم جنائية، وهو ما اكدت عليه ادارة بوش. ووفرت اللائحة تعريفا فضفاضا للاشخاص الذين يمكن ان يتم احتجازهم،
والتي لا تختلف كثيرا عن التعريفات التي استخدمتها ادارة بوش. وورد في اللائحة ان الادارة الحالية يمكنها ان تدافع بقوة عن قدرتها على الاحتفاظ بالمعتقلين في غوانتانامو، طالما كان هذا المعتقل مفتوحا.
كتب محامو الادارة الاميركية: «يمتلك الرئيس صلاحية احتجاز الاشخاص» الذين خططوا او ساعدوا في الهجمات التي وقعت عام 2001 وهؤلاء «الذين شاركوا، او قدموا مساعدة مادية، لقوات طالبان أو القاعدة.»
تقول ادارة اوباما انها كانت تستند الى مبادئ القانون الدولي فيما يخص الحرب والنافذة حاليا. واشار البيان الصادر عن هذه الادارة الى ان الحكومة تريد ان تنآى بنفسها عن الادعاءات بان ادارة بوش عادة ما استخدمت الصلاحيات التنفيذية الموسعة لتبرير غوانتانامو.
وقد بذلت الادارة الجديدة جهودا في محاولتها التأكيد على انها تتخذ مسارا مختلفا. تقول الادارة ان التعريف الجديد «لا يستند الى صلاحيات الرئيس لكونه القائد العام للقوات المسلحة»، بما يتجاوز الصلاحيات التي يمنحها الكونغرس. غير ان لائحة الدعوة، التي قدمت الى محكمة مقاطعة واشنطن الاميركية، تنص على انها تهدف الى ايجاد تعريف للمحتجزين الذين يمكن الابقاء عليهم. وقد اصابت اللائحة نقاد غوانتانامو بالاحباط، والذين قالوا ان اللائحة تهدف الى الابقاء على السياسات التي تعرضت الى الانتقاد لاكثر من سبعة اعوام.
وهي آخر مثال على ان ادارة اوباما ستحتفظ بسجن غوانتانامو، حتى بعد ان اعلنت عن نيتها اغلاقه، حيث لايزال يضم 241 محتجزا.
يقول ستيفن انجل، والذي كان المحامي الاقدم المسؤول عن قضايا المعتقلين في المجلس القانوني التابع لوزارة العدل الاميريكة حتى اليوم الاخير من ولاية ادارة بوش: «يبدو ان هذا الامر متوافق مع مواقف الادارة السابقة.» ويضيف انجل ان المسألة ليست في تعريف «المقاتلين الاعداء»، بل ان «النقطة المهمة انهم يدركون ان بامكاننا احتجاز عناصر من الاعداء» اثناء الحرب، على حد قوله.
دارت حول موقف الادارة الحالية تكهنات واسعة قبل يوم الجمعة الماضي، وهو الموعد النهائي الذي حدده القضاة الفيدراليون للادارة لكي تقدم التعريف الذي تعتقد انه يجب ان يستخدم في المحاكم في قضايا الاعتقال التعسفي عندما تراجع هذه المحاكم قضايا المحتجزين. وقد امل محاموا بعض المحتجزين في تعريف اكثر تحديدا، وربما تعريفا يزيل لفظ «مساندة» طالبان او القاعدة على انه اساس للاعتقال.
وتوقع بعض محاموا المحتجزين إن من شأن مثل هذا التغيير ان يقطع الطريق امام تبريرات الحكومة في الابقاء على ما يقارب نصف المعتقلين، بضمنهم الجهاديين الذين تم اعتقالهم في افغانستان، والذين لم يقاتلوا ابدا ضد الولايات المتحدة، وغيرهم من الذين اشارت الحكومة ان من المحتمل ان صلاتهم مع القاعدة او طالبان كانت سطحية.
واضاف التعريف الجديد الذي وضعته الادارة الاميركية يوم الجمعة شرطا جديدا ينص على ان يجب ان يكون الشخص المعتقل قد قدم «مساندة مادية مؤثرة» الى القاعدة او قوات طالبان المتعاونة معها لتبرير الاستمرار في اعتقاله. لكن الادارة لم تعرّف معنى «المادية المؤثرة»، بينما يقول محاموا المعتقلين إنهم يشكون في ان ذلك يمكن ان يساعد الكثير من موكليهم.
ويتوقع ان تؤدي الدعوة القانونية، التي بنيت على نحو 40 من حالات الاعتقال التعسفي الذين تحدوا قانونية وضعهم في السجن، الى ان تتخذ الحكومة نفس الموقف فيما يخص 200 حالة مشابهة، كما انها ستحكم وضع المراجعة المنفصلة خارج المحكمة والتي أمر بها الرئيس باراك اوباما. يقول بعض منتقدي غوانتانامو ان لائحة يوم الجمعة تندرج تحت نفس النهج الذي اتخذته الادارة الحالية، والذي يبدو انه مصمم لقطع دابر الانتقادات حول غوانتانامو، بيد انها لا تتخذ الا القليل لتغيير سياسات الاعتقال.
ويلاحظون ان رئيس الادعاء العام، ايرك هولدر، قد ادعى بعد زيارته للمعتقل في شهر شباط ان المعتقل «يدار بشكل جيد.» ويقولون انهم، إضافة الى ذلك، صُدموا لتقرير البنتاغون الذي تبنته الادارة الجديدة قد قال في الشهر الماضي ان معكسر الاعتقال في القاعدة البحرية في غوانتانامو باي يتوافق مع معايير المعاملة الانسانية التي نصت عليها اتفاقيات جنيف.
يقول رمزي قاسم، وهو محامي احد المعتقلين ويحاضر في كلية القانون بجامعة ييل، ان على الادارة الجديدة ان تتعامل بفعالية اما مع الجهود الرامية لاطلاق سراح الكثير من المحتجزين، او تحسين الظروف هناك.
ويقول ان تقديم اللائحة يوم الجمعة هو مؤشر اضافي ان على الادارة الجديدة ان تتعامل مع التعقيدات حول سجن غوانتانامو او قضايا المعتقلين. ويضيف قاسم: «اعتقد انهم ربما يكونون تحت تأثير خطاب الادارة السابقة الى حد كبير.»
لكن لائحة وزارة العدل تؤطر تعديل المواقف الحكومية في ما يخص المصطلحات الموسعة. ففي البيان الرسمي المصاحب لتقديم اللائحة قالت الوزارة ان موقف الحكومة قد تم تصميمه ليخضع بعناية الى متطلبات القانون الدولي حول الحروب، وهي المبادئ المعترف بها منذ زمن طويل، والتي تسمح باحتجاز مقاتلي الاعداء حتى نهاية العمليات القتالية.
وقد احتجت ادارة بوش بنفس الطريقة، لكنها عادة ما تضمنت تأكيدات مكثفة على الصلاحيات التنفيذية الواسعة.
وقد اعلن مسؤولو ادارة اوباما مرارا وتكرارا في الاشهر الاخيرة انهم ينوون اتخاذ قراراً حول سياسة الاعتقال التي يرون انها اكثر ترسخا في المبادئ القانونية من سلفهم.
وعلى الرغم من ان مصطلح «المقاتلين الاعداء» قد استخدم سابقا في قض ية تخص الحرب العالمية الثانية عرضت امام المحكمة الاميركية العليا، فان منتقدي ادارة بوش يقولون ان المسؤولين قد استخدموه لترخيص الاعتقال الذي لا تسمح به قواعد الحرب المتعارف عليها عالميا.
واقتبس محامو وزارة العدل في لائحة الدعوة نصوصا من قواعد الحرب والمبادئ الخاصة بها تنص على ان «اعتقال واحتجاز القوات المعادية» امر مرخص به. لكن اللائحة اشارت بوضوح الى ان ادارة اوباما رفضت الحجة التي قدمها محامو المحتجزين بانها يجب ان تخالف الى حد كبير الكثير من السياسات التي اتبعت في السنوات السبع الماضية.
واشار محامو الحكومة ان بعضا من محامي المحتجزين يحتجون بانه لا يجوز ابقاء أي من المحتجزين رهن الاعتقال باستثناء اولئك يدعى انهم شاركوا مباشرة في عمليات قتالية ضد قوات الولايات المتحدة.
وتقول بان قوانين الحرب لا تحد من صلاحية الولايات المتحدة في الابقاء على المعتقلين باولئك الذين تورطوا في قتال ضد الاميركيين. وتمضي الى القول: «ان استنتاجا مناقضا لهذا سوف يكافئ العدو الذي يتصرف بشكل منافٍ لقوانين الحرب عن طريق العمل في شبكة غير محكمة الارتباط، وتمويه قواته لتبدو وكأنها اشبه بالمدنيين.»
ترجمة: علاء غزالة
قالت إدارة اوباما يوم الجمعة انها سوف تتخلى عن مصطلح «المقاتلين الأعداء» الذي تبنته ادارة بوش، في الوقت الذي تجادل فيه هذه الادارة من اجل استمرار احتجاز السجناء في غوانتانامو في كوبا. وهي حركة يبدو ان النية منها الفصل الرمزي بين الادارة الجديدة وسياسيات الاعتقال تحت ادارة بوش.
وجاء في لائحة الدعوى التي قدمتها وزارة العدل ان من صلاحية الرئيس ان يأمر باحتجاز المشتبه بهم من دون توجيه تهم جنائية، وهو ما اكدت عليه ادارة بوش. ووفرت اللائحة تعريفا فضفاضا للاشخاص الذين يمكن ان يتم احتجازهم،
والتي لا تختلف كثيرا عن التعريفات التي استخدمتها ادارة بوش. وورد في اللائحة ان الادارة الحالية يمكنها ان تدافع بقوة عن قدرتها على الاحتفاظ بالمعتقلين في غوانتانامو، طالما كان هذا المعتقل مفتوحا.
كتب محامو الادارة الاميركية: «يمتلك الرئيس صلاحية احتجاز الاشخاص» الذين خططوا او ساعدوا في الهجمات التي وقعت عام 2001 وهؤلاء «الذين شاركوا، او قدموا مساعدة مادية، لقوات طالبان أو القاعدة.»
تقول ادارة اوباما انها كانت تستند الى مبادئ القانون الدولي فيما يخص الحرب والنافذة حاليا. واشار البيان الصادر عن هذه الادارة الى ان الحكومة تريد ان تنآى بنفسها عن الادعاءات بان ادارة بوش عادة ما استخدمت الصلاحيات التنفيذية الموسعة لتبرير غوانتانامو.
وقد بذلت الادارة الجديدة جهودا في محاولتها التأكيد على انها تتخذ مسارا مختلفا. تقول الادارة ان التعريف الجديد «لا يستند الى صلاحيات الرئيس لكونه القائد العام للقوات المسلحة»، بما يتجاوز الصلاحيات التي يمنحها الكونغرس. غير ان لائحة الدعوة، التي قدمت الى محكمة مقاطعة واشنطن الاميركية، تنص على انها تهدف الى ايجاد تعريف للمحتجزين الذين يمكن الابقاء عليهم. وقد اصابت اللائحة نقاد غوانتانامو بالاحباط، والذين قالوا ان اللائحة تهدف الى الابقاء على السياسات التي تعرضت الى الانتقاد لاكثر من سبعة اعوام.
وهي آخر مثال على ان ادارة اوباما ستحتفظ بسجن غوانتانامو، حتى بعد ان اعلنت عن نيتها اغلاقه، حيث لايزال يضم 241 محتجزا.
يقول ستيفن انجل، والذي كان المحامي الاقدم المسؤول عن قضايا المعتقلين في المجلس القانوني التابع لوزارة العدل الاميريكة حتى اليوم الاخير من ولاية ادارة بوش: «يبدو ان هذا الامر متوافق مع مواقف الادارة السابقة.» ويضيف انجل ان المسألة ليست في تعريف «المقاتلين الاعداء»، بل ان «النقطة المهمة انهم يدركون ان بامكاننا احتجاز عناصر من الاعداء» اثناء الحرب، على حد قوله.
دارت حول موقف الادارة الحالية تكهنات واسعة قبل يوم الجمعة الماضي، وهو الموعد النهائي الذي حدده القضاة الفيدراليون للادارة لكي تقدم التعريف الذي تعتقد انه يجب ان يستخدم في المحاكم في قضايا الاعتقال التعسفي عندما تراجع هذه المحاكم قضايا المحتجزين. وقد امل محاموا بعض المحتجزين في تعريف اكثر تحديدا، وربما تعريفا يزيل لفظ «مساندة» طالبان او القاعدة على انه اساس للاعتقال.
وتوقع بعض محاموا المحتجزين إن من شأن مثل هذا التغيير ان يقطع الطريق امام تبريرات الحكومة في الابقاء على ما يقارب نصف المعتقلين، بضمنهم الجهاديين الذين تم اعتقالهم في افغانستان، والذين لم يقاتلوا ابدا ضد الولايات المتحدة، وغيرهم من الذين اشارت الحكومة ان من المحتمل ان صلاتهم مع القاعدة او طالبان كانت سطحية.
واضاف التعريف الجديد الذي وضعته الادارة الاميركية يوم الجمعة شرطا جديدا ينص على ان يجب ان يكون الشخص المعتقل قد قدم «مساندة مادية مؤثرة» الى القاعدة او قوات طالبان المتعاونة معها لتبرير الاستمرار في اعتقاله. لكن الادارة لم تعرّف معنى «المادية المؤثرة»، بينما يقول محاموا المعتقلين إنهم يشكون في ان ذلك يمكن ان يساعد الكثير من موكليهم.
ويتوقع ان تؤدي الدعوة القانونية، التي بنيت على نحو 40 من حالات الاعتقال التعسفي الذين تحدوا قانونية وضعهم في السجن، الى ان تتخذ الحكومة نفس الموقف فيما يخص 200 حالة مشابهة، كما انها ستحكم وضع المراجعة المنفصلة خارج المحكمة والتي أمر بها الرئيس باراك اوباما. يقول بعض منتقدي غوانتانامو ان لائحة يوم الجمعة تندرج تحت نفس النهج الذي اتخذته الادارة الحالية، والذي يبدو انه مصمم لقطع دابر الانتقادات حول غوانتانامو، بيد انها لا تتخذ الا القليل لتغيير سياسات الاعتقال.
ويلاحظون ان رئيس الادعاء العام، ايرك هولدر، قد ادعى بعد زيارته للمعتقل في شهر شباط ان المعتقل «يدار بشكل جيد.» ويقولون انهم، إضافة الى ذلك، صُدموا لتقرير البنتاغون الذي تبنته الادارة الجديدة قد قال في الشهر الماضي ان معكسر الاعتقال في القاعدة البحرية في غوانتانامو باي يتوافق مع معايير المعاملة الانسانية التي نصت عليها اتفاقيات جنيف.
يقول رمزي قاسم، وهو محامي احد المعتقلين ويحاضر في كلية القانون بجامعة ييل، ان على الادارة الجديدة ان تتعامل بفعالية اما مع الجهود الرامية لاطلاق سراح الكثير من المحتجزين، او تحسين الظروف هناك.
ويقول ان تقديم اللائحة يوم الجمعة هو مؤشر اضافي ان على الادارة الجديدة ان تتعامل مع التعقيدات حول سجن غوانتانامو او قضايا المعتقلين. ويضيف قاسم: «اعتقد انهم ربما يكونون تحت تأثير خطاب الادارة السابقة الى حد كبير.»
لكن لائحة وزارة العدل تؤطر تعديل المواقف الحكومية في ما يخص المصطلحات الموسعة. ففي البيان الرسمي المصاحب لتقديم اللائحة قالت الوزارة ان موقف الحكومة قد تم تصميمه ليخضع بعناية الى متطلبات القانون الدولي حول الحروب، وهي المبادئ المعترف بها منذ زمن طويل، والتي تسمح باحتجاز مقاتلي الاعداء حتى نهاية العمليات القتالية.
وقد احتجت ادارة بوش بنفس الطريقة، لكنها عادة ما تضمنت تأكيدات مكثفة على الصلاحيات التنفيذية الواسعة.
وقد اعلن مسؤولو ادارة اوباما مرارا وتكرارا في الاشهر الاخيرة انهم ينوون اتخاذ قراراً حول سياسة الاعتقال التي يرون انها اكثر ترسخا في المبادئ القانونية من سلفهم.
وعلى الرغم من ان مصطلح «المقاتلين الاعداء» قد استخدم سابقا في قض ية تخص الحرب العالمية الثانية عرضت امام المحكمة الاميركية العليا، فان منتقدي ادارة بوش يقولون ان المسؤولين قد استخدموه لترخيص الاعتقال الذي لا تسمح به قواعد الحرب المتعارف عليها عالميا.
واقتبس محامو وزارة العدل في لائحة الدعوة نصوصا من قواعد الحرب والمبادئ الخاصة بها تنص على ان «اعتقال واحتجاز القوات المعادية» امر مرخص به. لكن اللائحة اشارت بوضوح الى ان ادارة اوباما رفضت الحجة التي قدمها محامو المحتجزين بانها يجب ان تخالف الى حد كبير الكثير من السياسات التي اتبعت في السنوات السبع الماضية.
واشار محامو الحكومة ان بعضا من محامي المحتجزين يحتجون بانه لا يجوز ابقاء أي من المحتجزين رهن الاعتقال باستثناء اولئك يدعى انهم شاركوا مباشرة في عمليات قتالية ضد قوات الولايات المتحدة.
وتقول بان قوانين الحرب لا تحد من صلاحية الولايات المتحدة في الابقاء على المعتقلين باولئك الذين تورطوا في قتال ضد الاميركيين. وتمضي الى القول: «ان استنتاجا مناقضا لهذا سوف يكافئ العدو الذي يتصرف بشكل منافٍ لقوانين الحرب عن طريق العمل في شبكة غير محكمة الارتباط، وتمويه قواته لتبدو وكأنها اشبه بالمدنيين.»
Sunday, March 15, 2009
ليل بغداد يعج بالحياة بعد ان تنعمت بالأمن
عن: التايمز
ترجمة: علاء غزالة
لم تر بغداد مثيلا لهذا من قبل: في حانة الخيام التي تم افتتاحها مؤخرا على ضفاف نهر دجلة تتشابك اذرع مجموعة من الجنود المظليين الاميركيين، المدججين بكامل عدتهم الحربية، مع ايدي ثلة من العراقيين الذين انتشوا بسكرة الخمرة وهم يرقصون طوال الليل. يقول احد الجنود من الفرقة 82 المحمولة جوا: "انه لامر طيب ان نتعرف قليلا على ثقافة العراقيين." وقد اجتهد مع ثلاثة او اربعة من اخوته في الرقص، وهم لايزالون يرتدون السترات الواقية من الرصاص وتتدلى من اكتافهم البنادق الالية نوع (ام فور)، اجتهدوا في ان يتقنوا الرقصة. كانوا يضحكون ويتندرون. بعضهم رقص يد بيد مع نساء عراقيات. البعض الاخر رقص حتى مع الرجال، وهو امر معتاد في العالم العربي.
يقول احد الجنود من فورت براغ في نورث كارولينا، بينما كان يعدل من صدريته وخوذته: "اتمنى حقا لو انني لم ارتدِ هذه (القذارة)، لكن ذلك خطر."
كان الجو العام يبعث على الراحة، وقد غمر بالموسيقى العربية ذات النغمات الرفيعة العالية. وبين الحين والآخر يعتلي احد المطربين الخشبة ليغني للزبائن، وهم خليط من الرجال السكارى الذين يردتون قمصانا لماعة واخذية ذات نهايات مدببة وقد دهنوا شعورهم بالمعاجين، ورفيقاتهم وهن مجموعة من المومسات اللائي يرتدين قمصانا ضيقة وزاهية.
بدا ان العراقيين مسرورين بوجود الاميركيين معهم. تقول شذى، التي تبلغ 25 عاما من العمر وهي نادلة قصيرة القامة: "حينما ارى الامريكيين هنا اشعر بالسعادة، فهذا يعني اننا على علاقة طيبة."
وفي بضع ساعات تلاشى عنف ست سنوات بين كؤوس الجعة وقرع الموسيقى.
ان تنامي حياة الليل في العاصمة العراقية هو اوضح دليل على ان هذه المدينة تعود الى حالتها القديمة قبل الحرب، بعد كابوس العنف الطائفي والتمرد الدموي الذي تخللته التفجيرات الانتحارية وعمليات قطع الرؤوس.
وحتى تحت الحكم البريطاني، تمتع سكان بغداد بتناول مشروباتهم الكحولية وبالموسيقى والرقص. لكن على مدى معظم السنوات الخمس عشرة الماضية حُرموا من هذه المتع.
في البداية سعى صدام حسين الى اغلاق الحانات والملاهي الليلية في انحاء المدينة. وفي عام 1994 اطلق ما يسمى بـ"الحملة الإيمانية" في محاولة لاقناع العالم الاسلامي انه قد اصبح مؤمنا بعد سنوات من الحكم الديكتاتوري . وقد أغلق الحانات والنوادي الليلية لإظهار ذلك .
وعادت الحياة الليلية إلى بغداد لفترة وجيزة بعد الغزو الاميركي. ولكن ما هي الا أشهر قليلة حتى اصبح التجول في المدينة بعد هبوط الظلام مغامرة لا يقدم عليها الا اشجع الناس او اكثرهم حمقا.
وفي احلك الاوقات تم قتل بائعي الخمور وتفجير محالهم على يد المليشيات. وحدهما المخابرات الاميركية والسفارة البريطانية امتلكتا حانات، لكنها كانت محدودة بخدمة الاجانب فقط وواقعة في عمق المنطقة الخضراء، وهي المنطقة المحمية التي لم يستطع معظم العراقيين ان يصلوا اليها.
اما اليوم فلدى العراقيين ثلاثين ملهىً ليلياً ليختاروا من بينها، بدء من حانة صغيرة عبارة عن حفرة في حائط مخصصة لطبقة العمال، الى النوادي العربية المنعمة بالحرير والراقصات وقناني الكحول على كل منضدة.
ويأتي على قمة القائمة نادي "المضيف" وهو بناية بطابقين ذات واجهة من الحجارة الصفراء في شارع ابو نواس، على ضفاف نهر دجلة. وقد كانت البناية في الماضي منتجعا للصحفيين وقادة الفصائل الفلسطينية وكبار المسؤوليين الحكوميين العراقيين.
حينما زرناه هذا الاسبوع، وجدنا ثمانين رجلا يرتدون بذلات براقة واحذية جلدية مدببة النهاية محتشدين على الطريقة البغدادية في صف الخدم والحشم.
هذا هو ما تبقى من اموال المدينة، بعد ان ارسل التجار والمهنيون اموالهم الى الخارج في سنوات المحنة. هؤلاء الموسرين يحتسون الجعة والحكول ويتسلون بمشاهدة راقصة تردي فستانا احمر يعانق جسدها ويثير جمهورها، لكنها بدت فيه مملة الى حد ما.
يقول عبد الزهرة ابو علي، وهو شيوعي متحمس يبلغ 52 عاما من العمر ويمتلك حصة في النادي، وقد تمكن اخيرا من تدليل نفسه: "لقد ولد العراق من جديد وهو يعود الى الحياة."
وفي اتحاد الأدباء، الكائن قرب ساحة الاندلس،التي تعج بالمؤلفين العراقين، كان الجو اكثر فقرا. فسقف الحانة المنخفض ومصابيحه العارية قد سلبت المكان ضوءه عن عمد. وعلى الرغم من مراوح التهوية المثبتة على الحائط، فان ضباب السجائر يسبح معلقا في الهواء. ويمكن مشاهدة مباراة كرة القدم المعروضة على شاشة التلفاز.
يقول احد الزبائن المعتادين: "لا اوصيكم بتناول الويسكي لانه مغشوش، وكذلك هي البيرة. جربوا العَرَق فهو يوناني."
يذهب معظم اغنياء بغداد الى ملهى "نجمة الزاوية"، حيث تجد قوائم المشروبات باللغتين العربية والانكليزية. وتشعر فيه باجواء مطعم الثمانينيات الايطالي في شمالي لندن.
وتستمع الى موسيقى "البي جيز" في هذا النادي. وهناك نبيذ لبناني للبيع، بينما تكلف زجاجة الويسكي اكثر من 110 دولارات. وهم لديهم نادلين من بنغلاديش، ويتوفر على قوائمهم للطعام طبق لشرائح اللحم بالفلفل الحار.
وهناك غرف للعشاق في الطابق العلوي، وقد شاهدنا في اثناء زيارتنا زوجا من المولهين يخرجان من المرافق العامة. الا فلتموتي بغيضك يا سوهو .
ترجمة: علاء غزالة
لم تر بغداد مثيلا لهذا من قبل: في حانة الخيام التي تم افتتاحها مؤخرا على ضفاف نهر دجلة تتشابك اذرع مجموعة من الجنود المظليين الاميركيين، المدججين بكامل عدتهم الحربية، مع ايدي ثلة من العراقيين الذين انتشوا بسكرة الخمرة وهم يرقصون طوال الليل. يقول احد الجنود من الفرقة 82 المحمولة جوا: "انه لامر طيب ان نتعرف قليلا على ثقافة العراقيين." وقد اجتهد مع ثلاثة او اربعة من اخوته في الرقص، وهم لايزالون يرتدون السترات الواقية من الرصاص وتتدلى من اكتافهم البنادق الالية نوع (ام فور)، اجتهدوا في ان يتقنوا الرقصة. كانوا يضحكون ويتندرون. بعضهم رقص يد بيد مع نساء عراقيات. البعض الاخر رقص حتى مع الرجال، وهو امر معتاد في العالم العربي.
يقول احد الجنود من فورت براغ في نورث كارولينا، بينما كان يعدل من صدريته وخوذته: "اتمنى حقا لو انني لم ارتدِ هذه (القذارة)، لكن ذلك خطر."
كان الجو العام يبعث على الراحة، وقد غمر بالموسيقى العربية ذات النغمات الرفيعة العالية. وبين الحين والآخر يعتلي احد المطربين الخشبة ليغني للزبائن، وهم خليط من الرجال السكارى الذين يردتون قمصانا لماعة واخذية ذات نهايات مدببة وقد دهنوا شعورهم بالمعاجين، ورفيقاتهم وهن مجموعة من المومسات اللائي يرتدين قمصانا ضيقة وزاهية.
بدا ان العراقيين مسرورين بوجود الاميركيين معهم. تقول شذى، التي تبلغ 25 عاما من العمر وهي نادلة قصيرة القامة: "حينما ارى الامريكيين هنا اشعر بالسعادة، فهذا يعني اننا على علاقة طيبة."
وفي بضع ساعات تلاشى عنف ست سنوات بين كؤوس الجعة وقرع الموسيقى.
ان تنامي حياة الليل في العاصمة العراقية هو اوضح دليل على ان هذه المدينة تعود الى حالتها القديمة قبل الحرب، بعد كابوس العنف الطائفي والتمرد الدموي الذي تخللته التفجيرات الانتحارية وعمليات قطع الرؤوس.
وحتى تحت الحكم البريطاني، تمتع سكان بغداد بتناول مشروباتهم الكحولية وبالموسيقى والرقص. لكن على مدى معظم السنوات الخمس عشرة الماضية حُرموا من هذه المتع.
في البداية سعى صدام حسين الى اغلاق الحانات والملاهي الليلية في انحاء المدينة. وفي عام 1994 اطلق ما يسمى بـ"الحملة الإيمانية" في محاولة لاقناع العالم الاسلامي انه قد اصبح مؤمنا بعد سنوات من الحكم الديكتاتوري . وقد أغلق الحانات والنوادي الليلية لإظهار ذلك .
وعادت الحياة الليلية إلى بغداد لفترة وجيزة بعد الغزو الاميركي. ولكن ما هي الا أشهر قليلة حتى اصبح التجول في المدينة بعد هبوط الظلام مغامرة لا يقدم عليها الا اشجع الناس او اكثرهم حمقا.
وفي احلك الاوقات تم قتل بائعي الخمور وتفجير محالهم على يد المليشيات. وحدهما المخابرات الاميركية والسفارة البريطانية امتلكتا حانات، لكنها كانت محدودة بخدمة الاجانب فقط وواقعة في عمق المنطقة الخضراء، وهي المنطقة المحمية التي لم يستطع معظم العراقيين ان يصلوا اليها.
اما اليوم فلدى العراقيين ثلاثين ملهىً ليلياً ليختاروا من بينها، بدء من حانة صغيرة عبارة عن حفرة في حائط مخصصة لطبقة العمال، الى النوادي العربية المنعمة بالحرير والراقصات وقناني الكحول على كل منضدة.
ويأتي على قمة القائمة نادي "المضيف" وهو بناية بطابقين ذات واجهة من الحجارة الصفراء في شارع ابو نواس، على ضفاف نهر دجلة. وقد كانت البناية في الماضي منتجعا للصحفيين وقادة الفصائل الفلسطينية وكبار المسؤوليين الحكوميين العراقيين.
حينما زرناه هذا الاسبوع، وجدنا ثمانين رجلا يرتدون بذلات براقة واحذية جلدية مدببة النهاية محتشدين على الطريقة البغدادية في صف الخدم والحشم.
هذا هو ما تبقى من اموال المدينة، بعد ان ارسل التجار والمهنيون اموالهم الى الخارج في سنوات المحنة. هؤلاء الموسرين يحتسون الجعة والحكول ويتسلون بمشاهدة راقصة تردي فستانا احمر يعانق جسدها ويثير جمهورها، لكنها بدت فيه مملة الى حد ما.
يقول عبد الزهرة ابو علي، وهو شيوعي متحمس يبلغ 52 عاما من العمر ويمتلك حصة في النادي، وقد تمكن اخيرا من تدليل نفسه: "لقد ولد العراق من جديد وهو يعود الى الحياة."
وفي اتحاد الأدباء، الكائن قرب ساحة الاندلس،التي تعج بالمؤلفين العراقين، كان الجو اكثر فقرا. فسقف الحانة المنخفض ومصابيحه العارية قد سلبت المكان ضوءه عن عمد. وعلى الرغم من مراوح التهوية المثبتة على الحائط، فان ضباب السجائر يسبح معلقا في الهواء. ويمكن مشاهدة مباراة كرة القدم المعروضة على شاشة التلفاز.
يقول احد الزبائن المعتادين: "لا اوصيكم بتناول الويسكي لانه مغشوش، وكذلك هي البيرة. جربوا العَرَق فهو يوناني."
يذهب معظم اغنياء بغداد الى ملهى "نجمة الزاوية"، حيث تجد قوائم المشروبات باللغتين العربية والانكليزية. وتشعر فيه باجواء مطعم الثمانينيات الايطالي في شمالي لندن.
وتستمع الى موسيقى "البي جيز" في هذا النادي. وهناك نبيذ لبناني للبيع، بينما تكلف زجاجة الويسكي اكثر من 110 دولارات. وهم لديهم نادلين من بنغلاديش، ويتوفر على قوائمهم للطعام طبق لشرائح اللحم بالفلفل الحار.
وهناك غرف للعشاق في الطابق العلوي، وقد شاهدنا في اثناء زيارتنا زوجا من المولهين يخرجان من المرافق العامة. الا فلتموتي بغيضك يا سوهو .
Saturday, March 14, 2009
لـم تنته اللعبة في العراق بعد.. لكنها تقترب من النهاية
عن: الهيرالد تربيون
ترجمة : علاء غزالة
المحمودية – بعد ان عاد الكابتن لانغروف، من الفوج الاول من الفرقة المدرعة 63، من دورية في المنطقة التي عرفت ذات مرة باسم (مثلث الموت)، اطلق عبارة تلخص الحرب في العراق بطريقة لم يكن يفكر بها احد، اذ قال: «نحن في نهاية اللعبة الان.» تقتضي خطة الرئيس باراك اوباما للانسحاب من العراق وقف العمليات القتالية للقوات الاميركية بحلول آب من عام 2010، لكن هنا في المحمودية، وعلى غرار مناطق اخرى في العراق، فان الحرب قد انتهت فعليا، وقد اتخذ العد التنازلي لستراتيجة الخروج شكلاً اوضح من أي وقت سابق.
ليس هناك من ضمان ان العراق سيبقى مستقرا، ذلك ان عنف القاعدة المتجرد عن القيم سوف يستمر، لكن العنف الطائفي الذي شهدته الاعوام 2006 و2007 لن يعود. ومع ان القوات الامنية العراقية قد تحسنت بشكل كبير الا انها ما زالت تعتمد بشدة على الاميركيين.
ومع ذلك، فكما ان الركود الاقتصادي يصبح واضحا فقط بعد ان يحدث بالفعل، كذلك هي حظوظ المجهود الحربي الاميركي.
انخفضت الهجمات الى ادنى مستوى لها منذ ايلول عام 2003، وبنسبة تبلغ 70% اقل من عددها في شهر آذار الماضي. وقد تم اغلاق العديد من المعسكرات الصغيرة بينما تقوم القوات الاميركية بالتجمع في القواعد الاكبر، وهو دليل على ان هذه القوات سوف تنسحب كليا تقريبا من المدن بحلول شهر حزيران. ويخطط القادة في معسكر بوكا جنوبي العراق من اجل اغلاق السجن الاميركي هناك، وتسليم السجناء الى العراقيين، واعتبار المعكسر محطة سفر للقوات العائدة الى بلادها.
واليوم، عشية الذكرى السادسة للحرب في العراق، هناك عمليتان قتاليتان نوعيتان فقط تجريان: «عملية الامل الجديد» في الموصل، و«عملية مطاردة الذئب» في ديالى. على ان اياً منهما لا تبلغ المقياس الذي بلغته العمليات في اسوأ اشهر الحرب، كما ان القيادة في كل منهما هي بيد الجيش العراقي.
وقد تغيرت المهمة بالكامل تقريبا من العمليات القتالية الى عمليات توطيد الاستقرار، من قتال المسلحين الى اعادة بناء الخدمات الاساسية في العراق وتحسين الاقتصاد بطريقة يمكن ان تقدم فرصا افضل للبلاد كي تنجح، وهو ما سيجعل الخروج الاميركي نصرا اكثر منه تراجعا.
وتتضمن المهمة الان التركيز على جهود كان الرئيس السابق جورج دبليو بوش يقلل من اهميتها، وهي بناء الامة. وذلك يعني تسليم مقاليد الامور الى الحكومة العراقية فعليا، وهو ما كانت الولايات المتحدة تقوم به سابقا بالاقوال اكثر منه بالافعال.
يقول الميجر جنرال ديفيد بيركنز، المتحدث العسكري الاميركي: «يتوجب علينا ان نرفع ايدينا عن مقود الدراجة، او عجلات التدريب، في وقت ما.» (في اشارة الى دراجة الاطفال التي تحتوي على عجلتين صغيرتين خلفيتين لتدريب الطفل على القيادة).
يقول القادة ان اكبر فرصة قد اتيحت من خلال الاتفاقية الامنية الجديدة بين الولايات المتحدة والعراق، والتي تضع العراقيين تحديدا في موقع المسؤولية عن العمليات القتالية اعتبارا من اول كانون الثاني. هذا يقلل، عن سابق تصميم، الدور الاميركي.
ومنذ ذلك الحين، خطط العراقيون ونفذوا العمليات الامنية للانتخابات المحلية التي اجريت في 31 كانون الثاني، والتي خلت تقريبا من العنف، وللزيارة السنوية لملايين الوافدين من الشيعة الى كربلاء الشهر الماضي.
وكما قال اوباما عند اعلان خطته للخروج من العراق، فان العمليات القتالية سوف تستمر، وستتمخض عن ضحايا. وقد قتل 26 اميركيا في العراق منذ تنصيب الرئيس الرسمي، 17 منهم نتيجة نيران معادية. يقول نائب قائد القوات الاميركية في الشمال، البريغادير جنرال روبرت براون ان القاعدة اضحت «ثعباناً يحتضر»، لكنها ما زالت «قادرة على اللسع.» وبينما يتولى العراقيون قيادة العمليات فان من المرجح ان تكون الضحايا اقل بين الاميركيين نتيجة الصدامات المباشرة مع مقاتلي العدو.
وقد حذر ضباط وجنود اميركيون، في مقابلات مع وسائل الاعلام على مدى الاسابيع الماضية، من الافراط في الثقة بالوضع الراهن، او الاسوأ من ذلك الشعور بالطمأنينة لما تم انجازه.
وقالوا انه ما زال هناك الكثير مما يجب عمله قبل اعلان النصر في الحرب. وخير دليل على هذا التحذير توصيات القائد الاعلى للقوات الاميركية في العراق، الجنرال رايموند اوديرنو، بابقاء اكبر قدر ممكن من القوات في أشهر الانتخابات البرلمانية التي من المقرر اجراؤها في كانون الاول.
لايزال امام القوات العراقية المزيد من التدريب، كما يجب تعزيز نظام الاستخبارات العسكرية، والقوة الجوية، والعناية الطبية، والامور التعبوية، التي تقدمها القوات الاميركية الان. تقع مهمة التدريب في هذه الامور على عاتق القوات التي اعلن اوباما انها ستبقى في العراق، والتي يقدر عددها بين 35,000 و50,000 عسكري اميركي، بعد الموعد النهائي في شهر آب عام 2010، وان كان عليها ان تنسحب هي الاخرى قبل حلول عام 2011.
ينظر الى الانتخابات الوطنية التي يطمح رئيس الوزراء نوري كامل المالكي في ان تمنحه دورة ثانية، على انها اختبار حيوي للتحول الديمقراطي في العراق، وهي اللحظة التي ستبرهن فيها البلاد قدرتها على اسناد نفسها، والا فان الوضع الامني قد ينهار مع كفاح الفرق المتعددة للحصول على السلطة، ويشتعل لهيب الانقسام الطائفي والعرقي.
يقول الميجر جنرال غاي سوان، مدير عمليات لدى الجنرال اوديرنو: «لا اعتقد ان أي احد لديه أي وهم بان هذا الامر قد قضي باي شكل من الاشكال. في الواقع، قد يكون هذا الوقت اكثر الأوقات هشاشة في عموم السنوات الست التي مرت علينا هنا.»
يتواجد الان في العراق اكثر من 140,000 عسكري اميركي، وهو عدد يزيد على العدد السابق لزيادة القوات من قبل بوش عام 2007، ولايزال السؤال عن أي عراق سوف تتركه هذه القوات خلفها بعد رحيل جلها يبحث عن اجابة.
يتساءل الكولونيل برت ثومبسون، احد قادة الجيش في ديالى: «هل العراق في وضع جيد بما فيه الكفاية لكي نقول اننا نستطيع ان نسحب قواتنا في 18 او 19 شهرا؟»
لكن خطة اوباما، على اية حال، قد حددت الموعد النهائي، وهو ليس لانهاء العمليات القتالية فقط. انها تعطي القادة نفاذة نهائية لكي يعززوا القوات الامنية العراقية.
يحدث هذا الامر في القاعدة الامامية للعمليات في شمال العراق.
حينما وصل القائد الاميركي، اللفتنانت كولونيل غاي بارميتر من فرقة الخيالة الثالثة، اول الامر في كانون الاول فانه دعا الضباط العراقيين الى مركز العمليات الذي يديره، بدلا من عزلهم في مقر منفصل. ويعمل العراقيون والاميركيون الان بعض مع بعضهم بشكل وثيق، حتى ان احد ضباطه يناقش الخطط مع نظيره العراقي عبر برنامج المحادثة الفوري لـ(ياهو).يقول بارميتر: «تعرف انهم سوف يوقفون الساعة. وعليك ان تسرع بقدر ما تستطيع.»تتباين قدرات الجيش والشرطة العراقية، ودرجة احترافهم ومهارتهم وتجهيزهم، من محافظة الى اخرى، كما تختلف التهديدات ايضا.
وفي المحمودية كادت شاحنة نيسان مستهلكة تحمل جنودا عراقيين ان تدهس سميث.ومن الواضح ان الشاحنة تعرضت الى عطب في جهاز الموقفات، فانحرفت عن مسارها الى الجزرة الوسطية حيث كان الكابتن واقفا. وهذه حقيقة مرّة عن تفاصيل الضبط والمعدات العاملة. وفي عموم العراق، فان دروية مثل تلك التي يقودها سميث هي القاعدة وليست الاستثناء.توقف الكابتن مع جنوده في احد مقرات الجيش العراقي لمناقشة مقترح لتدريب ضباط الصف.وزاروا السوق المحلي لتفقد نجار اثاث تلقى منحة من الاميركيين.
وكانوا ينوون ان يحصلوا على توقيع النجار على وصل عن عمله لوحة تعلن افتتاح طريق سريع جديد بالقرب من القاعدة الاميركية، لكن مساعده نسي جلب الوصل المطلوب معه.
يقول العقيد وسيم الساعدي من اللواء الخامس والعشرين في الجيش العراقي: «العراق آمن. هذا هو الوقت المناسب لكم لكي ترحلوا.»
وهذا ما يقوم به الاميركيون باطراد. فحتى الخريف الماضي، عملت ست افواج اميركية، تضم ما يزيد على 5,000 جندي، على القيام بدوريات في المناطق الواقعة جنوبي بغداد الممتدة من المحمودية الى الفرات. اما الان فلا تقوم بهذه العملية سوى دورية واحدة.
وقد اغلق الاميركيون العشرات من القواعد الصغيرة حول المحمودية، تاركين 1,000 جندي في القاعدة الرئيسة الكائنة في شمال المدينة.
ويكرم النصب المقام قرب القاعدة تضحيات الجنود الذين خدموا هنا، ولكن لم يكن هناك قتلى في قتال منذ آذار عام 2008. وفي الاجتماع الاخير لقادة الوحدة العسكرية كانت الاصابة الوحيدة التي اعلنت تعود لسرجنت التوى كاحله في لعب البيسبول.
يطلق اللفتنانت كولونيل جيم برادفورد، قائد الفوج الاول، على ما يواجهه الان تسمية «المشكلة الجيدة». ويقول ان العراقيين ينفذون غارات الان بدون ان نطلب منهم.
ويضيف: «ليس غريبا ان نستيقظ في الصباح ويأتينا خبر ان الجيش العراقي نفذ عملية تفتيش في الليلة الماضية، ومن ثم نسعى لمعرفة ما حدث. الامر الحسن في هذا انهم يفعلونه.»
ترجمة : علاء غزالة
المحمودية – بعد ان عاد الكابتن لانغروف، من الفوج الاول من الفرقة المدرعة 63، من دورية في المنطقة التي عرفت ذات مرة باسم (مثلث الموت)، اطلق عبارة تلخص الحرب في العراق بطريقة لم يكن يفكر بها احد، اذ قال: «نحن في نهاية اللعبة الان.» تقتضي خطة الرئيس باراك اوباما للانسحاب من العراق وقف العمليات القتالية للقوات الاميركية بحلول آب من عام 2010، لكن هنا في المحمودية، وعلى غرار مناطق اخرى في العراق، فان الحرب قد انتهت فعليا، وقد اتخذ العد التنازلي لستراتيجة الخروج شكلاً اوضح من أي وقت سابق.
ليس هناك من ضمان ان العراق سيبقى مستقرا، ذلك ان عنف القاعدة المتجرد عن القيم سوف يستمر، لكن العنف الطائفي الذي شهدته الاعوام 2006 و2007 لن يعود. ومع ان القوات الامنية العراقية قد تحسنت بشكل كبير الا انها ما زالت تعتمد بشدة على الاميركيين.
ومع ذلك، فكما ان الركود الاقتصادي يصبح واضحا فقط بعد ان يحدث بالفعل، كذلك هي حظوظ المجهود الحربي الاميركي.
انخفضت الهجمات الى ادنى مستوى لها منذ ايلول عام 2003، وبنسبة تبلغ 70% اقل من عددها في شهر آذار الماضي. وقد تم اغلاق العديد من المعسكرات الصغيرة بينما تقوم القوات الاميركية بالتجمع في القواعد الاكبر، وهو دليل على ان هذه القوات سوف تنسحب كليا تقريبا من المدن بحلول شهر حزيران. ويخطط القادة في معسكر بوكا جنوبي العراق من اجل اغلاق السجن الاميركي هناك، وتسليم السجناء الى العراقيين، واعتبار المعكسر محطة سفر للقوات العائدة الى بلادها.
واليوم، عشية الذكرى السادسة للحرب في العراق، هناك عمليتان قتاليتان نوعيتان فقط تجريان: «عملية الامل الجديد» في الموصل، و«عملية مطاردة الذئب» في ديالى. على ان اياً منهما لا تبلغ المقياس الذي بلغته العمليات في اسوأ اشهر الحرب، كما ان القيادة في كل منهما هي بيد الجيش العراقي.
وقد تغيرت المهمة بالكامل تقريبا من العمليات القتالية الى عمليات توطيد الاستقرار، من قتال المسلحين الى اعادة بناء الخدمات الاساسية في العراق وتحسين الاقتصاد بطريقة يمكن ان تقدم فرصا افضل للبلاد كي تنجح، وهو ما سيجعل الخروج الاميركي نصرا اكثر منه تراجعا.
وتتضمن المهمة الان التركيز على جهود كان الرئيس السابق جورج دبليو بوش يقلل من اهميتها، وهي بناء الامة. وذلك يعني تسليم مقاليد الامور الى الحكومة العراقية فعليا، وهو ما كانت الولايات المتحدة تقوم به سابقا بالاقوال اكثر منه بالافعال.
يقول الميجر جنرال ديفيد بيركنز، المتحدث العسكري الاميركي: «يتوجب علينا ان نرفع ايدينا عن مقود الدراجة، او عجلات التدريب، في وقت ما.» (في اشارة الى دراجة الاطفال التي تحتوي على عجلتين صغيرتين خلفيتين لتدريب الطفل على القيادة).
يقول القادة ان اكبر فرصة قد اتيحت من خلال الاتفاقية الامنية الجديدة بين الولايات المتحدة والعراق، والتي تضع العراقيين تحديدا في موقع المسؤولية عن العمليات القتالية اعتبارا من اول كانون الثاني. هذا يقلل، عن سابق تصميم، الدور الاميركي.
ومنذ ذلك الحين، خطط العراقيون ونفذوا العمليات الامنية للانتخابات المحلية التي اجريت في 31 كانون الثاني، والتي خلت تقريبا من العنف، وللزيارة السنوية لملايين الوافدين من الشيعة الى كربلاء الشهر الماضي.
وكما قال اوباما عند اعلان خطته للخروج من العراق، فان العمليات القتالية سوف تستمر، وستتمخض عن ضحايا. وقد قتل 26 اميركيا في العراق منذ تنصيب الرئيس الرسمي، 17 منهم نتيجة نيران معادية. يقول نائب قائد القوات الاميركية في الشمال، البريغادير جنرال روبرت براون ان القاعدة اضحت «ثعباناً يحتضر»، لكنها ما زالت «قادرة على اللسع.» وبينما يتولى العراقيون قيادة العمليات فان من المرجح ان تكون الضحايا اقل بين الاميركيين نتيجة الصدامات المباشرة مع مقاتلي العدو.
وقد حذر ضباط وجنود اميركيون، في مقابلات مع وسائل الاعلام على مدى الاسابيع الماضية، من الافراط في الثقة بالوضع الراهن، او الاسوأ من ذلك الشعور بالطمأنينة لما تم انجازه.
وقالوا انه ما زال هناك الكثير مما يجب عمله قبل اعلان النصر في الحرب. وخير دليل على هذا التحذير توصيات القائد الاعلى للقوات الاميركية في العراق، الجنرال رايموند اوديرنو، بابقاء اكبر قدر ممكن من القوات في أشهر الانتخابات البرلمانية التي من المقرر اجراؤها في كانون الاول.
لايزال امام القوات العراقية المزيد من التدريب، كما يجب تعزيز نظام الاستخبارات العسكرية، والقوة الجوية، والعناية الطبية، والامور التعبوية، التي تقدمها القوات الاميركية الان. تقع مهمة التدريب في هذه الامور على عاتق القوات التي اعلن اوباما انها ستبقى في العراق، والتي يقدر عددها بين 35,000 و50,000 عسكري اميركي، بعد الموعد النهائي في شهر آب عام 2010، وان كان عليها ان تنسحب هي الاخرى قبل حلول عام 2011.
ينظر الى الانتخابات الوطنية التي يطمح رئيس الوزراء نوري كامل المالكي في ان تمنحه دورة ثانية، على انها اختبار حيوي للتحول الديمقراطي في العراق، وهي اللحظة التي ستبرهن فيها البلاد قدرتها على اسناد نفسها، والا فان الوضع الامني قد ينهار مع كفاح الفرق المتعددة للحصول على السلطة، ويشتعل لهيب الانقسام الطائفي والعرقي.
يقول الميجر جنرال غاي سوان، مدير عمليات لدى الجنرال اوديرنو: «لا اعتقد ان أي احد لديه أي وهم بان هذا الامر قد قضي باي شكل من الاشكال. في الواقع، قد يكون هذا الوقت اكثر الأوقات هشاشة في عموم السنوات الست التي مرت علينا هنا.»
يتواجد الان في العراق اكثر من 140,000 عسكري اميركي، وهو عدد يزيد على العدد السابق لزيادة القوات من قبل بوش عام 2007، ولايزال السؤال عن أي عراق سوف تتركه هذه القوات خلفها بعد رحيل جلها يبحث عن اجابة.
يتساءل الكولونيل برت ثومبسون، احد قادة الجيش في ديالى: «هل العراق في وضع جيد بما فيه الكفاية لكي نقول اننا نستطيع ان نسحب قواتنا في 18 او 19 شهرا؟»
لكن خطة اوباما، على اية حال، قد حددت الموعد النهائي، وهو ليس لانهاء العمليات القتالية فقط. انها تعطي القادة نفاذة نهائية لكي يعززوا القوات الامنية العراقية.
يحدث هذا الامر في القاعدة الامامية للعمليات في شمال العراق.
حينما وصل القائد الاميركي، اللفتنانت كولونيل غاي بارميتر من فرقة الخيالة الثالثة، اول الامر في كانون الاول فانه دعا الضباط العراقيين الى مركز العمليات الذي يديره، بدلا من عزلهم في مقر منفصل. ويعمل العراقيون والاميركيون الان بعض مع بعضهم بشكل وثيق، حتى ان احد ضباطه يناقش الخطط مع نظيره العراقي عبر برنامج المحادثة الفوري لـ(ياهو).يقول بارميتر: «تعرف انهم سوف يوقفون الساعة. وعليك ان تسرع بقدر ما تستطيع.»تتباين قدرات الجيش والشرطة العراقية، ودرجة احترافهم ومهارتهم وتجهيزهم، من محافظة الى اخرى، كما تختلف التهديدات ايضا.
وفي المحمودية كادت شاحنة نيسان مستهلكة تحمل جنودا عراقيين ان تدهس سميث.ومن الواضح ان الشاحنة تعرضت الى عطب في جهاز الموقفات، فانحرفت عن مسارها الى الجزرة الوسطية حيث كان الكابتن واقفا. وهذه حقيقة مرّة عن تفاصيل الضبط والمعدات العاملة. وفي عموم العراق، فان دروية مثل تلك التي يقودها سميث هي القاعدة وليست الاستثناء.توقف الكابتن مع جنوده في احد مقرات الجيش العراقي لمناقشة مقترح لتدريب ضباط الصف.وزاروا السوق المحلي لتفقد نجار اثاث تلقى منحة من الاميركيين.
وكانوا ينوون ان يحصلوا على توقيع النجار على وصل عن عمله لوحة تعلن افتتاح طريق سريع جديد بالقرب من القاعدة الاميركية، لكن مساعده نسي جلب الوصل المطلوب معه.
يقول العقيد وسيم الساعدي من اللواء الخامس والعشرين في الجيش العراقي: «العراق آمن. هذا هو الوقت المناسب لكم لكي ترحلوا.»
وهذا ما يقوم به الاميركيون باطراد. فحتى الخريف الماضي، عملت ست افواج اميركية، تضم ما يزيد على 5,000 جندي، على القيام بدوريات في المناطق الواقعة جنوبي بغداد الممتدة من المحمودية الى الفرات. اما الان فلا تقوم بهذه العملية سوى دورية واحدة.
وقد اغلق الاميركيون العشرات من القواعد الصغيرة حول المحمودية، تاركين 1,000 جندي في القاعدة الرئيسة الكائنة في شمال المدينة.
ويكرم النصب المقام قرب القاعدة تضحيات الجنود الذين خدموا هنا، ولكن لم يكن هناك قتلى في قتال منذ آذار عام 2008. وفي الاجتماع الاخير لقادة الوحدة العسكرية كانت الاصابة الوحيدة التي اعلنت تعود لسرجنت التوى كاحله في لعب البيسبول.
يطلق اللفتنانت كولونيل جيم برادفورد، قائد الفوج الاول، على ما يواجهه الان تسمية «المشكلة الجيدة». ويقول ان العراقيين ينفذون غارات الان بدون ان نطلب منهم.
ويضيف: «ليس غريبا ان نستيقظ في الصباح ويأتينا خبر ان الجيش العراقي نفذ عملية تفتيش في الليلة الماضية، ومن ثم نسعى لمعرفة ما حدث. الامر الحسن في هذا انهم يفعلونه.»
Wednesday, March 11, 2009
سنغادر العراق وهو افضل حالا
عن: الغارديان
ترجمة: علاء غزالة
يدّعي الجنرال الذي قاد اطول حملتين عسكريتين بريطانيتين، وهما ايضا الاكثر اثارة للجدل في السنوات الستين الماضية، انه بخروج الجيش من العراق فان القاعدة تكون قد مُنيت بهزيمة ساحقة، وان جذور الديمقراطية تكون قد ترسخت. وكان اللفتنانت جنرال جون كوبر، والذي سيغادر منصب نائب القائد العام الذي يشغله الان ويتقاعد من الجيش بعد خدمة 30 سنة، قد قال ان البصرة التي سيغادرها البريطانيون اوائل الصيف المقبل، قد وقفت على قدميها من جديد وهي في مأمن من عودة أي نشاط للمليشيات. ويعتقد كوبر ان الانتخابات المحلية التي أجريت في شهر كانون الثاني الماضي في انحاء البلاد هي بمثابة نقطة تحول، وقال ان العراق سوف يصبح، مع رحيل القوات الاجنبية، بحال افضل مما كان عليه قبل ست سنوات.
ان تفاءله هذا ليس الا صدىً للتوقعات المتفائلة التي صدرت عقب انتخابات عام 2005، ولكن تلك الانتخابات قد ادلت – بدلا عن ذلك– الى تصاعد العنف. بيد انه قال ان الامر مختلف في هذه المرة. فالتبدل في المواقف في عموم المجتمع العراقي، اضافة الى التحسن الامني، سوف تمنعان الانجراف نحو الفوضى,
وقال كوبر في مقابلته الاخيرة قبل مغادرة العراق: «لقد تجذرت الديمقراطية هنا. من الواضح انه مازال هناك طريق طويل لانجاز المزيد من التطوير. لكن الانتخابات المحلية قد اظهرت ان العراقيين لديهم الشهية لذلك. لقد كانوا احرارا من أي خوف وامناء، وهو ما يعكس الرغبة في التغيير.»
وكان كوبر الرجل الثاني في تسلسل القيادة بعد القائد الاميركي ديفيد بترايوس وخـَلفَه رايموند اوديرنو. وكان القادة الثلاثة مسؤولين عن تحالف يضم 150,000 عسكري في العراق.
يأتي تقييم كوبر الايجابي قبل اسابيع من بداية مغادرة القوات البريطانية المتمركزة في البصرة للعراق نهائيا، والتي ستؤدي بدورها الى تجديد الجدال حول الدور البريطاني في الغزو وما تلاه من احداث.
وقد قتل عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين خلال التمرد. بينما يقف عدد القتلى بين الجنود البريطانيين عند الرقم 179 قتيلا، لكن هناك المئات من الجنود من الذين اصيبوا بعاهة جراء الحرب.
كما تم تدمير البنية التحتية، في بعض الاماكن، بشكل كبير.
وكان جنرالات اميريكون قد قالوا ان القاعدة قد هزمت ستراتيجيا في العراق بعد ان تم زيادة القوات الاميركية في العراق عام 2007.
لكن كوبر لم يذهب الى هذا المدى، بل قال: «لقد كانت القاعدة هنا باعداد كبيرة، لكننا نأمل انهم لم يحصلوا على اهدافهم ومقاصدهم. ان العبرة التي نستخلصها من ذلك ان المنظمات مثل القاعدة والتي تدعي انها تمثل الناس ولكنها تستهدفهم بعد ذلك لن تستطيع ان تكسب الناس الى جانبها. انهم يعانون ارتدادات نوعية، وقد اضمحلت قدرتهم على العمل واستهداف المدنيين.»
واضاف الجنرال كوبر: «لقد تضاءلت قدراتهم التنظيمية الى حد كبير. واستـُلبتْ قدرتهم على التواصل عبر الانترنت، وتلاشت قدرتهم على تمويل نشاطتهم. لقد تقلص حجم شبكتهم الفعالة الى حد بعيد.»
واستطرد قائلا: «لقد كانت زيادة القوات في غاية الاهمية. ان زيادة القوات لها فعلها، وقد شهدنا ذلك في ايرلندا الشمالية، في عام 1972، وايضا بالطريقة التي عملت بها قوات الصحوة والتي مكنتها من تجريد القاعدة من كل اسناد. اذا حصلت على تأييد الناس فسوف تكسب.» ويطلق مصطلح (مجالس الصحوة) على المجاميع التي تم تشكيلها بين العشائر والتي بدأت في الإتلاف مع قوات التحالف عام 2005 لغرض قتال القاعدة.»
على ان البصرة تبقى، برغم تعليقات الجنرال، فقيرة وبحاجة ماسة الى الخدمات الاساسية. لكن كوبر يعتقد ان اكبر مهمة لجيش الاحتلال يجب ان تكون في توفير الظروف الملائمة لاحداث التغييرات في المجتمع، اذ قال: «يقع على عاتق العراقيين ادارة حكومتهم الوطنية، من خلال تنمية القدرات الامنية الذاتية. وهم اضافة الى ذلك لديهم نظام قضائي محكم، ونظام تشريعي محكم ومفهوم، وقد تنامت هيكلية القوات الامنية. لقد فعلنا ذلك عن طريق بناء الديمقراطية في الشرق الاوسط. لقد بدأت البعثات الدبلوماسية، وقد عاد العراق من جديد الى المجتمع الدولي.»
واسترسل الجنرال في حديثه: «ستغادر القوات البريطانية العراق وهو بحال افضل مما كان عليه. لقد قدم الناس تضحيات. وفي بعض الاحيان قدموا منتهى التضحية ويتفهم الجنود ما يفعلونه هنا والسبب فيه. لن تحصل على حكم عادل من التاريخ ما لم يمت كل من ساهم في صنعه. لكني اعتقد، في الوقت الراهن، ان الناس سوف يقولون اننا لعبنا دورا قويا في الجنوب.»
ستبدأ القوات البريطانية في الانسحاب اعتبارا من منتصف هذا الشهر، تاركين خلفهم نحو 400 من الجنود والبحارة والمتعاقدين وسيكون واجب هؤلاء العناصر المتبقية الاساس منحصرا في تدريب قوات الجيش والبحرية العراقية.
وكان كوبر قد وصل الى العراق اوائل عام 2005 وكان برتبة ميجر جنرال، بعد ان خدم نائبا لقائد مسرح العمليات في افغانستان. حينذاك كان المتمردون قد اتخذوا قواعدهم الثابتة. وقاد الفرقة المدرعة الاولى في العراق الذي اتجه حينها بسرعة نحو التمرد المناهض للتحالف ونحو الحرب الاهلية.
اما اليوم فهو يترك البلاد مع تيارين يتحركان باتجاهين متعاكسين: فالعراق يعزز منجزاته الامنية، بينما يتصاعد التمرد في افغانستان.يتساءل الجنرال: «ما حصل في العراق كان تمردا واسع النطاق. فما الفرق في العراق عام 2009؟»
وسرعان ما يجيب قائلا: «انها الظروف. في عام 2003 رُفع الغطاء عن ما يزيد على ثلاثين عاما من القمع الوحشي، مما ادى الى تحرر الرغبات الشخصية لكل فرد. لقد استلزم الامر مقدار من الزمن لكي يدرك العرب السنة ان عليهم ان يشتركوا في العملية السياسية. وقد استغرقت المليشيات الشيعية زمنا لفعل الشيء عينه. كما اخذ بناء قدرات الحكومة زمنه هو الاخر. لقد كان الوقت مناسبا في عام 2008 لفعل ذلك.»
غير ان القوات الاميركية سوف تخلف القوات البريطانية في قاعدتها المحصنة في مطار البصرة، الواقعة على بعد 15 كيلومترا الى الشمال من المدينة، وهي الحقيقة التي تفتح الباب للنقد بان مهمة البريطانيين ابعد ما تكون عن الانجاز مما يدعي كل من ويستمنستر ووايت هول في المقرات الحكومية.
وقال كوبر، من مكتبه في السفارة الاميركية في بغداد : «سيقوم الاميركيون بشي مختلف. كانت مهمتنا الاساس تكمن في تدريب 13 فرقة من الجيش العراقي. لقد انجزنا ذلك. كما اننا استهدفنا توفير الظروف الملائمة لتنمية النشاطات غير العسكرية الاخرى. ستكون القوات الاميركية اصغر. كما انهم سوف ينسحبون ايضا. انهم لا يستنسخون ما قمنا به بالفعل.»
يقول المسؤولون العراقيون في البصرة ان القوات الاميركية قد اتخذت المبادرة فعلا في توفير الامن الى المدينة منذ ما يزيد على ستة شهور. فالبريطاينون يحتفظون بـ18 مركزا امنيا بالتعاون مع الجيش العراقي في عموم مدينة البصرة، الا ان من النادر مشاهدة وحداتهم تسير في شوارع البلدات والمدن.
وقد انتقدت بعض المجاميع في العراق القوات البريطانية بسبب ندرة خروجهم من قواعدهم منذ اواخرعام 2007.
وبينما تزداد عدم شعبية الحرب في العراق بين الشعب البريطاني، فقد وُجهت اتهامات الى الحكومة بانها اتخذت اجراءات متطرفة جدا للتقليل من الضحايا في احدى جبهتي القتال، بينما تستمر الحرب في افغانستان في حصد ارواح الجنود والمجندات البريطانيين بارقام متصاعدة.
ولم تغادر الدبابات البريطانية نوع (تشالنجر) قواعدها في البصرة منذ ثمانية اشهر، وقد تم تقليل العمليات القتالية بحيث لم تتعد المشاركة في الطلعات الجوية في بغداد ومحيطها.
وكان باراك اوباما قد اعلن قبل وقت قصير ان جميع الوحدات القتالية الاميركية سوف تخرج من العراق في العام 2010، أي قبل سنة مما كان متوقعا.
وقد انسحبت القوات البريطانية من مدينة البصرة لتستقر في قاعدة المطار في ايلول من عام 2007، بعد ان تفاوضت مع المليشيات التي قاتلوها في جنوب العراق لثلاث سنوات خلت، لتوفير ممر آمن. وقد ساندوا الجيش العراقي في حملتها في آذار الماضي من اجل طردهم خارج مدينة البصرة، وهي العملية التي أدت الى احلال الامن نسبيا في المدينة.
وكان كوبر قد عاد للعراق للتو في ذلك الوقت بعد عامين من انقطاعه عنه، ولم يكن قد علم بشأن العملية. وقد تركت بعض القوات العراقية التي اشرفت القوات البريطانية على تدريبها مواقعها ومركباتها اثناء العملية التي اطلق عليها (صولة الفرسان).
لكن كوبر اصر على ان القدرات العراقية قد تنامت بشكل كبير.
مضيفا: «لقد أعلنت الحكومة بجلاء ان هناك قوة واحدة مسموح لها في النظام الديمقراطي وهي القوات الحكومية. لقد شهدت مناطق الجنوب سيطرة المليشيا على حياتها، وهو ما رفضوه في آخر الامر. لقد توصلوا الى ان من الافضل لهم ان يكونوا منخرطين في العملية السياسية.»
ترجمة: علاء غزالة
يدّعي الجنرال الذي قاد اطول حملتين عسكريتين بريطانيتين، وهما ايضا الاكثر اثارة للجدل في السنوات الستين الماضية، انه بخروج الجيش من العراق فان القاعدة تكون قد مُنيت بهزيمة ساحقة، وان جذور الديمقراطية تكون قد ترسخت. وكان اللفتنانت جنرال جون كوبر، والذي سيغادر منصب نائب القائد العام الذي يشغله الان ويتقاعد من الجيش بعد خدمة 30 سنة، قد قال ان البصرة التي سيغادرها البريطانيون اوائل الصيف المقبل، قد وقفت على قدميها من جديد وهي في مأمن من عودة أي نشاط للمليشيات. ويعتقد كوبر ان الانتخابات المحلية التي أجريت في شهر كانون الثاني الماضي في انحاء البلاد هي بمثابة نقطة تحول، وقال ان العراق سوف يصبح، مع رحيل القوات الاجنبية، بحال افضل مما كان عليه قبل ست سنوات.
ان تفاءله هذا ليس الا صدىً للتوقعات المتفائلة التي صدرت عقب انتخابات عام 2005، ولكن تلك الانتخابات قد ادلت – بدلا عن ذلك– الى تصاعد العنف. بيد انه قال ان الامر مختلف في هذه المرة. فالتبدل في المواقف في عموم المجتمع العراقي، اضافة الى التحسن الامني، سوف تمنعان الانجراف نحو الفوضى,
وقال كوبر في مقابلته الاخيرة قبل مغادرة العراق: «لقد تجذرت الديمقراطية هنا. من الواضح انه مازال هناك طريق طويل لانجاز المزيد من التطوير. لكن الانتخابات المحلية قد اظهرت ان العراقيين لديهم الشهية لذلك. لقد كانوا احرارا من أي خوف وامناء، وهو ما يعكس الرغبة في التغيير.»
وكان كوبر الرجل الثاني في تسلسل القيادة بعد القائد الاميركي ديفيد بترايوس وخـَلفَه رايموند اوديرنو. وكان القادة الثلاثة مسؤولين عن تحالف يضم 150,000 عسكري في العراق.
يأتي تقييم كوبر الايجابي قبل اسابيع من بداية مغادرة القوات البريطانية المتمركزة في البصرة للعراق نهائيا، والتي ستؤدي بدورها الى تجديد الجدال حول الدور البريطاني في الغزو وما تلاه من احداث.
وقد قتل عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين خلال التمرد. بينما يقف عدد القتلى بين الجنود البريطانيين عند الرقم 179 قتيلا، لكن هناك المئات من الجنود من الذين اصيبوا بعاهة جراء الحرب.
كما تم تدمير البنية التحتية، في بعض الاماكن، بشكل كبير.
وكان جنرالات اميريكون قد قالوا ان القاعدة قد هزمت ستراتيجيا في العراق بعد ان تم زيادة القوات الاميركية في العراق عام 2007.
لكن كوبر لم يذهب الى هذا المدى، بل قال: «لقد كانت القاعدة هنا باعداد كبيرة، لكننا نأمل انهم لم يحصلوا على اهدافهم ومقاصدهم. ان العبرة التي نستخلصها من ذلك ان المنظمات مثل القاعدة والتي تدعي انها تمثل الناس ولكنها تستهدفهم بعد ذلك لن تستطيع ان تكسب الناس الى جانبها. انهم يعانون ارتدادات نوعية، وقد اضمحلت قدرتهم على العمل واستهداف المدنيين.»
واضاف الجنرال كوبر: «لقد تضاءلت قدراتهم التنظيمية الى حد كبير. واستـُلبتْ قدرتهم على التواصل عبر الانترنت، وتلاشت قدرتهم على تمويل نشاطتهم. لقد تقلص حجم شبكتهم الفعالة الى حد بعيد.»
واستطرد قائلا: «لقد كانت زيادة القوات في غاية الاهمية. ان زيادة القوات لها فعلها، وقد شهدنا ذلك في ايرلندا الشمالية، في عام 1972، وايضا بالطريقة التي عملت بها قوات الصحوة والتي مكنتها من تجريد القاعدة من كل اسناد. اذا حصلت على تأييد الناس فسوف تكسب.» ويطلق مصطلح (مجالس الصحوة) على المجاميع التي تم تشكيلها بين العشائر والتي بدأت في الإتلاف مع قوات التحالف عام 2005 لغرض قتال القاعدة.»
على ان البصرة تبقى، برغم تعليقات الجنرال، فقيرة وبحاجة ماسة الى الخدمات الاساسية. لكن كوبر يعتقد ان اكبر مهمة لجيش الاحتلال يجب ان تكون في توفير الظروف الملائمة لاحداث التغييرات في المجتمع، اذ قال: «يقع على عاتق العراقيين ادارة حكومتهم الوطنية، من خلال تنمية القدرات الامنية الذاتية. وهم اضافة الى ذلك لديهم نظام قضائي محكم، ونظام تشريعي محكم ومفهوم، وقد تنامت هيكلية القوات الامنية. لقد فعلنا ذلك عن طريق بناء الديمقراطية في الشرق الاوسط. لقد بدأت البعثات الدبلوماسية، وقد عاد العراق من جديد الى المجتمع الدولي.»
واسترسل الجنرال في حديثه: «ستغادر القوات البريطانية العراق وهو بحال افضل مما كان عليه. لقد قدم الناس تضحيات. وفي بعض الاحيان قدموا منتهى التضحية ويتفهم الجنود ما يفعلونه هنا والسبب فيه. لن تحصل على حكم عادل من التاريخ ما لم يمت كل من ساهم في صنعه. لكني اعتقد، في الوقت الراهن، ان الناس سوف يقولون اننا لعبنا دورا قويا في الجنوب.»
ستبدأ القوات البريطانية في الانسحاب اعتبارا من منتصف هذا الشهر، تاركين خلفهم نحو 400 من الجنود والبحارة والمتعاقدين وسيكون واجب هؤلاء العناصر المتبقية الاساس منحصرا في تدريب قوات الجيش والبحرية العراقية.
وكان كوبر قد وصل الى العراق اوائل عام 2005 وكان برتبة ميجر جنرال، بعد ان خدم نائبا لقائد مسرح العمليات في افغانستان. حينذاك كان المتمردون قد اتخذوا قواعدهم الثابتة. وقاد الفرقة المدرعة الاولى في العراق الذي اتجه حينها بسرعة نحو التمرد المناهض للتحالف ونحو الحرب الاهلية.
اما اليوم فهو يترك البلاد مع تيارين يتحركان باتجاهين متعاكسين: فالعراق يعزز منجزاته الامنية، بينما يتصاعد التمرد في افغانستان.يتساءل الجنرال: «ما حصل في العراق كان تمردا واسع النطاق. فما الفرق في العراق عام 2009؟»
وسرعان ما يجيب قائلا: «انها الظروف. في عام 2003 رُفع الغطاء عن ما يزيد على ثلاثين عاما من القمع الوحشي، مما ادى الى تحرر الرغبات الشخصية لكل فرد. لقد استلزم الامر مقدار من الزمن لكي يدرك العرب السنة ان عليهم ان يشتركوا في العملية السياسية. وقد استغرقت المليشيات الشيعية زمنا لفعل الشيء عينه. كما اخذ بناء قدرات الحكومة زمنه هو الاخر. لقد كان الوقت مناسبا في عام 2008 لفعل ذلك.»
غير ان القوات الاميركية سوف تخلف القوات البريطانية في قاعدتها المحصنة في مطار البصرة، الواقعة على بعد 15 كيلومترا الى الشمال من المدينة، وهي الحقيقة التي تفتح الباب للنقد بان مهمة البريطانيين ابعد ما تكون عن الانجاز مما يدعي كل من ويستمنستر ووايت هول في المقرات الحكومية.
وقال كوبر، من مكتبه في السفارة الاميركية في بغداد : «سيقوم الاميركيون بشي مختلف. كانت مهمتنا الاساس تكمن في تدريب 13 فرقة من الجيش العراقي. لقد انجزنا ذلك. كما اننا استهدفنا توفير الظروف الملائمة لتنمية النشاطات غير العسكرية الاخرى. ستكون القوات الاميركية اصغر. كما انهم سوف ينسحبون ايضا. انهم لا يستنسخون ما قمنا به بالفعل.»
يقول المسؤولون العراقيون في البصرة ان القوات الاميركية قد اتخذت المبادرة فعلا في توفير الامن الى المدينة منذ ما يزيد على ستة شهور. فالبريطاينون يحتفظون بـ18 مركزا امنيا بالتعاون مع الجيش العراقي في عموم مدينة البصرة، الا ان من النادر مشاهدة وحداتهم تسير في شوارع البلدات والمدن.
وقد انتقدت بعض المجاميع في العراق القوات البريطانية بسبب ندرة خروجهم من قواعدهم منذ اواخرعام 2007.
وبينما تزداد عدم شعبية الحرب في العراق بين الشعب البريطاني، فقد وُجهت اتهامات الى الحكومة بانها اتخذت اجراءات متطرفة جدا للتقليل من الضحايا في احدى جبهتي القتال، بينما تستمر الحرب في افغانستان في حصد ارواح الجنود والمجندات البريطانيين بارقام متصاعدة.
ولم تغادر الدبابات البريطانية نوع (تشالنجر) قواعدها في البصرة منذ ثمانية اشهر، وقد تم تقليل العمليات القتالية بحيث لم تتعد المشاركة في الطلعات الجوية في بغداد ومحيطها.
وكان باراك اوباما قد اعلن قبل وقت قصير ان جميع الوحدات القتالية الاميركية سوف تخرج من العراق في العام 2010، أي قبل سنة مما كان متوقعا.
وقد انسحبت القوات البريطانية من مدينة البصرة لتستقر في قاعدة المطار في ايلول من عام 2007، بعد ان تفاوضت مع المليشيات التي قاتلوها في جنوب العراق لثلاث سنوات خلت، لتوفير ممر آمن. وقد ساندوا الجيش العراقي في حملتها في آذار الماضي من اجل طردهم خارج مدينة البصرة، وهي العملية التي أدت الى احلال الامن نسبيا في المدينة.
وكان كوبر قد عاد للعراق للتو في ذلك الوقت بعد عامين من انقطاعه عنه، ولم يكن قد علم بشأن العملية. وقد تركت بعض القوات العراقية التي اشرفت القوات البريطانية على تدريبها مواقعها ومركباتها اثناء العملية التي اطلق عليها (صولة الفرسان).
لكن كوبر اصر على ان القدرات العراقية قد تنامت بشكل كبير.
مضيفا: «لقد أعلنت الحكومة بجلاء ان هناك قوة واحدة مسموح لها في النظام الديمقراطي وهي القوات الحكومية. لقد شهدت مناطق الجنوب سيطرة المليشيا على حياتها، وهو ما رفضوه في آخر الامر. لقد توصلوا الى ان من الافضل لهم ان يكونوا منخرطين في العملية السياسية.»
ـ12,000 عسكري أميركي يغادرون العراق .. إعلان الخطوة الأولـى نحو الانسحاب
عن: الواشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة
أعلن الجيش الأميركي يوم الأحد الماضي إن 12,000 جندي اميركي سوف ينسحبون من العراق بحلول شهر ايلول، وهي الخطوة الاولى لتنفيذ خطة ادارة اوباما لسحب القوات القتالية خارج البلاد بحلول آب من عام 2010. وكان الرئيس اوباما قد اعلن الشهر الماضي، بينما كان يعمل على تحديد الموعد النهائي للانسحاب، ان الولايات المتحدة سوف تقيد نفسها باهداف يمكن تحقيقها قبل مغادرة العراق. ان توقيت اعلان الانسحاب يوم الاحد يؤكد ان العراق سوف يبقى –على الارجح– مكانا خطرا ومضطربا وضعيفا امام الهجمات الدموية الكبيرة في إثناء الانسحاب الاميركي.
فقبل ساعات من اعلان الانسحاب اقدم مهاجم انتحاري يقود دراجة نارية على تفجير نفسه وسط جمعاً من الناس امام مدخل كلية الشرطة في بغداد، ما ادى الى مقتل 28 شخصا وجرح العشرات. وقد روى الناجون قصصا عن مشاهد الفوضى والارتباك الذي تلا الانفجار، بينما حاولت سيارات الاسعاف ان تشق طريقها في الشوارع المزدحمة. كما اطلق رجال الشرطة العيارات النارية في الهواء، اما بسبب ارتباكهم او خوفا من من انفجارٍ ثانٍ، في محاولة لتفريق الجموع.
وفي فترة مابعد الظهيرة لم تبق الا اثار قليلة للجهوم، وهي عبارة عن قطع من الزجاج المتناثر على الاسفلت. وتدلى من عمود جسر قريب ملصق ممزق يعود الى فترة الانتخابات المحلية، خطت عليه عبارة تقول: "بدماء الشهداء يتحرر العراق."
وبحسب خطة الادارة الاميركية، فانه سوف يتم تأجيل تقليل عديد القوات الاميركية التي يزيد عددها على 130,000 عسكري الى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في شهر كانون الاول، تلك الانتخابات التي يرى فيها الجميع تقريبا انها ستكون نقطة انقسام محتملة. وتتطلب الاتفاقية التي تم التفاوض عليها بين العراق والولايات المتحدة في العام الماضي ان تغادر جميع القوات الاميركية بنهاية عام 2011، وهو الموعد النهائي الذي اعاد المسؤولون العراقيون التأكيد عليه يوم الاحد، حيث قال علي الدباغ، الناطق باسم الحكومة: "ليس في نية الحكومة العراقية ان تقبل بوجود قوات اجنبية او قواعد لها بعد عام 2011."
ولكن مسرح عمليات الجيش الاميركي في العراق قد تغير بشكل كبير، حتى قبل وقت طويل من الموعد النهائي للانسحاب. واستنادا الى الاتفاقية الامنية يتوجب على القوات الاميركية ان تغادر المدن بنهاية حزيران، كما ان اوباما قد اصدر امرا للوائين قتالين كانا على وشك الذهاب الى العراق لاستبدال قوات اخرى، لاعادة انتشارهما في افغانستان بدلا من العراق. ان مغادرة اللوائين القتاليين المقررة في ايلول سيجعل عدد الالوية القتالية الاميركية في العراق 12 لواءا. كما ان سربا من طائرات اف-16، مع بعض الوحدات الساندة، ستغادر هي الاخرى، ا4ضافة الى الجنود البريطانيين الـ 4000 المتبقين في العراق، والذين يتخذون من جنوبي العراق مقرا لهم.
وكان اكبر عدد للقوات الاميركية في العراق قد بلغ 165,000 عسكري. وسوف تبقى قوات قوامها 50,000 عسكري في العراق حتى بعد مغادرة القوات القتالية، لاغراض التدريب، ومن اجل ما يطلق عليه المسؤولون بعمليات مقارعة الارهاب.
وقال الميجر جنرال ديفيد بيكنز، المتحدث باسم القوات الاميركية، وهو يعلن عن الانسحاب: "لا نشعر بالاطمئنان باي شكل من الاشكال. نحن نعلم ان القاعدة، على الرغم من انخفاض قدراتها وعديد افرادها بشكل كبير، الا انها ما زالت تكافح للحصول على النفوذ هنا."
واضاف بيركنز ان القوات المتبقية سوف يُعاد انتشارها في انحاء البلاد. وعلى الرغم من انخفاض الهجمات بشكل كبير، الا ان هناك اجزاءً من العراق ما زالت ترزح تحت نير العنف بشكل واضح. ولايزال التمرد ناشطا في مدينة الموصل الشمالية، اضافة الى خطوط التقسيم العرقي في البلاد. وبقيت ديالى التي هي خليط من الأعراق والديانات منطقة خطرة برغم الحملات المتكررة التي قامت بها القوات الاميركية والعراقية لقمع المقتالين فيها.
وقال بيركنز: " لن نترك ثغرات امنية خلفنا. نعرف كيف نفعل ذلك. هذه ليست المرة الاولى التي قللنا فيها من عديد قواتنا."
وحتى العراقيين المتشددين حيال الوجود الاميركي، الذي ابتدأ حينما غزت الولايات المتحدة البلاد واحتلتها في اوائل عام 2003، اعربوا عن قلقهم من احتمال تصاعد العنف خلال الانسحاب. وبرغم تصريح الدباغ بان العراق "يعود الى الحالة الطبيعية"، فان المسؤولين الاميركيين يقرون بان من المحتمل ان تستمر الهجمات المماثلة لهجوم الاحد في اجزاء من العراق. وقد علل بيركنز الهجمات التي تهدف الى جلب انتباه وسائل الاعلام بانها اشارة على اليأس بعد نجاح الانتخابات في شهر كانون الثاني والمفاوضات على الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة. ويأتي تصريحه هذا ترديدا لوجهة النظر التي عادة ما يكرر الجيش القول بها.
كما قال بان العنف قد وصل الى ادنى مستوياته منذ صيف عام 2003.
واضاف: "حينما تستشعر القاعدة انها تحت ضغط هائل فانها تفقد زخمها، ومن ثم تعمل جاهدة لاستعادة نفوذها واستعادة زخمها."
وفي هجوم يوم الاحد، قام الارهابي بتفجير قنابل حملها على جسمه وعلى دراجته النارية في منطقة ذات حماية مكثفة ببغداد تقع بالقرب من مقر وزارة النفط ومقرات عسكرية وحكومية اخرى. كما ان مدخل كلية الشرطة محمي بالجدران الكونكريتية، غير ان الجموع المستهدفة كانت تقف تحت الجسر، على بعد عدة امتار من المدخل، وكانت معرضة الى حركة المرور.
وقد تجمع الرجال خارج الكلية على امل ان يتطوعوا في سلك الشرطة. وقال الناجون ان رجال الامن تركوهم ينتظرون في الشارع لفترة اكثر من ساعتين من دون ان يعطوهم اية توجيهات، كما عبر البعض عن الغضب لتركهم هدفا سهلا للهجمات بهذا الشكل.
وكان تفجير سابق قد استهدف كلية الشرطة ذاتها في الاول من كانون الاول الماضي ما ادى الى مقتل 15 شخصا.
يقول علي فراجي، الذي كان يحاول ان يحصل على قبول في الكلية منذ ثلاث سنوات: "لم نحط علما بما كان يجري. لقد طلبوا من القدوم، ثم ابعدونا. طلبونا من جديد، ثم ابعدونا مرة اخرى. لم يكونوا ليخبرونا بأي شيء."
وفي مستشفى الكندي، عُلقت اسماء الجرحى الـ 58 على مرمر المدخل الرمادي، وقد كتبت من دون عناية على ورقة دفتر ولصقت باستعمال شريط لاقص معد للعمليات الجراحية. وساعد الاشخاص الموجودون في المنطقة في البحث عن اسماء اقرباء هؤلاء الذي لا يجيدون القراءة.
قالت امرأة وهي تنوح: "لم اعثر على اسمه. اين اسمه؟"
وقف حنون حسين مع ابنه اسعد، ذي العشرين عاما، وكان قد ذهب الى كلية الشرطة بعد ان شاهد اعلانا عن فتح باب التقديم في الكلية على التلفاز في الليلة الماضية. كانت هناك ضمادة على عين ابنه، كما فقد سمعه نتيجة الانفجار.
وتساءل الوالد: "لماذا يتركوهم في الخارج. لماذا لا يدخلوهم إلى داخل البناية؟ لماذا يتركوهم في الشارع ألا يعلمون أن الوضع شديد الخطورة في الخارج؟."
ترجمة: علاء غزالة
أعلن الجيش الأميركي يوم الأحد الماضي إن 12,000 جندي اميركي سوف ينسحبون من العراق بحلول شهر ايلول، وهي الخطوة الاولى لتنفيذ خطة ادارة اوباما لسحب القوات القتالية خارج البلاد بحلول آب من عام 2010. وكان الرئيس اوباما قد اعلن الشهر الماضي، بينما كان يعمل على تحديد الموعد النهائي للانسحاب، ان الولايات المتحدة سوف تقيد نفسها باهداف يمكن تحقيقها قبل مغادرة العراق. ان توقيت اعلان الانسحاب يوم الاحد يؤكد ان العراق سوف يبقى –على الارجح– مكانا خطرا ومضطربا وضعيفا امام الهجمات الدموية الكبيرة في إثناء الانسحاب الاميركي.
فقبل ساعات من اعلان الانسحاب اقدم مهاجم انتحاري يقود دراجة نارية على تفجير نفسه وسط جمعاً من الناس امام مدخل كلية الشرطة في بغداد، ما ادى الى مقتل 28 شخصا وجرح العشرات. وقد روى الناجون قصصا عن مشاهد الفوضى والارتباك الذي تلا الانفجار، بينما حاولت سيارات الاسعاف ان تشق طريقها في الشوارع المزدحمة. كما اطلق رجال الشرطة العيارات النارية في الهواء، اما بسبب ارتباكهم او خوفا من من انفجارٍ ثانٍ، في محاولة لتفريق الجموع.
وفي فترة مابعد الظهيرة لم تبق الا اثار قليلة للجهوم، وهي عبارة عن قطع من الزجاج المتناثر على الاسفلت. وتدلى من عمود جسر قريب ملصق ممزق يعود الى فترة الانتخابات المحلية، خطت عليه عبارة تقول: "بدماء الشهداء يتحرر العراق."
وبحسب خطة الادارة الاميركية، فانه سوف يتم تأجيل تقليل عديد القوات الاميركية التي يزيد عددها على 130,000 عسكري الى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في شهر كانون الاول، تلك الانتخابات التي يرى فيها الجميع تقريبا انها ستكون نقطة انقسام محتملة. وتتطلب الاتفاقية التي تم التفاوض عليها بين العراق والولايات المتحدة في العام الماضي ان تغادر جميع القوات الاميركية بنهاية عام 2011، وهو الموعد النهائي الذي اعاد المسؤولون العراقيون التأكيد عليه يوم الاحد، حيث قال علي الدباغ، الناطق باسم الحكومة: "ليس في نية الحكومة العراقية ان تقبل بوجود قوات اجنبية او قواعد لها بعد عام 2011."
ولكن مسرح عمليات الجيش الاميركي في العراق قد تغير بشكل كبير، حتى قبل وقت طويل من الموعد النهائي للانسحاب. واستنادا الى الاتفاقية الامنية يتوجب على القوات الاميركية ان تغادر المدن بنهاية حزيران، كما ان اوباما قد اصدر امرا للوائين قتالين كانا على وشك الذهاب الى العراق لاستبدال قوات اخرى، لاعادة انتشارهما في افغانستان بدلا من العراق. ان مغادرة اللوائين القتاليين المقررة في ايلول سيجعل عدد الالوية القتالية الاميركية في العراق 12 لواءا. كما ان سربا من طائرات اف-16، مع بعض الوحدات الساندة، ستغادر هي الاخرى، ا4ضافة الى الجنود البريطانيين الـ 4000 المتبقين في العراق، والذين يتخذون من جنوبي العراق مقرا لهم.
وكان اكبر عدد للقوات الاميركية في العراق قد بلغ 165,000 عسكري. وسوف تبقى قوات قوامها 50,000 عسكري في العراق حتى بعد مغادرة القوات القتالية، لاغراض التدريب، ومن اجل ما يطلق عليه المسؤولون بعمليات مقارعة الارهاب.
وقال الميجر جنرال ديفيد بيكنز، المتحدث باسم القوات الاميركية، وهو يعلن عن الانسحاب: "لا نشعر بالاطمئنان باي شكل من الاشكال. نحن نعلم ان القاعدة، على الرغم من انخفاض قدراتها وعديد افرادها بشكل كبير، الا انها ما زالت تكافح للحصول على النفوذ هنا."
واضاف بيركنز ان القوات المتبقية سوف يُعاد انتشارها في انحاء البلاد. وعلى الرغم من انخفاض الهجمات بشكل كبير، الا ان هناك اجزاءً من العراق ما زالت ترزح تحت نير العنف بشكل واضح. ولايزال التمرد ناشطا في مدينة الموصل الشمالية، اضافة الى خطوط التقسيم العرقي في البلاد. وبقيت ديالى التي هي خليط من الأعراق والديانات منطقة خطرة برغم الحملات المتكررة التي قامت بها القوات الاميركية والعراقية لقمع المقتالين فيها.
وقال بيركنز: " لن نترك ثغرات امنية خلفنا. نعرف كيف نفعل ذلك. هذه ليست المرة الاولى التي قللنا فيها من عديد قواتنا."
وحتى العراقيين المتشددين حيال الوجود الاميركي، الذي ابتدأ حينما غزت الولايات المتحدة البلاد واحتلتها في اوائل عام 2003، اعربوا عن قلقهم من احتمال تصاعد العنف خلال الانسحاب. وبرغم تصريح الدباغ بان العراق "يعود الى الحالة الطبيعية"، فان المسؤولين الاميركيين يقرون بان من المحتمل ان تستمر الهجمات المماثلة لهجوم الاحد في اجزاء من العراق. وقد علل بيركنز الهجمات التي تهدف الى جلب انتباه وسائل الاعلام بانها اشارة على اليأس بعد نجاح الانتخابات في شهر كانون الثاني والمفاوضات على الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة. ويأتي تصريحه هذا ترديدا لوجهة النظر التي عادة ما يكرر الجيش القول بها.
كما قال بان العنف قد وصل الى ادنى مستوياته منذ صيف عام 2003.
واضاف: "حينما تستشعر القاعدة انها تحت ضغط هائل فانها تفقد زخمها، ومن ثم تعمل جاهدة لاستعادة نفوذها واستعادة زخمها."
وفي هجوم يوم الاحد، قام الارهابي بتفجير قنابل حملها على جسمه وعلى دراجته النارية في منطقة ذات حماية مكثفة ببغداد تقع بالقرب من مقر وزارة النفط ومقرات عسكرية وحكومية اخرى. كما ان مدخل كلية الشرطة محمي بالجدران الكونكريتية، غير ان الجموع المستهدفة كانت تقف تحت الجسر، على بعد عدة امتار من المدخل، وكانت معرضة الى حركة المرور.
وقد تجمع الرجال خارج الكلية على امل ان يتطوعوا في سلك الشرطة. وقال الناجون ان رجال الامن تركوهم ينتظرون في الشارع لفترة اكثر من ساعتين من دون ان يعطوهم اية توجيهات، كما عبر البعض عن الغضب لتركهم هدفا سهلا للهجمات بهذا الشكل.
وكان تفجير سابق قد استهدف كلية الشرطة ذاتها في الاول من كانون الاول الماضي ما ادى الى مقتل 15 شخصا.
يقول علي فراجي، الذي كان يحاول ان يحصل على قبول في الكلية منذ ثلاث سنوات: "لم نحط علما بما كان يجري. لقد طلبوا من القدوم، ثم ابعدونا. طلبونا من جديد، ثم ابعدونا مرة اخرى. لم يكونوا ليخبرونا بأي شيء."
وفي مستشفى الكندي، عُلقت اسماء الجرحى الـ 58 على مرمر المدخل الرمادي، وقد كتبت من دون عناية على ورقة دفتر ولصقت باستعمال شريط لاقص معد للعمليات الجراحية. وساعد الاشخاص الموجودون في المنطقة في البحث عن اسماء اقرباء هؤلاء الذي لا يجيدون القراءة.
قالت امرأة وهي تنوح: "لم اعثر على اسمه. اين اسمه؟"
وقف حنون حسين مع ابنه اسعد، ذي العشرين عاما، وكان قد ذهب الى كلية الشرطة بعد ان شاهد اعلانا عن فتح باب التقديم في الكلية على التلفاز في الليلة الماضية. كانت هناك ضمادة على عين ابنه، كما فقد سمعه نتيجة الانفجار.
وتساءل الوالد: "لماذا يتركوهم في الخارج. لماذا لا يدخلوهم إلى داخل البناية؟ لماذا يتركوهم في الشارع ألا يعلمون أن الوضع شديد الخطورة في الخارج؟."
Thursday, March 05, 2009
نهاية «الفترة المظلمة» التي مرت بها بغداد
عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة
بغداد – خرج جندي اميركي من نادٍ ليلي في بغداد، حاملا باحدى يديه سلاحه وباليد الاخرى علبة معدنية خضراء من الجعة. اخذ رشفة من العلبة ومشى نحو اثنين من الضباط وقد ارتدى بزة تبدو كما لو كانت البزة العسكرية النظامية مع كل معدات القتال. وفي داخل النادي الليلي، في ليلة الخميس، يحدق الجنود الاميريكون من الفرقة 82 المحمولة جوا نحو شابات عراقيات، يبدو انهن راقصات محترفات، وهن يتمايلن على وقع موسيقى البوب العربية، بينما راح المطرب ينشد اغنيته متمهلا من خلال لاقط صوت رديء يطلق صفيرا بين الحين والاخر. كل ذلك كان قبل وقت قريب محرما من قبل المتطرفين الاسلاميين ويعاقبون عليه بقطع الرأس.
وبعد عشرين دقيقة، دفع ثلة من السكارى جنديا اميركيا ليرقص. حرّك الجندي قدميه بصورة ناشزة، وهو يضع معدات الرؤية الليلة ويحمل جهاز الاتصال الخاص به، ليشارك النساء والرجال المتحمسين في رقصة الدبكة العربية حول منضدة ملآى بقناني الجعة الفارغة.
لقد تقوقع الجنود الاميركيون والغربيون الآخرون في بغداد، على مدى معظم السنوات الست الماضية، خلف جدران من الكونكريت والاسلاك الشائكة، وحينما يخرجون الى الشوارع فانهم يجولون بعربات مصفحة، خوفا من الهجمات او الاختطاف. فالوقت الذي يمضونه في المنطقة الحمراء، وهي جميع انحاء مدينة بغداد باستثناء منطقة محمية، عادة ما يجلب لهم المصائب. لا يغادر الجنود الاميركيون قواعدهم او معسكراتهم الا اذا كانوا في الواجب.
يقول الجنود في شارع ابو نواس انهم كانوا يزورون النادي الليلي للتحدث مع المدير حول امور امنية، لكنهم كانوا يخالطون العامة من العراقيين بطريقة لم يكونوا يتخيلوها قبل بضعة شهور فقط. يعكس المشهد تزايد الشعور بالامان في العاصمة العراقية وفي انحاء كثيرة من العراق، لكن من المستحيل معرفة كم من الجنود الاميركيين في بغداد قد وافته الفرصة او الرغبة في شرب الجعة بينما يقوم بدورية، وهي مخالفة للقوانين العسكرية التي تمنع تناول المشروبات الروحية في مناطق الحرب.
ولكن المتحدث العسكري الاميركي، السرجنت كريس ستانغر، كان متشككا، في معرض جوابه عن سؤال حول ما قام به الجنود، إذ قال: "اريد ان افهم هذا بوضوح، هل رأيت الجنود الاميريكون في النادي الليلي في وسط مدينة بغداد خارج المنطقة الخضراء مرتدين الزي النظامي ويشربون ويرقصون؟"
يقول مدير النادي الليلي، صلاح حسن، ان زيارة الخميس لم تكن استثنائية، ويضيف: "لقد جاء الاميريكون الى هنا اربع او خمس مرات خلال هذا الاسبوع. لقد اشتروا مشروبات ودفعوا اثمانها."
وأيد آخرون ان الجنود الاميريكيين قد جاءوا الى النادي اكثر من مرة. تقول امل سعد، وهي شابة قصيرة القامة، تضع عدسات لاصقة زرقاء وتصبغ شفتاها باللون الاحمر بكثافة: "انا احب الاميركيين، واحب قدومهم الى هنا. ذلك يشعرني بالامن."
وتستطرد قائلة: "لقد ذهبت معهم الى عرباتهم المدرعة عدة مرات. لقد اخذوني الى المتاجر واشتروا لي الحلوى والهدايا."
يقول حسن انه افتتح ناديه بعد ان حصل على منحة قدرها عشرة الاف دولار من الجيش الاميركي، تم تخصيصها على خطة للمساعدة في اطلاق المشاريع الصغيرة، ضمن ستراتيجية اشمل لمقارعة التمرد واحلال الامن في بغداد. ويضيف حسن: "انهم يأتون ويرقصون. يعرف بعضنا البعض الاخر جيدا. وهم يخبرون اصدقاءهم ومن ثم يأتي هؤلاء الى هنا ايضا."
تنص اتفاقية مستوى القوات، التي وقعتها كل من حكومتي الولايات المتحدة والعراق في شهر تشرين الثاني الماضي، على ان يتم تقديم الجنود الاميركيين الذين يرتكبون جرائم خطيرة خارج قواعدهم وخارج الواجب الى القضاء العراقي، برغم ان الولايات المتحدة احتفظت بالكلمة الاخيرة في تحديد ما اذا كان الجنود خارج الواجب. تعطي مشاهدة الجنود وهم يشربون ويرقصون انطباعا يصعب تفاديه بان الجنود ليسوا في الواجب، بل هم في وقت الراحة.
يقول العريف ايريك كارترايت، الذي يبلغ 26 عاما من العمر وهو من كندا، بينما كان يراقب رفاقه يرقصون الدبكة: "الجميع يستمتع بوقته هنا. لا احد يخشى من ما يمكن ان يحدث. هذه إمارة جيدة."
لقد كان شارع ابو نواس عصبا للحياة في السبعينيات. وقد ظلت الحانات مفتوحة حتى ساعات الصباح الاولى. ولكن صدام اغلق جميع الملاهي الليلية في عام 1994، في مسعاه للحصول على دعم الجماعات الدينية العراقية المحافظة.
وبعد الغزو الاميركي عام 2003، استهدفت المليشيات والمتمردون بائعي المشروبات الكحولية. وقد ارسلوا تهديدات بالقتل الى المطربين والراقصات، ما اجبر الكثير منهم على الهروب الى خارج البلاد.
وقد سمحت الحكومة بإعادة افتتاح النوادي الليلية قبل ثلاثة شهور، وهي الخطوة التي وسعت من شعبيتها بين الكثير من العراقيين من سكان المدن. لكن الكثير من النوادي الليلية بقي مقفلا خلال معظم الفترة التي تلت اصدار هذا الامر، وهي الفترة التي تضمنت ايضا بعضا من الايام المقدسة لدى المسلمين.
لايزال تهديد المتطرفين ساريا، بيد ان الاجراءات الامنية المشددة عبر العاصمة قد ولدت الثقة.
وبدأت النوادي الليلية بفتح ابوابها في بعض المناطق في بغداد. وتستضيف الفنادق فرق الرقص من اجل الترفيه عن العراقيين الموسورين. اما النوادي الاجتماعية، التي توفر المشروبات الكحولية والقمار مدفوعة ضمن تذكرة الدخول اليها، فقد بدأت تشهد تزايداً في زبائنها. ويعود المطربون من منفاهم.
ولعل شارع ابو نواس اليوم هو من اكثر المناطق امنا منطقة في بغداد. وهو يسير بمحاذاة نهر دجلة، وينتهي عند احدى بوابات المنطقة الخضراء، حيث تقع ابنية السفارة الاميركية والحكومة العراقية. ويقع النادي الليلي الذي يملكه حسن عند فرع يمتد من هذا الشارع وتغلقه جدران كونكريتية من كلتي نهايتيه بالاضافة الى تواجد نقاط تفتيش يقوم عليها متعاقدون امنيون خصوصيون عراقيون وقوات الشرطة. وفي نهاية الشارع توجد مكاتب على هيئة ثكنات عسكرية لمنظمات اعلامية غربية، كل منها يمتلك قواته الخاصة. وتقوم القوات الاميركية بدوريات راجلة في المنطقة كل يوم تقريبا.
يقول حسن: "هذه المنطقة محمية بشكل جيد. لو لم اتوفر على الامن لما كنت قادرا على تشغيل النادي، لان الزبائن كانوا سيحجمون عن القدوم الى هنا خشية القتل او الاختطاف."
ويقول ان رجالا مسلحين دخلوا ناديا ليليا بساحة الاندلس في الليلة الماضية واختطفوا اثنين من الزبائن.
وبعد مضي دقائق معدودة من الحديث بدأ حسن يتوجس من مناقشة زيارة الجنود الاميركيين. وقد طلب ان لا يذكر اسم ناديه الليلي، حتى وان كان الاسم قد كتب على لوحة ضوئية خارج النادي وباللغة الانكليزية. ويعلق على ذلك بالقول: "سوف يأتي الاميركيون ويغلقوا النادي."
وتجد في نادٍ مجاور الرواد وقد اسكرتهم الخمرة لدرجة انهم لم يعودوا يبالون بالتهديدات. وكان كل منهم قد دفع 45 دولارا اجرا لدخول النادي، وهو مبلغ كبير بالنسبة الى الكثير من العراقيين، لسماع غناء اديبة، وهي احدى المطربات في البلاد. ولم تخيب اديبة، ذات الشعر الاسود، ظنهم.
انهالت على كل من الرجال الحاضرين بالقبل، وبدأت بالغناء:
صدقني، لم اضجر منك
روحي ساكنة في بيتك
صدقني
وبينما كانت تغني اديبة، جالت راقصة، ترتدي فستانا ذا لونين احمر واسود، في حلبة الرقص بينما اهتاج الجمهور بالصياح. وفي الاثناء هزّ شبان يرتدون سترات انيقة اجسادهم ولوحوا بمناديل وردية اللون. صعد احد الرجال الى الحلبة ونثر ملء اليد نقودا لتنهال على اديبة وفرقتها ذات الخمسة رجال.
وكانت اديبة، وهي على غرار معظم المطربات العراقيات تستعمل اسمها الاول فقط، قد عادت من البحرين قبل شهرين، بعد ان فرّت من العراق قبل ثلاث سنوات. وهي تقول: "لم يكن هناك عمل أما هنا، فقد كان يتم قطع رؤوس المطربات اللائي يعثر عليهن وهن يغنين."
وقد شجعها التحسن الامني على العودة، كما ان "العيش خارج بلدي يقتلني" كما تقول. يضاف الى ذلك انها سمعت بان النوادي الليلية قد فتحت ابوابها من جديد.
تقول اديبة بثقة: "لقد ولى العهد المظلم."
ويوافق جمهورها على ذلك.
يقول منتظر خزعل، بائع الملابس ابن الـ 18 ربيعا: "اشعر بالامان بمجرد الاستماع اليها."
ويضيف صديقه حسين شيبا، الذي يبلغ 17 ربيعا فقط: "لم نكن نتوقع ان يأتي مثل هذا اليوم في العراق."
وفي هذه الاثناء، وفي نادي حسن الليلي، يرقص الجنود الاميركيون يدا بيد مع اصدقائهم العراقيين الجدد.
ترجمة: علاء غزالة
بغداد – خرج جندي اميركي من نادٍ ليلي في بغداد، حاملا باحدى يديه سلاحه وباليد الاخرى علبة معدنية خضراء من الجعة. اخذ رشفة من العلبة ومشى نحو اثنين من الضباط وقد ارتدى بزة تبدو كما لو كانت البزة العسكرية النظامية مع كل معدات القتال. وفي داخل النادي الليلي، في ليلة الخميس، يحدق الجنود الاميريكون من الفرقة 82 المحمولة جوا نحو شابات عراقيات، يبدو انهن راقصات محترفات، وهن يتمايلن على وقع موسيقى البوب العربية، بينما راح المطرب ينشد اغنيته متمهلا من خلال لاقط صوت رديء يطلق صفيرا بين الحين والاخر. كل ذلك كان قبل وقت قريب محرما من قبل المتطرفين الاسلاميين ويعاقبون عليه بقطع الرأس.
وبعد عشرين دقيقة، دفع ثلة من السكارى جنديا اميركيا ليرقص. حرّك الجندي قدميه بصورة ناشزة، وهو يضع معدات الرؤية الليلة ويحمل جهاز الاتصال الخاص به، ليشارك النساء والرجال المتحمسين في رقصة الدبكة العربية حول منضدة ملآى بقناني الجعة الفارغة.
لقد تقوقع الجنود الاميركيون والغربيون الآخرون في بغداد، على مدى معظم السنوات الست الماضية، خلف جدران من الكونكريت والاسلاك الشائكة، وحينما يخرجون الى الشوارع فانهم يجولون بعربات مصفحة، خوفا من الهجمات او الاختطاف. فالوقت الذي يمضونه في المنطقة الحمراء، وهي جميع انحاء مدينة بغداد باستثناء منطقة محمية، عادة ما يجلب لهم المصائب. لا يغادر الجنود الاميركيون قواعدهم او معسكراتهم الا اذا كانوا في الواجب.
يقول الجنود في شارع ابو نواس انهم كانوا يزورون النادي الليلي للتحدث مع المدير حول امور امنية، لكنهم كانوا يخالطون العامة من العراقيين بطريقة لم يكونوا يتخيلوها قبل بضعة شهور فقط. يعكس المشهد تزايد الشعور بالامان في العاصمة العراقية وفي انحاء كثيرة من العراق، لكن من المستحيل معرفة كم من الجنود الاميركيين في بغداد قد وافته الفرصة او الرغبة في شرب الجعة بينما يقوم بدورية، وهي مخالفة للقوانين العسكرية التي تمنع تناول المشروبات الروحية في مناطق الحرب.
ولكن المتحدث العسكري الاميركي، السرجنت كريس ستانغر، كان متشككا، في معرض جوابه عن سؤال حول ما قام به الجنود، إذ قال: "اريد ان افهم هذا بوضوح، هل رأيت الجنود الاميريكون في النادي الليلي في وسط مدينة بغداد خارج المنطقة الخضراء مرتدين الزي النظامي ويشربون ويرقصون؟"
يقول مدير النادي الليلي، صلاح حسن، ان زيارة الخميس لم تكن استثنائية، ويضيف: "لقد جاء الاميريكون الى هنا اربع او خمس مرات خلال هذا الاسبوع. لقد اشتروا مشروبات ودفعوا اثمانها."
وأيد آخرون ان الجنود الاميريكيين قد جاءوا الى النادي اكثر من مرة. تقول امل سعد، وهي شابة قصيرة القامة، تضع عدسات لاصقة زرقاء وتصبغ شفتاها باللون الاحمر بكثافة: "انا احب الاميركيين، واحب قدومهم الى هنا. ذلك يشعرني بالامن."
وتستطرد قائلة: "لقد ذهبت معهم الى عرباتهم المدرعة عدة مرات. لقد اخذوني الى المتاجر واشتروا لي الحلوى والهدايا."
يقول حسن انه افتتح ناديه بعد ان حصل على منحة قدرها عشرة الاف دولار من الجيش الاميركي، تم تخصيصها على خطة للمساعدة في اطلاق المشاريع الصغيرة، ضمن ستراتيجية اشمل لمقارعة التمرد واحلال الامن في بغداد. ويضيف حسن: "انهم يأتون ويرقصون. يعرف بعضنا البعض الاخر جيدا. وهم يخبرون اصدقاءهم ومن ثم يأتي هؤلاء الى هنا ايضا."
تنص اتفاقية مستوى القوات، التي وقعتها كل من حكومتي الولايات المتحدة والعراق في شهر تشرين الثاني الماضي، على ان يتم تقديم الجنود الاميركيين الذين يرتكبون جرائم خطيرة خارج قواعدهم وخارج الواجب الى القضاء العراقي، برغم ان الولايات المتحدة احتفظت بالكلمة الاخيرة في تحديد ما اذا كان الجنود خارج الواجب. تعطي مشاهدة الجنود وهم يشربون ويرقصون انطباعا يصعب تفاديه بان الجنود ليسوا في الواجب، بل هم في وقت الراحة.
يقول العريف ايريك كارترايت، الذي يبلغ 26 عاما من العمر وهو من كندا، بينما كان يراقب رفاقه يرقصون الدبكة: "الجميع يستمتع بوقته هنا. لا احد يخشى من ما يمكن ان يحدث. هذه إمارة جيدة."
لقد كان شارع ابو نواس عصبا للحياة في السبعينيات. وقد ظلت الحانات مفتوحة حتى ساعات الصباح الاولى. ولكن صدام اغلق جميع الملاهي الليلية في عام 1994، في مسعاه للحصول على دعم الجماعات الدينية العراقية المحافظة.
وبعد الغزو الاميركي عام 2003، استهدفت المليشيات والمتمردون بائعي المشروبات الكحولية. وقد ارسلوا تهديدات بالقتل الى المطربين والراقصات، ما اجبر الكثير منهم على الهروب الى خارج البلاد.
وقد سمحت الحكومة بإعادة افتتاح النوادي الليلية قبل ثلاثة شهور، وهي الخطوة التي وسعت من شعبيتها بين الكثير من العراقيين من سكان المدن. لكن الكثير من النوادي الليلية بقي مقفلا خلال معظم الفترة التي تلت اصدار هذا الامر، وهي الفترة التي تضمنت ايضا بعضا من الايام المقدسة لدى المسلمين.
لايزال تهديد المتطرفين ساريا، بيد ان الاجراءات الامنية المشددة عبر العاصمة قد ولدت الثقة.
وبدأت النوادي الليلية بفتح ابوابها في بعض المناطق في بغداد. وتستضيف الفنادق فرق الرقص من اجل الترفيه عن العراقيين الموسورين. اما النوادي الاجتماعية، التي توفر المشروبات الكحولية والقمار مدفوعة ضمن تذكرة الدخول اليها، فقد بدأت تشهد تزايداً في زبائنها. ويعود المطربون من منفاهم.
ولعل شارع ابو نواس اليوم هو من اكثر المناطق امنا منطقة في بغداد. وهو يسير بمحاذاة نهر دجلة، وينتهي عند احدى بوابات المنطقة الخضراء، حيث تقع ابنية السفارة الاميركية والحكومة العراقية. ويقع النادي الليلي الذي يملكه حسن عند فرع يمتد من هذا الشارع وتغلقه جدران كونكريتية من كلتي نهايتيه بالاضافة الى تواجد نقاط تفتيش يقوم عليها متعاقدون امنيون خصوصيون عراقيون وقوات الشرطة. وفي نهاية الشارع توجد مكاتب على هيئة ثكنات عسكرية لمنظمات اعلامية غربية، كل منها يمتلك قواته الخاصة. وتقوم القوات الاميركية بدوريات راجلة في المنطقة كل يوم تقريبا.
يقول حسن: "هذه المنطقة محمية بشكل جيد. لو لم اتوفر على الامن لما كنت قادرا على تشغيل النادي، لان الزبائن كانوا سيحجمون عن القدوم الى هنا خشية القتل او الاختطاف."
ويقول ان رجالا مسلحين دخلوا ناديا ليليا بساحة الاندلس في الليلة الماضية واختطفوا اثنين من الزبائن.
وبعد مضي دقائق معدودة من الحديث بدأ حسن يتوجس من مناقشة زيارة الجنود الاميركيين. وقد طلب ان لا يذكر اسم ناديه الليلي، حتى وان كان الاسم قد كتب على لوحة ضوئية خارج النادي وباللغة الانكليزية. ويعلق على ذلك بالقول: "سوف يأتي الاميركيون ويغلقوا النادي."
وتجد في نادٍ مجاور الرواد وقد اسكرتهم الخمرة لدرجة انهم لم يعودوا يبالون بالتهديدات. وكان كل منهم قد دفع 45 دولارا اجرا لدخول النادي، وهو مبلغ كبير بالنسبة الى الكثير من العراقيين، لسماع غناء اديبة، وهي احدى المطربات في البلاد. ولم تخيب اديبة، ذات الشعر الاسود، ظنهم.
انهالت على كل من الرجال الحاضرين بالقبل، وبدأت بالغناء:
صدقني، لم اضجر منك
روحي ساكنة في بيتك
صدقني
وبينما كانت تغني اديبة، جالت راقصة، ترتدي فستانا ذا لونين احمر واسود، في حلبة الرقص بينما اهتاج الجمهور بالصياح. وفي الاثناء هزّ شبان يرتدون سترات انيقة اجسادهم ولوحوا بمناديل وردية اللون. صعد احد الرجال الى الحلبة ونثر ملء اليد نقودا لتنهال على اديبة وفرقتها ذات الخمسة رجال.
وكانت اديبة، وهي على غرار معظم المطربات العراقيات تستعمل اسمها الاول فقط، قد عادت من البحرين قبل شهرين، بعد ان فرّت من العراق قبل ثلاث سنوات. وهي تقول: "لم يكن هناك عمل أما هنا، فقد كان يتم قطع رؤوس المطربات اللائي يعثر عليهن وهن يغنين."
وقد شجعها التحسن الامني على العودة، كما ان "العيش خارج بلدي يقتلني" كما تقول. يضاف الى ذلك انها سمعت بان النوادي الليلية قد فتحت ابوابها من جديد.
تقول اديبة بثقة: "لقد ولى العهد المظلم."
ويوافق جمهورها على ذلك.
يقول منتظر خزعل، بائع الملابس ابن الـ 18 ربيعا: "اشعر بالامان بمجرد الاستماع اليها."
ويضيف صديقه حسين شيبا، الذي يبلغ 17 ربيعا فقط: "لم نكن نتوقع ان يأتي مثل هذا اليوم في العراق."
وفي هذه الاثناء، وفي نادي حسن الليلي، يرقص الجنود الاميركيون يدا بيد مع اصدقائهم العراقيين الجدد.
Wednesday, March 04, 2009
القاعدة في العراق تبحث عن مأوى بعد هزيمتها
عن: كريستيان ساينز مونيتر
ترجمة : علاء غزالة
تـُنغص الملازم درو فاندرهوف احد احباطات حرب مقارعة التمرد التقليدية وهو ينظر عبر قناة ماء الى قرية (ام الكطان) التي تضم 20 منزلا. يقول: نحن نعلم ان هناك وجوداً لتنظيم القاعدة في العراق في هذه القرية، وعلى الرغم من انه يمتلك قوائماً بالاسماء وحتى المعلومات الحيوية عن كل فرد في هذه القرية، التي تقع على بعد 40 كيلومتراً عن بغداد، الا انه لا يعرف على وجه التأكيد من يعمل مع هذا التنظيم ومن لا يعمل معه. لكن القصة تختلف على جانبه من القناة. فاحد الجنود في فصيل الملازم فاندرهوف يلحظ بروز مشروعاً زراعياً جديداً، وهو علامة على ان المهجرين قد بدأوا بالعودة بعد تحسن الوضع الامني على الرغم من بقاء تنظيم القاعدة في العراق في المنطقة.
فالعنف المستمر في المحافظات البعيدة مثل ديالى ونينوى يدلل على انه برغم انخفاض العنف وعودة الحياة الى طبيعتها في بغداد، فان اطراف العراق، وهي المدن الريفية والقرى الزراعية والمناطق الصحراوية، قد اصبحت الجبهة الجديدة في الحرب ضد تهديد التمرد، مع فرار المتطرفين من المدن واختبائهم في الاماكن النائية من البلاد.
وتبدو آثار من نشاطات التمرد جلية في اثناء دورية مشتركة للقوات الاميركية والعراقية، فقد اكتشف جنود في فصيل الملازم فاندرهوف، في اثناء تفتيشهم القناة التي جفّ ماؤها، «حفر عناكب» وانفاق حفرت على جانب الجرف الجاف. يستخدم المتمردون نظام الانفاق هذا للتخفي عن الطائرات العمودية المارة، ولخزن كل شيء يحتاجونه من الاسلحة الى الدراجات النارية.
يقول ضابط الصف باتريك ويكسون: اينما نذهب يخبرنا الناس انهم هنا وانهم في هذا المكان، ويضيف زميله في الفصيل العريف كريس كالهون: انهم ليسوا نشيطين جدا في فصل الشتاء، ما يعني ان التوقف الحالي عن النشاطات المسلحة قد يكون خادعاً.
ومع ذلك، بينما اظهر المتمردون مثابرة في العودة الى نشاطاتهم السابقة، فان القوات الاميركية تقول انها بدأت أخيراً في إحراز تقدم، والفضل في ذلك يعود بشكل كبير الى تنامي قدرات القوات الامنية العراقية واقدام سكان القرى المحلية.
يتساءل اوستن لونغ، الخبير في شؤون الحرب على التمرد في مجموعة راند بواشنطن: «لقد اصبحت الاحداث تسير الان في مصلحتنا، لكن السؤال هل سيستمر الحال على نفس المنوال في حال انسحبت القوات الاميركية؟» فعلى محيط منطقة بغداد هناك «وجود هائل للقوات الاميركية، مع الاعداد الاضافية من الجنود (التي ساعدت في الوصول الى النجاح)، وهو ما لم يتوفر في مناطق مثل ديالى.»
ومع تراجع التوتر الطائفي في بغداد، فقد حول تنظيم القاعدة في العراق تركيزه على المناطق ذات خطوط التماس الطائفي الهشة. وتضم محافظة ديالى بين طياتها جميع الأطياف العراقية الرئيسة، من العرب الشيعة والعرب السنة والاكراد، ما يعطي تنظيم القاعدة فرصة اكبر لتحريض احد الاطراف ضد الآخر لنشر الفوضى وخلق فراغ في السلطة، وهو ما يتيح للتنظيم بالتالي ان يمارس اكبر سيطرة.
يقول المستر لونغ: «لقد تمكنت القاعدة من اللعب على التقسيمات الطائفية بشكل اكبر في ديالى، وبالتحديد في منطقة بعقوبة، منها في محافظة الانبار، لانه لا يوجد أي تقسيم طائفي في هذه الاخيرة من الاساس.» لقد اتضح التغيير جليا مع حقيقة ان ارقام الضحايا العراقيين في المناطق خارج بغداد قد تجاوزت مثيلتها في بغداد. فبينما جرت العادة على ان تكون اكبر نسبة للضحايا في العاصمة، وقد بلغت 54 بالمائة في عامي 2006 و2007، اصبحت هذه النسبة 32 بالمائة فقط خلال عام 2008، حسب احصائيات موقع الكتروني يسمى (ايراك بودي كاونت)، وهو متخصص في حساب اعداد الضحايا في العراق.
وفي ديالى، يقول القادة الأميركيون انهم على الرغم من تجشمهم عناءا شديدا للحصول على مكاسب طيبة في الماضي، الا انهم قد بدءوا للتو في تحقيق بعض التقدم. يقول الكولونيل برت ثومسون، قائد اللواء الاول القتالي المتمركز حاليا في ديالى: «نحن لم ندمر تنظيم القاعدة في ديالى. لكننا اجبرنا القاعدة على اعادة النظر في نشاطاتها.»
وقد جهدت القوات الاميركية في تأمين محافظة ديالى حتى وقت قريب، بسبب النقص في اعداد القوات المطلوبة لمسك الارض التي يتم تحريرها. يقول السرجنت وايني لاكلير، من بطرية المدفعية الميدانية التي تتمركز حاليا في ديالى: «نحن ندخل الى الموقع، وننفذ عملية ما، ثم نترك الموقع، ومن ثم تعود المليشيات من جديد.» ويضيف انه في بداية الحرب «لم نتفهم كم كانت هذه المليشيات متفانينة وصعبة المراس.»
اما الان، فبعد ان تنتهي قوات الولايات المتحدة من تطهير منطقة معينة، تقوم قوات الجيش والشرطة العراقية، ومجاميع مراقبة الاحياء المعروفة باسم (ابناء العراق) بنصب نقاط سيطرة على طول الطريق لضمان عدم عودة المتمردين. وعلى الرغم من استمرار زرع القنابل على جانب الطريق وعدائية السكان المحليين، الا ان القوات الامريكية تقول ان الوضع الامني قد تحسن بشكل درامي.
يقول الميجر جون سوردز، الضابط التنفيذي في بطرية المدفعية الميدانية: «لم يعد هذا المكان معقلا للمليشات كما كان سابقا. انهم الان اما فارين او خافضي الرؤوس... واوضح مؤشر على ذلك ان الناس قد بدءوا بالعودة الى منازلهم.»
ذلك حق. فبعد ان أخليتْ قرىً على بكرة أبيها خلال احلك ايام القتال بين عامي 2006 و2008، فان عددا يصل الى ثلث تعداد سكان المدن في المحافظة قد عادوا في غضون ثلاثة اشهر.
يقول الميجر فيليب جنيسون، ضابط العمليات في بطرية المدفعية الميدانية، في معرض حديثه عن المناطق التي عاد اليها المهجرون: «نحن على وشك تحقيق الامن التام. لعل من الجدير بالإشارة إلى أن الناس كانوا مرتعبين من العودة قبل ثلاثة او اربعة شهر فقط».
ترجمة : علاء غزالة
تـُنغص الملازم درو فاندرهوف احد احباطات حرب مقارعة التمرد التقليدية وهو ينظر عبر قناة ماء الى قرية (ام الكطان) التي تضم 20 منزلا. يقول: نحن نعلم ان هناك وجوداً لتنظيم القاعدة في العراق في هذه القرية، وعلى الرغم من انه يمتلك قوائماً بالاسماء وحتى المعلومات الحيوية عن كل فرد في هذه القرية، التي تقع على بعد 40 كيلومتراً عن بغداد، الا انه لا يعرف على وجه التأكيد من يعمل مع هذا التنظيم ومن لا يعمل معه. لكن القصة تختلف على جانبه من القناة. فاحد الجنود في فصيل الملازم فاندرهوف يلحظ بروز مشروعاً زراعياً جديداً، وهو علامة على ان المهجرين قد بدأوا بالعودة بعد تحسن الوضع الامني على الرغم من بقاء تنظيم القاعدة في العراق في المنطقة.
فالعنف المستمر في المحافظات البعيدة مثل ديالى ونينوى يدلل على انه برغم انخفاض العنف وعودة الحياة الى طبيعتها في بغداد، فان اطراف العراق، وهي المدن الريفية والقرى الزراعية والمناطق الصحراوية، قد اصبحت الجبهة الجديدة في الحرب ضد تهديد التمرد، مع فرار المتطرفين من المدن واختبائهم في الاماكن النائية من البلاد.
وتبدو آثار من نشاطات التمرد جلية في اثناء دورية مشتركة للقوات الاميركية والعراقية، فقد اكتشف جنود في فصيل الملازم فاندرهوف، في اثناء تفتيشهم القناة التي جفّ ماؤها، «حفر عناكب» وانفاق حفرت على جانب الجرف الجاف. يستخدم المتمردون نظام الانفاق هذا للتخفي عن الطائرات العمودية المارة، ولخزن كل شيء يحتاجونه من الاسلحة الى الدراجات النارية.
يقول ضابط الصف باتريك ويكسون: اينما نذهب يخبرنا الناس انهم هنا وانهم في هذا المكان، ويضيف زميله في الفصيل العريف كريس كالهون: انهم ليسوا نشيطين جدا في فصل الشتاء، ما يعني ان التوقف الحالي عن النشاطات المسلحة قد يكون خادعاً.
ومع ذلك، بينما اظهر المتمردون مثابرة في العودة الى نشاطاتهم السابقة، فان القوات الاميركية تقول انها بدأت أخيراً في إحراز تقدم، والفضل في ذلك يعود بشكل كبير الى تنامي قدرات القوات الامنية العراقية واقدام سكان القرى المحلية.
يتساءل اوستن لونغ، الخبير في شؤون الحرب على التمرد في مجموعة راند بواشنطن: «لقد اصبحت الاحداث تسير الان في مصلحتنا، لكن السؤال هل سيستمر الحال على نفس المنوال في حال انسحبت القوات الاميركية؟» فعلى محيط منطقة بغداد هناك «وجود هائل للقوات الاميركية، مع الاعداد الاضافية من الجنود (التي ساعدت في الوصول الى النجاح)، وهو ما لم يتوفر في مناطق مثل ديالى.»
ومع تراجع التوتر الطائفي في بغداد، فقد حول تنظيم القاعدة في العراق تركيزه على المناطق ذات خطوط التماس الطائفي الهشة. وتضم محافظة ديالى بين طياتها جميع الأطياف العراقية الرئيسة، من العرب الشيعة والعرب السنة والاكراد، ما يعطي تنظيم القاعدة فرصة اكبر لتحريض احد الاطراف ضد الآخر لنشر الفوضى وخلق فراغ في السلطة، وهو ما يتيح للتنظيم بالتالي ان يمارس اكبر سيطرة.
يقول المستر لونغ: «لقد تمكنت القاعدة من اللعب على التقسيمات الطائفية بشكل اكبر في ديالى، وبالتحديد في منطقة بعقوبة، منها في محافظة الانبار، لانه لا يوجد أي تقسيم طائفي في هذه الاخيرة من الاساس.» لقد اتضح التغيير جليا مع حقيقة ان ارقام الضحايا العراقيين في المناطق خارج بغداد قد تجاوزت مثيلتها في بغداد. فبينما جرت العادة على ان تكون اكبر نسبة للضحايا في العاصمة، وقد بلغت 54 بالمائة في عامي 2006 و2007، اصبحت هذه النسبة 32 بالمائة فقط خلال عام 2008، حسب احصائيات موقع الكتروني يسمى (ايراك بودي كاونت)، وهو متخصص في حساب اعداد الضحايا في العراق.
وفي ديالى، يقول القادة الأميركيون انهم على الرغم من تجشمهم عناءا شديدا للحصول على مكاسب طيبة في الماضي، الا انهم قد بدءوا للتو في تحقيق بعض التقدم. يقول الكولونيل برت ثومسون، قائد اللواء الاول القتالي المتمركز حاليا في ديالى: «نحن لم ندمر تنظيم القاعدة في ديالى. لكننا اجبرنا القاعدة على اعادة النظر في نشاطاتها.»
وقد جهدت القوات الاميركية في تأمين محافظة ديالى حتى وقت قريب، بسبب النقص في اعداد القوات المطلوبة لمسك الارض التي يتم تحريرها. يقول السرجنت وايني لاكلير، من بطرية المدفعية الميدانية التي تتمركز حاليا في ديالى: «نحن ندخل الى الموقع، وننفذ عملية ما، ثم نترك الموقع، ومن ثم تعود المليشيات من جديد.» ويضيف انه في بداية الحرب «لم نتفهم كم كانت هذه المليشيات متفانينة وصعبة المراس.»
اما الان، فبعد ان تنتهي قوات الولايات المتحدة من تطهير منطقة معينة، تقوم قوات الجيش والشرطة العراقية، ومجاميع مراقبة الاحياء المعروفة باسم (ابناء العراق) بنصب نقاط سيطرة على طول الطريق لضمان عدم عودة المتمردين. وعلى الرغم من استمرار زرع القنابل على جانب الطريق وعدائية السكان المحليين، الا ان القوات الامريكية تقول ان الوضع الامني قد تحسن بشكل درامي.
يقول الميجر جون سوردز، الضابط التنفيذي في بطرية المدفعية الميدانية: «لم يعد هذا المكان معقلا للمليشات كما كان سابقا. انهم الان اما فارين او خافضي الرؤوس... واوضح مؤشر على ذلك ان الناس قد بدءوا بالعودة الى منازلهم.»
ذلك حق. فبعد ان أخليتْ قرىً على بكرة أبيها خلال احلك ايام القتال بين عامي 2006 و2008، فان عددا يصل الى ثلث تعداد سكان المدن في المحافظة قد عادوا في غضون ثلاثة اشهر.
يقول الميجر فيليب جنيسون، ضابط العمليات في بطرية المدفعية الميدانية، في معرض حديثه عن المناطق التي عاد اليها المهجرون: «نحن على وشك تحقيق الامن التام. لعل من الجدير بالإشارة إلى أن الناس كانوا مرتعبين من العودة قبل ثلاثة او اربعة شهر فقط».
Subscribe to:
Posts (Atom)