Wednesday, November 05, 2008

جيــــل جديـــد يتولــى القيـــادة فــي الانــــبار

عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة

الرمادي – بينما أفل النهار الى الغسق، جلس جاسم محمد السويداوي على بساط بني مفروش على الارض، يدخن السيجارة تلو الاخرى، ويراقب بهدوء التجادل بين رجال العشائر بشأن قضية فصل عشائري.
فقد قتل رجل من عشيرة الدليم رجلا من عشيرة الجنابيين. وكان بامكان كبار رجال العشيرتين ان يلجأوا الى محكمة المحافظة. كما كان بامكانهم ان يحيلوا الامر الى شيوخ العشائر التقليديين الذين طالما فصلوا في حل النزاعات على مدى قرون مضت. لكنهم لم يفعلوا ايا من ذلك. بل جاءوا الى السويداوي، وهو رجل حضري، وقائد عشيرة بدعم من الاميركيين، تمكن في غضون سنتين ان يصبح الرجل الاكثر سلطة في منطقة شرق الرمادي.
سأل الرجال اذا ما كانوا يثقون بحكمه، فاشاروا بالموافقة. تمكن من التوصل الى تسوية خلال دقائق. لم يكن الرجال سعداء، لكنهم يخشون السويداوي وبحاجة الى حمايته ايضا. قال الشيخ الذي يبلغ 52 عاما من العمر بعد ان قبل كلا من الرجلين خديه: «تقديركم لي لن يذهب طي النسيان».
«شيخ جاسم» كما يدعو رجال العشائر السويداوي، هو من بين الجيل الجديد من القادة الذين يمتلكون سطوة في عموم المناطق الغربية. وقد حصلوا على مكانتهم بعد ان قاتلوا المتمردين المرتبطين بالقاعدة في العراق. وقد تمكنوا، من خلال الاموال والدعم الاميركي، من احلال نظام هش في محافظة الانبار، والتي كانت ذات مرة مسرحا لاكثر اعمال العنف دموية في العراق، منجزين في اشهر ما لم يكن باستطاعة الجيش الاميركي انجازه في سنوات.
لكن ارتقاء هؤلاء الشيوخ، الذي يطلق عليهم مجتمعين اسم الصحوة، قد بدأ يثير نزاعات جديدة قد تتعمق اذا لم يواصل الجيش الاميركي تقديم الدعم الى هذه الحركة. فقد جردوا شيوخ العشائر التقليديين من سلطتهم. كما انهم اقتطعوا المناطق لتصبح إقطاعيات لهم، يفرضون فيها وجهات نظرهم بخصوص القانون والامن، ومضعفين سلطة الحكومة، حتى أنهم يتحدون سلطة الاحزاب الدينية المعترف بها للحصول على هيمنة سياسية.
ان صعود هؤلاء الرجال انما يظهر كيف ان الصراع على السلطة قد أخذ يشكل مستقبل العراق بشكل متزايد. كما ان تنامي سلطتهم يؤكد ان اجزاءا كبيرة من العراق سوف تبقى تحت تأثير القانون القبلي، بدلا من سلطة القوانين الحديثة، مما يضع عراقيل في اسس البناء الديمقراطي الذي يتمنى الكثيرون ان يروه هنا.
يقول السويداوي: «لن يستطيع احد ان يزيحنا». وهو يتملك السلطة على معظم عشيرة البو صيدا، التي يبلغ عدد افرادها 30،000 نسمة.
الدعم من الولايات المتحدة
انتشرت مجالس الصحوة، منذ ان تأسست في اواخر عام 2006، في المناطق والمحافظات الأخرى، كوسيلة للدفاع عن النفس. وقد منح الجيش الاميركي مبلغ 300 دولار كراتب شهري لكل من المقاتلين، الذين كان الكثير منهم من المتمردين السابقين، لكي يقوموا بدوريات الحراسة في المناطق ويوقفوا الهجمات ضد القوات الاميركية.
كما منح ضباط الجيش الاميركي شيوخ عشائر الصحوة مقاولات لاعادة الاعمار في مناطقهم، مما ساعد في بناء سطوتهم. وقد ساعدوهم في العمليات ضد القاعدة في العراق من خلال الدعم الجوي وغيره من اشكال الدعم العسكري والتعبوي. كما تذكر السويداوي في احد الايام كيف وعده الضباط الاميركيون بتبليط الشارع المؤدي الى منزله.
وقد اقرّ القادة الاميركيون بدور حركة الصحوة كعامل اساس في التقليل من العنف، حتى ان بعضهم اعتبر انهم أدوا دورا اهم من دور «زيادة القوات» التي اضافت 30،000 من الجنود الاميركيين خلال العام الماضي.
وفي هذه الشهر، سلم الجيش الاميركي الى السلطة الحكومية ما يزيد على نصف مجاميع الصحوة، التي يناهز عددها الان 100،000 فرد، معظمهم من المقاتلين. لكن الحكومة، التي تزداد ثقتها في قدرتها على توفير الامن بنفسها، قد رفضت ضم معظم اعضاء الصحوة الى قوات الجيش والشرطة. وفي الاسابيع الماضية قامت القوات الامنية العراقية باعتقال بعض قادة الصحوة الذين كانوا متمردين سابقين، مدفوعة بالخشية من انهم قد يرفعون السلاح في وجه الحكومة.
يقول حيدر العبادي، عضو البرلمان من حزب الدعوة الذي يرأسه رئيس الوزاء نوري المالكي: «هناك اعضاء جيدون في حركات الصحوة. لكن غيرهم قد قاموا ببساطة بتغيير قميصهم، وهم لا يريدون التقدم، ولا يؤمنون بالعراق الجديد. نحن لا نريد ان نرى هذه العناصر تخترق قواتنا الامنية».
بيد ان القادة العسكريين الاميركيين قلقون من ان تتبخر نجاحاتهم اذا اوقف القادة العراقيون دفع رواتب مقاتلي الصحوة. يقول الميجر جنرال جيفري هاموند، القائد العسكري الاميركي المسؤول عن بغداد: «قد يسبب ذلك كسرا في هذا البرنامج المهم، مما قد يؤدي الى ان يعود هؤلاء الرجال الى العنف. حيث ان هناك على الدوام احد ما، مثل القاعدة او بعض مجاميع الإرهاب، راغب في تقديم صفقة افضل لهم».
يصر السويداوي وقادة الصحوة المؤسسين الآخرين على أنهم لن يعودوا الى العنف ابدا. وقد انضم 20،000 من المقاتلين الى قوات الشرطة في الانبار. لكن اغلبهم بقي اكثر ولاءا الى عشيرته منه الى الحكومة، مما يعزز من سلطة حركة الصحوة.
ويضيف السويداوي قائلا: «ليس لدي أي ثقة بالحكومة العراقية. هناك مخطط لتنحيتنا عن العملية الامنية باي طريقة ممكنة».
الالتفاف ضد المتمردين
شارك السويداوي، وهو اب لاحد عشر ولدا وبنتا، ويبدو نحيل البنية بشاربين سميكين وهيئة مؤدبة، في القوة الجوية العراقية لعقود من الزمن، عمل في اثنائها بصيانة الطائرات المقاتلة. بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 قام بتولي عمل مربح من خلال حماية القوافل التجارية في الانبار، حيث بدأ التمرد. وهوايته المفضلة صيد الطيور في مزرعة العائلة.
يقول منتقدوه انه كان احد قادة العصابات الذين يعملون في سرقة السيارات على الطريق السريع. لكن السويداوي ينفي هذه التهمة. يصف النقاد كيف انه التقى بعبد الستار ابو ريشة، مؤسس حركات الصحوة، الذي يشاع انه، هو الآخر، قام باعمال تسليب في الطريق السريع.
يقول حمادي محمد السويداوي، البالغ من العمر 45 عاما، والذي ينتمي الى عشيرة الشيخ نفسها ويعمل في تدريس القانون بجامعة الانبار: «الشيخ جاسم غير متعلم. انه ليس شيخا اصيلا لعشيرة البو صيدا. ولم يكن له دوراً يذكر قبل مجيء القاعدة».
يقول السويداوي انه كره الاحتلال الاميركية في بدايته. ويضيف ان الجيش الاميركي ألـّب العشائر ضده نتيجة اجراءاته شديدة الوطأة، وقيامه باعتقالات جماعية ضد الرجال المشتبه بعلاقتهم بالمتمردين.
وقد شارك الكثير من رجال عشريته في اعمال التمرد. يقول ناصر الجنابي، وهو من كبار قادة القاعدة في العراق، في مقابلة هاتفية، ان السويداوي سمح للمتمردين بان يتخذوا لهم قاعدة للعمليات في منطقته. ويضيف الجنابي: «جاسم هو ذلك النوع من الرجال الذين يقفون دائما مع الاقوى. حينما كنا نسيطر على الرمادي، كان يتظاهر انه رجل لطيف، وانه اراد ان يخدمنا ويرضينا».
يوافق السويداوي على انه كان «يغطي على المسلحين ولا يبلغ عنهم القوات الاميركية او السلطات المحلية.» ولكنه يقول انه بحلول العام 2006 بدأ يرى القوات الاميركية اقل عداءا. فقد تمادت القاعدة في العراق؛ يقطعون الروؤس ويحرمون التدخين وحلاقة الذقن والسلوكيات الاخرى التي اعتبروها غير اسلامية.
وفي اواخر عام 2006، وفي اثناء شهر رمضان المبارك، والذي يقوم المسلمون بصيامه من شروق الشمس (...) الى غروبها، قام متمردو القاعدة باختطاف سبعة من اخوة السويداوي واولاد عمومته من بيت العائلة. وقد تم قتلهم في اليوم نفسه، ومن ثم القيت الجثث في نهر الفرات، والذي يمر عبر مدينة الرمادي.
يقول السويداوي: « بعد ذلك، بدأت بملاحقتهم في الشوارع والامساك بهم».
خطوط السلسلة المقطوعة
قام رؤساء العشائر، بضمنهم الكثير من اعضاء حزب البعث الذي قاده صدام حسين، بدعم من القوات الاميركية، بطرد تنظيم القاعدة في العراق من اراضيهم. كما انهم حطموا سلسلة التمويل القديمة. وقد تم اغتيال ابو راشد، الذي قاد عشيرته خلفا لاحد اعمامه الابعدين، العام الماضي في عملية تفجير. ثم اصبح رعد صباح العلواني، وهو رجل ضخم الجثة، ورجل اعمال يشرب الويسكي، شيخا للعشيرة. يقول العلواني، الذي يسكن منزلا شديد الحراسة في الرمادي، وقد علقت على الجدران صورا له مع القادة الاميركيين: «لقد اصبحنا شيوخا لاننا نستخدم القوة. العراق بحاجة الى رجال يستخدمون القوة».
ونهج الكثير من رجال العشائر نهج السويداوي، محولين ولاءهم من شيخ العشيرة التقليدي، الشيخ محمد الجربوع، والذي حكمت عائلته عشيرة السويداوي على مدى ثلاثة قرون. يوضح اللواء حامد حماد الشوكي، قائد شرطة الرمادي السابق، ذلك بالقول: «لم يؤدي الشيخ محمد أي دور في ساحة المعركة. لقد تمكن الشيخ جاسم من فرض الامن، والامن هو الاساس لكل شيء هنا».
سيطر السويداوي على عشيرته خلال اسابيع من اطلاق حملته ضد تنظيم القاعدة في العراق، وهي ثاني اكبر عشيرة في الرمادي، فيما تنحى الجربوع جانبا بهدوء. يقول السويداوي: «الشيخ محمد هو رجل ضعيف».
يؤكد الجربوع، الذي غادر الى سوريا، ان معظم عشيرته لازالت على ولائها له، لكنه اقر ان خصمه اجبره على الرحيل. ويقول: «لقد اراد تولي منصب شخص آخر. ليس من حق جاسم ان يقوّمني، بل ان ذلك من حق عشيرتي. انه شخص يحب الدكتاتورية».
يصف الرائد البحري ادم ستريكلاند، الذي عمل عن قرب مع قادة الصحوة، يصف السويداوي بالقول: «انه شخص عظيم التأثير»، وينظر اليه باعتباره احد اهم حلفاءنا المحليين. ويقول ان الجيش الاميركي «كان يساند قيادته». حتى ان بعض القادة الاميركيين اطلقوا على السويداوي اسم «اسد شرق الرمادي».
اعطاء الحكم العشائري
في الاونة الاخيرة، وفي احد الايام، اختار السويداوي بنفسه مجموعة من الرجال المسلحين، من ضمنهن ثلاثة من اولاده ليركبوا في شاحنة شرطة عراقية بلون ابيض وازرق. بعض هؤلاء الرجال اعتمر قبعة تحمل العلم العراقي الذي يعود الى فترة حكم حزب البعث، حيث انهم يرفضون العلم الجديد. ويتذكر السويداوي كيف انه تعرض الى 12 محاولة اغتيال، منها واحدة كانت عبارة عن طرد ملغوم مغلف على انه هدية أرسل الى منزله.
وفي اثناء جولتهم مرّوا بساحة فارغة سبق وان خاضوا فيها معركة ضد تنظيم القاعدة في العراق. يقول السويداوي، وقد ظهر الوجوم على وجهه، ان سبعين من رجاله قتلوا في ذلك اليوم. وحينما وصلوا الى محطة الكهرباء المحلية استقبل الموظفون الشيخ بالترحاب، كما لو كانت البناية خاصة به. يقوم رجال عشيرته بادارتها وحمايتها. كما يدير السويداوي تسعة من مراكز الشرطة في منطقته.
ثم قام بعد ذلك بزيارة جمعة حسين، وهو شاب عاطل عن العمل يبلغ 25 عاما، وقد فقد يديه ورجليه في قنبلة كانت مزروعة على جانب الطريق. وحينما همّ الشيخ بالمغادرة قام بمنح الشاب مبلغ مائة دولار، قائلا: «اخبرني اذا احتجت أي شيء».
تولى السويداوي التحكيم في النزاعات بخصوص الاراضي، والميراث، ودعاوى الشرطة، وحتى العراك بين المراهقين. وهو يقوم بتقليد الشيوخ التقليديين، مستخدما العادات البدوية التي تبلغ قرونا من العمر، والمستندة إلى الشرف والمساواة في احلال العدالة. يقول السويداوي: «لا يستطيع احد ان يترك او يتخلص من القانون العشائري. فالقانون والدستور ليسا دائمين. انهما يتغيران مع تغير الحكومات».
لكن سلطته، في آخر المطاف، سوف تستند إلى مقدرته على فرض العقوبات. يقول انه طالما قام بالتحقيق مع مشتبهي تنظيم القاعدة في العراق في مضيفه الواسع. اما الان فانه يستخدم احد مراكز الشرطة التابعة له. كيف يتسنى له استخلاص المعلومات؟ يجيب، وقد علت وجهه ابتسامة خجولة، قائلا: «لدينا وسائلنا الخاصة». ثم خلع عقاله الاسود المصنوع من وبر الابل، الذي يتمم لباسه العشائري، مضيفا: «كنت استخدم هذا، اضربهم به مرتين او ثلاث».
وحينما اتم عبارته هذه، سحب هاتفه الخليوي وقام بتشغيل فيلم يحتوي على موسيقى عربية لا يمكن نسيانها، ويمثل عملية اعدام مجموعة من رجال الشرطة العراقية على ايدي المتمردين. يقول السويداوي: «اذا شعرت يوما بالرحمة حيالهم فان هذا الفيلم سوف يمنعني. سوف يذكرني على الدوام بجرائمهم».
الحركة من اجل السلطة السياسية
يسعى السويداوي وقادة الصحوة الاخرين الى تحويل انجازاتهم، التي تحققت في قتالهم ضد التمرد، الى مطامح سياسية. انهم يخططون لتحدى الحزب الاسلامي العراقي، وهو اكبر الاحزاب السياسية المؤتلف مع حكومة المالكي، في الانتخابات المحلية المخطط لها العام القادم. وعلى المحك، لا يزال قادة الاقلية غير المنضبطين يخوضون في جدال طويل بغية الحصول على موطيء قدم في العراق الجديد.
يقول السويداوي: «نحن نعرف اناسنا خيرا منهم». اذا تمكن قادة الصحوة من الفوز فسوف يتسنى لهم فرض قيم عشائرية وعلمانية على النظام السياسي المقسم طائفيا. وقد تعرضت مقرات الحزب الاسلامي الى الهجمات في الاسابيع الاخيرة، كما تمت مهاجمة قادة الصحوة، مما يثير المخاوف من صراعات اوسع عبر المناطق السنية.
غير ان حركات الصحوة نفسها مشحونة بالصراعات. وقد قال بعض مؤسسي الصحوة، في مقابلات صحفية، ان احمد ابو ريشة، الذي تولى زعامة مجالس الصحوة بعد موت اخيه، ليس مؤهلا للقيادة، لانه لم يقاتل تنظيم القاعدة في العراق. وقد انسحب اثنان من المؤسسين المهمين ليشكلوا احزابهم السياسية الخاصة بهم. كما ان السويداوي دخل في خصام مع ابو ريشة. يقول عن ذلك: «لسوء الحظ، فان الاقوى والاشجع يقوم بكل العمل بينما يقطف ثمار عملنا الجبناء».
وهو مشغول البال في السؤال الملح: ماذا سيحدث اذا غادر مساندوه من الاميركيين؟ انه يتوقع بحزن حلول الفوضى في الانتخابات المحلية. وقد اخبر السويداوي الميجر جنرال جون كيلي، قائد القوات الاميركية في الانبار قبل فترة وجيزة ان «هناك خلايا نائمة للقاعدة في المحافظة. لازالت حدودنا مخترقة».
يحبذ السويداوي ان يرى القوات الامريكية في قواعدها لاعوام، او حتى عقود، كما فعلوا في اليابان والمانيا. فهو يخشى، على غرار الكثير، أن تقع البلاد تحت تأثير الصراعات.
يستخدم السويداوي في الفترة الاخيرة قاربا ذا محرك ينساب ببطء عبر نهر الفرات لغرض حراسة عشيرته واراضيه. يقول، وهو يحدق في احراش البردي العالية تحت الشمس الحارقة: «الشر موجود في كل مكان».

أطفال العراق المتسـربين من المدارس دليل على عمق مشكلات النظام التعليمي

عن: جريدة ماكلاتشي
ترجمة: علاء غزالة

بغداد – عمل احمد رزاق، الذي يبلغ 14 سنة من العمر، في اعمال اكثر ما يستطيع ان يعد. فقد عمل في طلاء المنازل، وتنظيف المباني التي تحتوي على مكاتب، واشرف على فريق من عمال التنظيف. وفي الفترة الاخيرة يمضي ايامه في غسل السيارات قرب فندق متواضع في بغداد مقابل بضعة دولارات كل اسبوع. لم تطأ قدماه صفا دراسيا قط. وقد سمع عن المدارس من اصدقائه فحسب. وهو لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، ويعتقد انه لن يستطيع ذلك ابدا.
يقول احمد، وهو يقف خارج منزل العائلة في اطراف منطقة الكرادة ببغداد: «ارغب في الذهاب الى المدرسة، ولكني اعتقد انه قد فات الاوان لذلك. ثم انك بحاجة الى المال لتذهب الى المدرسة».
هذه هي الطريقة التي يعيش بها الكثير من اطفال العراق، يعملون بادنى الاجور، او يبقون في منازلهم بدلا من الذهاب الى المدرسة. تشير تقديرات الامم المتحدة ومنظمات الاغاثة الى ان نحو خمس الاطفال بعمر المدرسة لا يذهبون اليها، لكن وزارة التربية العراقية تعارض هذه الاحصاءات. وتشير التقارير الى ان البنات والاطفال الذين يقطنون المناطق القروية هم بالتحديد الاكثر تأثرا.
انخفضت اعمال العنف بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، لكن نتائج اعمال العنف، من قتل الانفس، وتقطيع اوصال العائلات، الى تخريب المنشأت، سوف تستمر لفترة اطول من الزمن. اينما تذهب في بغداد تجد اطفالا يتسولون او يبيعون قناني المشروبات الغازية على جانب الطريق، حتى في اوقات دوام المدراس. وبقدر أي شيء آخر، فانهم ليسوا الا مثالا لما يتوجب اعادة بنائه في العراق.
يقول محمود عثمان، النائب الكردي في البرلمان العراقي: «هناك الكثير من العواقب الوخيمة على مستقبل بلدنا اذا لم يلتحق اطفالنا بالمدارس. ذلك يؤثر على اقتصادنا، وعلى نظام معيشتنا، وعلى نمو البلاد ككل».
ويعتبر المال اكبر سبب يجعل الاطفال يبقون منازلهم بعيدا عن المدارس. فبرغم ان التعليم العام مجانيا في العراق، ولكن الكثير من العائلات فقيرة الى الحد الذي لا يتمكنون فيه من دفع ثمن حقيبة المدرسة، والدفاتر، والملابس المدرسية المناسبة. وقد ارتفعت كلفة المعيشة بشكل مأساوي في عموم البلاد في السنوات الاخيرة، بينما تبلغ نسبة البطالة نحو 50%.
تتسائل عبير عبد الرحمن، الارملة ذات الـ 36 عاما، وهي ام لخمسة اطفال، وليس لديها وظيفة، قائلة: «لا استطيع ان اشتري لهم حليبا، فكيف لي ان اشتري لهم كتبا مدرسية؟ انا اريد ان اعطيهم المزيد، لكن اخبرني، كيف؟»
يبلغ عمر اثنين من اولاد عبير عبد الرحمن سن المدرسة، اذ تبلغ نورا سبع سنوات من العمر، بينما يبلغ عُمَر تسع سنوات، ولكن ايا منهما لم يذهب الى المدرسة. انما يمضيان يومهما في التسول مع والدتهما.
تقول عبير: «الامر الاكثر اهمية هو ان يقوم اولادي بالتسول حتى نستطيع ان نأكل. ماذا عساهم يجنون من التعليم؟»
وحتى قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، كان نسبة التسجيل في المدرسة متدنية بحيث عُدّت مشكلة. ولكنها اصبحت اسوأ مع اعمال العنف التي تلت بداية الحرب.
وفي اواخر عام 2006، قرر الكثير من الاهالي ان ارسال اولادهم الى المدارس يشكل مخاطرة كبيرة. بينما توقف اطفال آخرون عن الذهاب الى المدرسة حينما اجبرت عائلاتهم على الرحيل عن مناطقهم إثر فورة العنف الطائفي. وقد قام بعضهم بالتسجيل في المدارس من جديد، لكن البعض الآخر لم يفعل ذلك.
تبقى كل من شهد تحسين، ذات السبعة اعوام، مع اخيها نبراس الذي يصغرها بعام واحد في بيت جدتهما المكون من غرفة واحدة قذرة في بغداد، بدلا من الذهاب الى المدرسة. وقد أتيا الى هذا المكان في عام 2006 بعد ان قتل كل من والديهما.
تقول الجدة، البالغة 63 عاما من العمر، واسمها حليمة محمد فرج: «لقد بعنا كل شيء نملك فقط لندفع ايجار البيت. ليس لدينا كهرباء، ولا ماء، ولا ملابس. نحن لا نفكر في تعلم القراءة والكتابة».
غير ان مشلكة نقص المدارس زادت الطين بلة، خصوصا في المناطق الريفية، حيث قد تكون اقرب مدرسة بعيدة جدا بالنسبة للاطفال لكي يذهبوا اليها يوميا.
يقدر علاء مكي، وهو نائب برلماني، ويرأس لجنة التربية في البرلمان، ان العراق بحاجة الى بناء 4،500 مدرسة ابتدائية ومتوسطة واعدادية لكي يسد الطلب بشكل مناسب.
كما ان اعداد المعلمين تعتبر دون المطلوب هي الاخرى. فحسب تقارير الامم المتحدة، تم قتل اكثر من 250 معلما منذ عام 2003، بينما هرب المئات منهم الى خارج البلاد.
يقول علاء مكي: «نحن نعلم، بكل تأكيد، ان مشكلة تسرب الاطفال من المدراس هي اكبر تحدٍ تواجهه لجنتنا. لكن هناك آخرين في الحكومة، لسوء الحظ، يحاولون ان يقللوا من خطورة المسألة».
ويضيف مكي ان وزارة التربية العراقية تقلل من تقديرات اعداد الاطفال المتسربين بشكل كبير. فالناطق الرسمي باسم وزارة التربية، وليد حسين، يقول ان 6 بالمئة فقط من عدد الاطفال الذين يتوجب ان يكونوا في المدارس، هم الان متسربين عنها.
ويمضي مكي الى القول: «هذه المشكلة، في جزء منها، قضية فساد، وفي جزء آخر، قضية اناس غير مؤهلين يعملون في الوزارات. حتى لو رصدنا مبالغ طائلة لحل المشكلة، لايبدو ان الامور سوف تتحسن».
ويضيف ان الجهود المبذولة في البرلمان لاقرار قانون من شأنه ان يزيد من عدد الاطفال المسجلين في المدارس قد باءت بالفشل. فقد رفض المشرعون حديثا مشروع قانون يعطي رواتب لطلبة الكليات، الامر الذي يعتقد مكي انه سيشجع الطلبة في المراحل كافة على البقاء في المدارس.
يقول: «انهم يقولون انها مكلفة جدا. لا يرون الامر على انه اولوية... بالنسبة لي، اعتقد ان هؤلاء الاطفال سوف يكبرون بدون ان يحصلوا على أي شيء، ومن ثم فانهم سوف يتحولون الى العنف والجريمة والمسالك الخطرة الاخرى. وحينها سوف يكون علينا ان نتجرع عواقب وخيمة».
لا يعرف حسام حسن عمره بالضبط، لكنه يبدو انه يبلغ عشرة اعوام. وهو يمضي يومه في بيع العاب الاطفال في تقاطع مزدحم في بغداد.
وهو يقول انه كان يذهب الى المدرسة، لكنه توقف عن ذلك قبل بضعة اعوام، حينما غادرت عائلته مدينة الصدر بسبب اعمال العنف.
سألته عن مستقبله، فمسح انفه وقد بدت عليه إمارات الحيرة، وأجاب قائلا: «مستقبلي؟»، ثم توقف لحظة. ثم استطرد قائلا: «سوف اعمل، تماما كما اعمل هذا اليوم».

Saturday, November 01, 2008

مع قرب تولي الحكومة شؤونهم.. غمــوض يــلف مصيـــر الســــجناء

عن: نيويورك تايمز
ترجمة : علاء غزالة

كامب بوكا/ العراق – يقع اكبر معتقل امريكي هنا في الصحراء الجنوبية للعراق. كما انه يقع في محور اكثر النقاشات تعقيدا بشأن نقل السلطة من الجيش الاميركي الى سيادة عراقية كاملة: ما الذي يتوجب فعله ازاء 5,000 سجين اعتبرتهم الولايات المتحدة يشكلون تهديدا للسلم في العراق، والذي تم الوصول اليه بعد قتال ضار ولايزال هشا. اذا تم تمرير النسخة الاخيرة من الاتفاقية الامنية بين البلدين سوف يكون هناك تغيير واضح: نتيجة التقليل الكبير لعديد القوات الاميركية، فان الجنود الاميركيين لن يتمكنوا بمفردهم من اعتقال المشتبه بهم من المتمردين بعد 31 كانون الاول. فحسب القواعد الجديدة يتوجب على الولايات المتحدة ان تطلب الأذن في الاعتقالات، كما ان عليها ان تسلم المعتقلين خلال 24 ساعة.
لكن مصير السجناء الذين هم الان رهن الاعتقال، والذين يبلغ عددهم 17,000 شخص، لا يزال غير واضح.
نظريا، سوف لن يكون بامكان الولايات المتحدة الاستمرار الاحتفاظ بهم. وبينما تسعى الولايات المتحدة الى تقليل مهمتها في العراق ببطء، يقول القادة الاميركيون انهم متحمسون لاغلاق نظام الاعتقال الذي اثبت انه عبء مالي، كما انه اصاب مصداقية الولايات المتحدة الاميركية، بعد فضيحة قضية التعذيب في ابي غريب.
يقول البريغادير جنرال ديفيد بيركنز، المتحدث الرسمي للقوات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق: «سوف ننفض ايدينا من اعمال الاعتقال».
ولكن، في مثال بسيط على التعقيدات الاوسع في تسليم المسؤوليات الى العراقيين، حتى هذا الامر ليس بسيطاً: تعترف السلطات العراقية بعدم جاهزيتها لتولي مسؤولية جميع المعتقلين. لم يتم بناء السجون. ولم يتم تدريب الحراس. وتمتلئ المحاكم بالدعاوى القانونية.
ولكن مفاوضات هادئة، على هامش اطار العمل الاشمل للاتفاقية الامنية، تمخضت فيما يبدو عن السماح للولايات المتحدة بالاحتفاظ ببعض المعتقلين الخطرين بينما تطلق سراح الباقين، وهي تسوية قد تؤدي الى التقليل من الاستقرار الامني الذي تم التوصل اليه مؤخرا في العراق.
يقول البريغادير جنرال ديفيد كوانتوك، القائد العام للقوة القتالية 134 التي تشرف على المعتقلات في العراق، ان عدد السجناء الذين لازالوا في المعتقلات الاميركية، والذين يعتبرون «متطرفين خطرين» يبلغ 5,000 سجين. ويضيف انه سوف يتوجب على الولايات الاميركية على الارجح ان تطلق سراح 4,000 من هؤلاء المعتقلين حينما ينتهي تفويض الجيش في اعتقال الاشخاص بنهاية العام.
اما غالبية الـ12,000 معتقل المتبقين، فان الاميركيين يعتقدون انهم اما ان يكون قد تم اعتقالهم بالخطأ اثناء عمليات التمشيط، او انهم أدوا دورا بسيطا في التمرد، وان من غير المرجح ان يعودوا اليه طالما كان بامكانهم الحصول على عمل.
وفي ظل القواعد الجديدة، سوف يسمح للولايات المتحدة ان تحتفظ بالمعتقلين عند توافر احد الشرطين: اذا كان هناك دليل كاف يقدم لقاض عراقي لاصدار مذكرة توقيف، او اذا كان تم بالفعل توجيه التهمة للمعتقل وهو في انتظار المحاكمة. كما يجب ان يطلب العراقيون ان تستمر الولايات المتحدة في الاحتفاظ بالشخص السجين.
في الوقت الراهن، يقول المسؤولون الاميركيون انهم يعتقدون انهم سوف يكونون قادرين على تلبية هذه الشروط في خـُمس الحالات فقط من تلك التي يعتبرونها خطرة.
يقول الجنرال كوانتوك: «سوف نستطيع تقديم الادلة الكافية لادانة 1,000 متهم وفقا للنظام القانوني العراقي. بالنسبة للـ 4,000 الباقين يجب ان نعمل لايجاد برنامج كفالة متين».
يقوم برنامج الكفالة على اساس ان احد الاشخاص المرموقين في المجتمع، كأن يكون شيخ عشيرة مثلا، يوافق على تولي امر المعتقل، ويتعهد بانه اذا ارتكب جنحة فان شيخ العشيرة او شخص آخر سوف يذهب الى السجن بدلا عنه. يقول الضباط الاميركيون انه من غير الواضح اذا كان بالامكان ايجاد كفيل للافراد السيئين جدا.
تقوم الولايات المتحدة، مع اقتراب موعد نهاية السنة بشكل مخيف، بالعمل بجد لتقليل عدد السجناء في مراكز الاعتقال، في الوقت الذي تؤكد العواقب غير المنظورة حقيقة ان العنف لايزال مستشريا هنا، وتضع علامات الاستفهام بخصوص تسليم كامل للسلطة الى العراقيين. وقد تم قتل بعضا من الذين اطلق سراحهم، ويشتبه الجيش الاميركي في ان القادة المحليين، الذين كانوا قلقين بشأن استقرارية مناطقهم، هم الذين نفذوا عمليات القتل هذه.
وقد كان اكثر عدد للمعتقلين في عموم البلاد قد بلغ 26,000 سجين في خريف عام 2007. ومن ثم انخفض العدد الى 17,000 سجين، وهم الموجودون في كل من معتقل بوكا ومعتقل كروبر، وهو المعتقل الاميركي الاخر، والذي يقع في قاعدة عسكرية كبيرة قرب مطار بغداد الدولي.
كما سيتم اطلاق سراح 2,000 معتقل في الشهر القادم.
وقد أدى اطلاق سراح المعتقلين الى أصدار تحذيرات في المناطق التي عاد اليها المعتقلين، خصوصا في محافظة الانبار، الواقعة غربي بغداد. يقول الجنرال جون كيلي من المارينز ان الشيوخ المحليين جاءوا اليه بعد ان تم اطلاق سراح اول وجبة من المعتقلين واعربوا عن قلقهم العميق.
ويقول: «لقد ذهبا الى الشيوخ وقلنا لهم: علينا ان نطلق سراحهم. ولكنهم كانوا باجمعهم ضد ذلك. قالوا ليس هناك من وسيلة لاحتوائهم. تبلغ نسبة البطالة في المحافظة نسبة 40%، اما نسبة الاشخاص الذين يعملون من دون تحصليهم الدراسي فهي اكثر من ذلك «.
ويستطرد قائلا: «وهكذا رتبنا اطلاق سراح عدد معقول، والذي بلغ 450 معتقلا في الشهر، وبعد قليل جاءوا الينا وقالوا: يا الهي، انتم لا تعلمون من تطلقون سراحهم، انتم تعتقدون انكم تطلقون سراح جون كيلي، ولكنكم في الواقع تطلقون سراح عبد الكريم. انه سفاح في تنظيم القاعدة في العراق، لكن لا تقلقوا، لقد تولينا امره».
وكان الجنرال يشير في حديثه الى تنظيم القاعدة في بلاد النهرين، وهي المجموعة الإرهابية التي يقودها متطرفون اجانب.
ويمضي الجنرال كيلي في القول: «اما انهم طلبوا منه المغادرة او، حسنا... لقد علمنا بشأن 10 او 12 من اعمال القتل خارج الاطار القانوني».
حينما واجه السياسيون العراقيون، في الآونة الاخيرة، احد اكثر المظاهر الاتفاقية الامنية الحاحا، والمتمثل بتولي المسؤولية عن المعتقلات الاميركية، تعالت اصواتهم للاعراب عن خشيتهم من بعض المعتقلين الخطرين، ومطالبين باجراء تغييرات على الاتفاقية الستراتيجية.
فقد صرح حيدر العبادي، وهو برلماني وعضو بارز في حزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الوزراء نوري المالكي، قائلا: «تنص مسودة الاتفاقية على ان يقوم الاميركيين باطلاق سراح جميع المعتقلين من قواعدهم حال توقيع الاتفاقية، مما يعني انهم سيطلقون المجرمين من القاعدة واعضاء المليشيات».
ويقول العبادي ومسؤولون آخرون ان العراقيين يرغبون في تمكينهم من المعلومات الاستخبارية الاميركية في القضايا المتعلقة بمعتقلين يعتبرون خطرين حتى يتسنى لهم اصدار مذكرات توقيف بحقهم، ومن ثم فأما ان يتولوا احجتازهم، او يطلبوا من الاميركيين الاستمرار في احتجازهم.
لكن المسؤوليين الاميركيين يقولون ان من غير الراجح انهم سوف يوافقون على تقديم المعلومات الاستخبارية التي بحوزتهم، خاصة تلك التي قد تكشف عن المصدر.
منذ ان بدأت الحرب عام 2003، دأب الجيش الاميركي على اخماد العنف من خلال ما اطلقوا عليه «الاعتقال الامني»، وهو حجز الاشخاص الذين يعتقد انهم يشكلون تهديدا محتملا للامن، من دون توجيه التهمة. وفي ظل القانون العراقي، شأنه شأن القانون الاميركي، ليس هناك من شيء اسمه الاعتقال الامني. في معظم الاحوال، لا يمكن اعتقال الناس من دون اصدار مذكرة القاء قبض بحقهم. وبينما يتم تحويل المسؤوليات الى العراقيين، فان المشتبه بهم لا يمكن ان يبقوا رهن الاعتقال الا اذا كان الاميركيون قد جمعوا الادلة الكافية لتقديمهم امام محكمة عراقية. اما الآخرون فسوف يتم اطلاق سراحهم، ليس فورا ولكن بالتدريج، حتى لا يتم اطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين مرة واحدة في المناطق التي لاتزال غير مستقرة، على ان يتم توفير ضمانات، نظرية، من زعماء العشائر المحليين.
وقد تقرر اغلاق معتقل بوكا في منتصف العام القادم. يقول الجنرال كوانتوك انه يأمل، بحلول كانون الثاني، ان يبدأ نقل المعتقلين الى ابنية جديدة يتم بناؤها في التاجي، الواقعة على بعد اميال قليلة شمال بغداد. حينما يتم اكمال بنايات المعتقل في التاجي، فسوف تتسع لـ 5,600 معتقل وسوف تسلم الى العراقيين.
وليس من الواضح ما الذي سيحدث بشأن معتقل كروبر.في هذه الاثناء، يسعى الاميركييون لجمع الادلة الكافية لضمان ان يبقى اكبر عدداً ممكناً من المعتقلين، الذين يعتبرون خطرا كامنا، قيد الاحتجاز اما بناءً على مذكرة قضائية، او ان يتم توجيه التهمة بحقهم امام القضاء العراقي.
بيد ان المحامين العسكريين يقولون ان هذه المهمة سوف تكون صعبة. فقد تم اعتقال الكثير من السجناء في ذروة اعمال التمرد، قبل عامين او ثلاثة اعوام، وبرغم ان الجيش قد استطاع جمع بعض الادلة من مكان الاعتقال فور وقوعه، الا ان العديد من الشهود قد هرب او قتل، كما ان الوحدة العسكرية التي قامت بعملية القاء القبض عليهم، كانت قد غادرت منذ زمن طويل.
عادة ما يتطلب اصدر حكم بادانة المتهم، في المحاكم العراقية، توفر شاهدين اثنين يشهدان بانهما اما شهدا الجريمة او اعتراف المتهم. يقول احد المحامين العسكرين العاملين في وحدة مهمات القانون والنظام، والتي تعمل مع المحاكم، ان اقل من 10% من القضايا التي نظرت فيها المحكمة الجنائية المركزية قد صدر فيها حكم بالادانة. وبينما توجد طرائق اخرى لتوفير الادلة الكافية للادانة، فان شهادة الشهود والاعتراف يبقيان هما الاكثر شيوعا.
تعد ادلة التحقيقات الجنائية احد اقوى اشكال الاثبات في المحاكمات في الولايات المتحدة، لكنها تبقى غامضة وغير مفهومة بالنسبة للكثير من القضاة العراقيين، الذين يرونها اقل جدارة من الاعتراف. ان هذا التقدير قد بدأ يتغير، لكن القبول يتطلب وقتا.
يقول الجنرال كوانتوك: « قد تظهر ادلة التحقيقات الجنائية ان الشخص كان مغطى بمادة الـ (تي. ان. تي)، ومع ذلك قد لا يعتبر ذلك كافيا كأدلة للتحقيقات الجنائية لذلك سوف نعود الى دراسة القضايا التي بحوزتنا، ونعود لاحضار شهود العيان».
ولغرض منع المزيد من اعمال القتل خارج الاطار القانوني، يقوم الجيش الاميركي بتزويد الشرطة، والشيوخ المحليين وأئمة المساجد بصور المعتقلين قبل اطلاق سراحهم. واذا كانت السلطات العراقية تعتقد انها قادرة على توجيه التهم بحقهم، فبامكان الشرطة ان تطلب من المحاكم اصدار مذكرة القاء قبض حتى يتم اعادة اعتقال المشتبه به فورا.
يقول الجنرال كيلي: «الان، وبينما نطلق سراح عدداً متزايداً من الاشخاص السيئين، فانهم يذهبون الى المحكمة ويستصدرون مذكرة القاء قبض، وعندها يتم اعتقاله في الوقت الذي يطلق فيه سراحه».
هذا هو النموذج الذي يتوقع الجنرال كيلي رؤيته في تزايد. لايزال هناك 3,000 رجل في بوكا جاءوا من الانبار، ويرجح ان الكثير منهم سوف يطلق سراحهم في الشهور القادمة. يقول الجنرال كيلي انه بعد ان اطلق سراح الدفعة الاولى البالغ عددهم 800 معتقل فقد «انحططنا إلى الحضيض، الى اشخاص ما كان يجب ان نطلق سراحهم».

Tuesday, October 28, 2008

شكوك جديدة بخصوص توقيع الاتفاقية الأمنية

عن الهيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة

سرعان ما تراجعت الامال في امكانية عقد الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة، حينما بدا ان بعض الاحزاب، التي كان بعض مفاوضي الاتفاقية من اعضائها، قد نأت بنفسها عن تمريرها سريعا.
وجاء في بيان نشر على الموقع الالكتروني شبه الحكومي لقائمة الائتلاف العراقي الذي يضم اقوى الاحزاب الشيعية التي تساند الحكومة، ان الحكومة لا تستطيع ان تقبل بالاتفاقية كما هي عليه الان، وانها تريد اجراء تعديلات. وقد قاموا بتشكيل لجنة لاستطلاع رأي اعضاء قائمة الائتلاف.
وقد صرح سامي العسكري، احد قادة حزب الدعوة الذي يرأسه رئيس الوزراء نوري المالكي قائلا: «طلب الائتلاف من رئيس الوزراء اعادة فتح المفاوضات مع الاميركيين ومحاولة تعديل الاتفاقية حتى تصبح مقبولة لنا». واضاف ان امكانية توقيع الاتفاقية «يعتمد على الجانب الاميركي».
وقد دفع الاميركيون بقوة من اجل اقناع العراقيين لاتمام الاتفاقية في منتصف الصيف، لانهم كانوا قلقين من ان الحكومة قد تتردد في اسناد الصفقة عندما كانت الانتخابات المحلية، التي كانت مقررة اصلا في الاول من تشرين الاول، على الابواب. لكن العراقيين قاوموا حينها، وهم الان ينأون عنها برغم التنازلات التي قدمها الاميركيون.
يوافق المحللون السياسيون، الذين راقبوا العراق لسنوات عديدة، على ان عامل الانتخابات، التي من المرجح اقامتها اوائل العام القادم، والتي يتحسب المالكي منها للحفاظ على سلطته، تجعل من الصعب عليه ان يقف الى جانب الاميركيين، خصوصا في اتفاقية تسمح للقوات الاجنبية في البقاء على التراب العراقي.
يقول جوزيت هيلترمان، المحلل الاقدم للشأن العراقي في مجموعة الازمات الدولية التي يقع مقرها في اسطنبول: «اعتقد بأن الشيء الاساس هو ان المالكي قلق بشأن الانتخابات المحلية، وانه لا يريد ان يظهر على انه يقدم تنازلات الى الاميركيين. ان مقاومة العراقيين للاتفاقية هو اتخاذ موقف (في لعبة او مباراة). لكن ما نهاية اللعبة؟»
ومن وجهة النظر الاميركية، تكمن المشكلة في عدم وجود خيارات بديلة كافية، وانه من دون الغطاء القانوني الذي يغطي الوجود الاميركي في العراق، فان القوات الاميركية لا تستطيع القيام بفعالياتها. واذا قرر العراقيون ان توقيع الاتفاقية يشكل مخاطرة سياسية كبيرة لهم، فان الخيار الآخر سيكون تمديد فترة ولاية قرارات مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة الموجودة حاليا، والتي تسمح للقوات الاميركية بالقيام بعملياتها في العراق. ولكن العراقيين لا يريدون ذلك، كما ان هناك اعضاء آخرين في مجلس الامن، من بينهم روسيا، يرجح انهم لن يساندوا التمديد.
وقد اقترح بعض الساسة العراقيين توقيع مذكرة تفاهم بين وزير الخارجية العراقي ووزيرة الخارجية الاميركية، لكن هذه المذكرة لن توفر ضمانات معترفاً بها في القانون الدولي لحماية القوات الاميركية من مواجهة محاكمات امام القضاء العراقي في حالة ارتكابهم اعمالاً خاطئة. ويتم محاكمة الجنود الاميركيين حاليا عن الجرائم المتهمين بارتكابها في العراق تحت مظلة القانون العسكري الاميركي.
تتضمن الاتفاقية ان يتم انسحاب القوات الاميركية من العراق بنهاية عام 2011، وذلك استنادا الى اداء القوات الامنية العراقية والزيادة المطردة في قدراتها. كما انها تضع تواريخ محددة لانسحاب القوات الاميركية من المدن العراقية. لكن مسودة الاتفاقية تنص ايضا على ان هذه «التواريخ المستهدفة» قد تخضع الى التغييرات في اتفاقية يوافق عليها الطرفان.
كما ان الاتفاقية تسمح للقضاء العراقي بمحاكمة الشركات الامنية الخاصة في القضايا الجناية، وهو احد المطالب الرئيسة التي نادى بها المسؤولون العراقيون. لكن لم تتم الموافقة على النقطة المركزية العراقية الاخرى باخضاع الجنود الاميركيين الى القانون العراقي.
يقول مسؤولون حكوميون اميركيون مطلعون على سير المفاوضات ان غياب اية صفقة بحلول 31 كانون الاول، حينما تنتهي فترة تفويض الامم المتحدة للقوات الاميركية والذي يسمح لها بالقيام بالعمليات في العراق، يعني ان على الجيش الاميركي ان يوقف جميع العمليات، وان يلتزم في قواعده العسكرية فلا يخرج منها، وان يوقف مهمات الاسناد الجوية، وان يحضّر لمغادرة العراق.
وقد صرح احد كبار المشرعين، وهو ينتمي الى المجلس الاسلامي الاعلى، احد اكثر الفصائل قوة، متحدثا إلى الموقع الالكتروني شبه الحكومي، انه يجب اجراء سبعة تغييرات على الاتفاقية، من بينها اضافة حق العراق في تفتيش التجهيزات الاميركية التي تدخل البلاد.
ويقول العسكري، من حزب الدعوة، ان هناك مادتين تثيران قلق العراق على وجه الخصوص. الاولى حول خيار الحكومة العراقية في تمديد الوجود الاميركي الى ما بعد 2011 اذا قررت الحكومة انها تريد بقاء هذه القوات. والمادة الثانية تتعلق بتشكيل لجنة تقوم بمراجعة جرائم الجنود المزعومة واعطاء قرار فيما اذا كان يجب احالتها الى القضاء العراقي.
ويضيف قائلاً: «قلنا لرئيس الوزارء ان هذه النصوص يمكن ان تحذف من دون التأثير في بقية بنود الاتفاقية. ان هذا سوف يضمن لنا انه لن تكون هناك مشاكل في المسودة».
اما اكبر التكتلات السنية في البرلمان، وهي جبهة التوافق العراقية، فقد ترددت هي الاخرى في مساندة الاتفاقية. وقد شكل هذا التردد مفاجأة نوعا ما، حيث ان أولئك أصبحوا في وقت قريب مساندين لبقاء القوات الاميركية خوفا من تكرار حوادث التطهير الطائفي التي اجبرت الكثيرين على ترك منازلهم في بغداد والمناطق المحيطة بها.
وربما يكون سبب التحفظ انهم، كما هو الحال مع المالكي، لا يرغبون في الوقوف ضد الوطنيين، الذي لم يتخذوا قرارهم بعد في التصويت لأي من المرشحين للانتخابات المحلية. وكانت اكثر الاحزاب الوطنية صراحة، مثل تلك التي يتزعمها مقتدى الصدر كانت قد عارضت منذ زمن بعيد اية اتفاقية مع الاميركان.
يقول سليم الجبوري، الناطق باسم جبهة التوافق: «ما زلنا نراجع مسودة الاتفاقية الامنية ولم نتخذ موقفا نهائيا بعد. ان بعض البنود ليس واضحة بما فيه الكفاية ونحتاج الى معرفة المزيد عنها من الجانب الاميركي. على العموم، نعتقد بأن الاتفاقية تخدم مصالح الشعب العراقي بشكل كبير».

Thursday, October 23, 2008

النفط العراقي يتدفق سلساً بينما تعلق عوائده بسبب البيروقراطية

عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة

لدى قاسم فريز، وهو احد المسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة العراقية مشكلة يحسده عليها المسؤولين في واشنطن. فقد تجمعت لدى العراق العشرات من المليارات من الدولارات من مبيعات النفط، لكن القائمين عليها يكافحون من اجل صرف هذه الاموال.
فريز هو مدير عام في وزارة التخطيط، ويشغل غرفة مكتب متهالكة، ذات جدران بيض لكن متسخة، ومضاءة بالكاد بشموع فلورسنت، تومض وتنطفيء بين آن وآخر. وهو يقول: «انها صعبة جدا بالنسبة للوزارات».
بينما تصل جهود اعادة الاعمار الاميركية هنا الى نهايتها ، اصبح المسؤولون الاميركيون اكثر اهتماما بمقدرة العراقيين على تولي مسؤولية اعادة البناء. يقدر مكتب المساءلة الحكومي ان فائض الميزانية العراقية يبلغ من 67 الى 79 مليار دولار هذه السنة، برغم ان بعض المسؤولين الاميركيين يرى ان الفائض سيكون اقل من ذلك بسبب انخفاض اسعار النفط.
تقوم الحكومة الاميركية بانفاق الملايين من الدولارات لتدريب العراقيين على انفاق الاموال العائدة من ثروتهم النفطية. لكن البيروقراطية العراقية تبقى مجوفة، عالقة في اكوام من الورق والاختام المطاطية الموروثة من السنوات السابقة، يضاف الى ذلك ان الكثير من الخبراء التكنوقراط قد فرّوا من البلاد.
وقد قدح فائض الميزانية العراقية غضب كلا الحزبين في الكونغرس، حيث يشتكي بعض المشرعين من ان الولايات المتحدة تنفق اموالا طائلة في العراق في الوقت الذي تجمع حكومته النقد في خزائنها. وفي العراق، يخشى ضباط الجيش الاميركي ان عرقلة الانفاق قد تساهم في اضطراب النظام.
تحدث الجنرال راي ادويرنو، القائد الاميركي في العراق، الى صحيفة واشنطن بوست قائلاً ان احد اكبر التهديدات هنا هي «عدم قدرة الحكومة العراقية على توفير الخدمات الاساسية، خصوصا الكهرباء والماء والمجاري الى المواطنين».
كان اقتصاد العراق قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 يعد من بين الاكثر مركزية بين نظم الاقتصاد العالمية، حيث كان يهدف معظم الانفاق الى تعزيز سلطة صدام. يقول المسؤولون الاميركيون ان المسؤولين الادرايين العراقيين لازالوا مترددين باتخاذ المبادرة في بلاد يتعرض فيها الموظفين المستقلين برأيهم الى الاغتيال.
وقد ادت اعمال العنف، منذ ان سقط نظام صدام، الى مقتل مئات الالوف من المواطنين، وما يزيد على 4,100 اميركي، كما اجبرت الملايين على النزوح من ديارهم. كما انها ، اعاقت عملية اعادة الاعمار.
يقول جوست هيلتيرمان، نائب مدير برنامج الشرق الاوسط في مجموعة الازمات العالمية، وهي منظمة غير حكومية: «لقد هرب الاشخاص الذين كانوا يشكلون طبقة العراقيين العلمانيين الوسطى في نهاية المطاف الى الدول المجاورة». ويقول ان هذه الهجرة الجماعية تضمنت العديد من العاملين في قطاع الخدمات المدنية، مضيفا: «لقد أثر ذلك بشكل كبير على قدرة الحكومة العراقية على القيام بمهامها».
يمكن ان تجد صورة عن البيروقراطية الهشة في وزارة التخطيط، والتي تقود عملية التطوير واعادة الاعمار. يقول الوزير علي بابان ان بضعة مئات من بين موظفيها البالغ عددهم 2,500 موظف، قد غادروا البلاد، معظمهم من اكثر الخبرات التقنية كفاءة.
ويضيف الوزير: «لقد حاولنا حل هذه المشكلة من خلال الاعتماد على اشخاص اقل تأهيلا من اولئك».
اما فريز، المدير العام لمديرية الاستثمار الحكومي، والبالغ من العمر 54 عاما، فقد كان من بين القلة القليلة من التنكوقراط المخضرمين الذي فضلوا البقاء. فهذا المحاسب الذي غزا الشيب رأسه، والذي يضع نظارات ذات اطار معدني دقيق ويرتدي قميصا بلون بيجي مكويا بعناية وبنطالا بني اللون، يلقي اللوم على الوضع الامني السيئ وعدم قدرة الحكومة العراقية على اعادة البناء. وعلى الرغم من ان الهجمات قد انخفضت هذا العام، الا ان البلاد لا تزال مبتلاة باعمال القتل والتفجير.
وهو يقول: «الشركات الاجنبية ترفض القدوم الى العراق» لتنفيذ مشاريع ضخمة.
لكن فريز يعترف ان العنف لا يشكل الا جزءا من المشكلة. فهناك مشكلة الاراضي المملوكة للدولة والمخصصة للمشاريع، والتي احتلها المهجرون نتيجة اعمال التطهير الطائفي. ويضيف المسؤولون ان هناك كما هائلا وغير متسق من التعليمات والاجراءات، بعضها يعود الى زمن حكم صدام، وبعضها جاء بتأثير قرارات الامم المتحدة، لكن بينها ايضا تشريعات حديثة لمكافحة الفساد. هذه التعليمات والاجراءات اصبحت تخنق عملية الانفاق.
يقول فريز انه بسب هذه التعليمات فان عملية صرف الاموال للمشاريع التي تمت المصادقة عليها في الموازنة الوطنية قد تستغرق من ستة الى تسعة اشهر.
وقد شرح لنا وهو يرسم سلسة من الدوائر على قطعة ورق لتوضيح كيف تقوم الوزارات باستحصال خطاب الضمان لتغطية مشتريات من خارج البلاد بقيمة كبيرة، قائلا:»هذه هي الصورة الكبيرة في عملية التأخير».
ثم أخذ يرسم خطوطا تربط بين الدوائر، وقال: «يتوجب على كل وزارة، اذا ارادت ان تفتح اعتمادا، ان تخاطب وزارة التخطيط، ثم تقوم وزارة التخطيط بمفاتحة وزارة المالية، بعدها تفاتح وزارة المالية البنك المركزي. واخيرا يحيل البنك المركزي هذا الامر الى المصرف التجاري العراقي».
سالناه: هل يتم ذلك عبر البريد الالكتروني؟
فاجاب: «كلا. بل عن طريق كتاب رسمي مثل هذا»، ويرينا وثيقة رسمية ذات ختمين دائريين.
هذا وقد شهدنا مساعدي فريز وهم يدخلون ويخرجون مرارا حاملين رزما من الورق ليقوم بتوقيعها. ولكن لم نشاهد أثرا لحاسوب، برغم ان معاونيه يمتلكون حاسبات مكتبية. وهو يعمل بشكل روتيني حتى الساعة الثانية صباحا، منجزا اعمال مكتبية في عملية بيروقراطية بطيئة الحركة.
حينما التحق فريز بوزارته عام 1983، كانت مكتبا حكوميا راقي المستوى آنذاك في بلد غني بالنفط. وقد كان مقر الوزراة من بين البنايات الحديثة في بغداد، يشمخ وهو يطل على مشارف نهر دجلة.
لكن عقودا من الحروب والعقوبات الدولية مزقت البلاد. وقد اغلقت الوزراة في اثناء غزو البلاد من القوات التي تقودها الولايات المتحدة. ثم احرقت البناية في فترة اعمال السلب والنهب التي تلت ذلك، فاضطرت الوزراة الى الانتقال الى بناية مظلمة وقذرة في منطقة تجارية.
يقول فريز: «بدأت اعمال الاغتيال بعد عام 2003». وقد تم قتل الكوادر الادارية في هجمات لم يتم التوصل الى منفذيها، والتي ربما عكست توترات طائفية او سياسية.
وقد وصلت الحكومة العراقية الى النقطة التي تقوم فيها بانفاق معظم ميزانيتها التشغيلية على امور مثل الايجارات ورواتب الموظفين الحكوميين وتقاعدهم. ان اكبر مشاكلها هي البنية التحتية التي تتطلب عدة مستويات من الموافقات الحكومية.
ولم يتمكن العراق من انفاق اكثر من ثلث ميزانيته للاستثمار، البالغة 12 مليار دولار عام 2007، استنادا الى مكتب المساءلة الحكومي.
وعلى مستوى المحافظات، تسعى الحكومات المحلية جاهدة لانفاق المليارات من الدولارات التي رصدتها لها الحكومة الاتحادية في ظل النظام الاتحادي الجديد في العراق. وبالكاد تستطيع بعض هذه الحكومات المحلية تمشية امورها النقدية، مع وجود نقص في عدد الموظفين المدربين على الموازنة، بل وحتى في اجهزة الحاسوب.
اعلنت وزارة الخزانة الاميركية في الربع الاول من هذا العام ان العراق لم يتمكن سوى من صرف 31% من ميزانيته لعام 2007. يقول الوزير بابان انه بسبب اعمال العنف التي ابتليت بها محافظة نينوى في شمال العراق، والتي يسكنها 2,5 مليون نسمة، فان المحافظة لم تنفق سوى 2% من الميزانية الاستثمارية التي رصدتها لها الحكومة الاتحادية هذا العام.
ويضيف الوزير: «هناك بعض التحسن، الا انه محدود».
وبينما يعبر المسؤولون في الجيش الاميركي، والمراقبون في الكونغرس، عن قلقهم بشأن قدرة العراق على تقديم الخدمات الاساسية، فان الحكومة العراقية احرزت بعض التقدم.
ففي كانون الثاني، رفعت الحكومة العراقية من سقف المقاولات التي تحتاج الى مصادقة رئيس الوزراء من 10 ملايين الى 50 مليون دولار. كما اتخذ العراق الخطوات الاولى باتجاه صرف الرواتب ضمن نظام حاسوبي، واستخدام التحويل الالكتروني للاموال، بدلا من ارسال الشاحنات المليئة بالنقد.
بعض المسؤولين العراقيين يقولون ان الحكومة سوف تنفق جميع ميزانيتها لهذا العام. لكن مكتب المساءلة الحكومي ابدى بعض الشكوك. فتقريرهم يقول ان وزارة المالية عادة ما تقدم بيانات غير موثوقة، تتضمن «اعمدة واسطر تحتوي على اخطاء حسابية».
يقول فريز انه بنهاية آب، انفقت الحكومة العراقية 43 % من الميزانية الاستثمارية البالغة 16 مليار دولار والتي كانت متاحة مبدئيا لعام 2008، بضمنها اموال رصدت لخطابات الضمان. لكن هناك مبلغ آخر قدره 8 مليارات دولار تم اضافته كملحق بالميزانية، وقد جاء نتيجة لارتفاع اسعار النفط بشكل حاد خلال العام.
لقد بدأت تخصيصات اعادة الاعمار التي قدمتها الولايات المتحدة بالنضوب، مما يجعل من الضرورة بمكان ان يتولى العراقيون هذه المهمة. وقد بلغ مجمل الاموال التي التزمت بها الولايات المتحدة، حتى شهر حزيران الماضي، مبلغا قدره 42 مليار دولار من اصل 48 مليار دولار رصدت منذ بدء الغزو من اجل احلال الاستقرار واعادة الاعمار في العراق، استنادا الى مكتب المساءلة الحكومي.
يقول احد كبار المسؤولين الاميركيين في بغداد، طلب عدم ذكر اسمه: «لقد بدأنا في التراجع عن اعمال الطابوق والمونة. ان ما نفعله الان هو ان نساعدهم في انفاق اموالهم».

منتديات القاعدة على الانترنت تختفي فجأة

عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة

يقول مراقبون للشبكة المعلوماتية الدولية (الانترنت) ان اربعة من بين خمسة من المنتديات التي يستخدمها الجناح الاعلامي في القاعدة لنشر بيانات اسامة بن لادن والمتطرفين الاخرين قد تم ايقافها منذ منتصف ايلول. ان اختفاء هذه المنتديات في العاشر من ايلول، وعجز القاعدة على ما يبدو في استعادتها او استبدالها بمواقع اخرى كما كان الحال سابقا، قد اعاق المنظمة من نشر كلام وصور قائدها الهارب. وقد قال بيان صدر في 29 ايلول عن مركز الفجر الاعلامي، وهي الشبكة التي تدعم القاعدة والمجموعات المتطرفة الأخرى، قال إن المنتديات قد اختفت «لاسباب تقنية»، وحث اتباعه على عدم ايلاء الثقة للمواقع التي تبدو شبيهة بها.
يقول ايفان كولمان، الخبير في عمليات القاعدة على الانترنت، والذي قدم المشورة الى مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي ومؤسسات اخرى: «بالنسبة للقاعدة، فان هذه المواقع تناظر موقع البنتاغون، او موقع البيت الابيض، او موقع شبكة الهواتف النقالة». فمع بقاء موقع واحد فقط ناشطا على الانترنت، «فان ذلك يترك استراتيجية القاعدة، في ما يخص الدعاية الموجهة، معلقة بخيط رفيع للغاية».
وفي مناسبات عدة خلال السنوات الثلاثة الماضية، قام متصيدون غير معروفين باقفال مواقع الكترونية متربطة بالقاعدة بعد ان قامت بالاعلان عن اصدار رسالة جديدة من اسامة بن لادن مسجلة على شريط فيديو موجهة الى قائد متطرف آخر. وعادة ما يكون من المستحيل تحديد مصدر مثل هذه الهجمات بالضبط، غير ان الخبراء يقولون ان منفذيها قد يكونون نشطاء مستقلون.
كما رفض احد مسؤولي الاستخبارات الاميركية الاجابة عن السؤال بشأن ما اذا كانت وكالات التجسس الاميركية مشاركة في هذا الامر. ولدى القوات الامنية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة مركزا مشتركا لمراقبة العمليات الالكترونية ضد المتطرفين.
يقول جورجي جونسن، الخبير في مجموعات العنف في اليمن والمقيم في الولايات المتحدة: «لقد كان لديهم شعور بانهم لا يقهرون. الان فقدوا هذا الشعور».
وكان موقع منتدى الفجر يطبل، في اوائل ايلول، الى بث شريط الفيديو الذي تبثه القاعدة سنويا لمناسبة هجمات 11 ايلول، عارضين رسالة واحدة: «انتظروا 11 ايلول».
ولكن بدلا من ذلك، اختفى المنتدى في 10 ايلول.
تشير التغييرات السريعة في معلومات تسجيل اسماء هذه المواقع وفي الحاسبات الخادمة الى ان مشغلي المواقع كانوا يعملون من اجل اعادة المنتديات الى العمل، حسبما جاء في بيان اصدرته مجموعة (البحث عن الكيانات الارهابية العالمية SETI) الاستخبارية، وهي المؤسسة الاولى في المراقبة غير الحكومية لمواقع المجاميع المتطرفة.
يقول كولمان، وهو يعمل ايضا كمحقق اقدم في مؤسسة (11/9 البحث عن اجوبة NEFA) التي يقع مقرها في تشارلستون، ساوث كارولينا، ان موقعا واحدا، هو موقع (الحسبة)، قد اعاد نشاطه بعد 24 ساعة.
وفي آخر الامر، ظهر شريط القاعدة المخصص لـ 11 ايلول على موقع الحسبة، مما يعني «ان احدها يحمل المسؤولية عن الباقين»، وذلك في 19 ايلول. عندها بدأ الاهتمام يقل بالذكرى السنوية بين مساندي القاعدة.
تقول احد التعليقات التي كتبها الزوار في موقع الحسبة: «يا الهي، احمي اخواننا في منتديات المجاهدين»، استنادا الى كولمان.
وكتب زائر آخر قائلا: «اخواني الاعزاء... اجتهدوا في الدعاء الى الله ليهدي الرصاصة، وليعيد موقع (الاخلاص) بنجاح حتى تنتشر الرسالة»، حسب ما اوردته مؤسسة SETI، في اشارة الى احد اكثر المواقع التي تم اقفالها اهمية.
يقول جونسن: «المنتديات المتطرفة لازالت نشطة، هناك اناس مرتابون ومشوشون الى حد ما بشأن ما يجري حولهم. من الطبيعي بالنسبة لغرف المحادثة والمنتديات الخاصة ان يكون هناك نوع من المقاطعة. لكن في هذه المرة كان واضحا جدا ان هناك شيئا مختلفا كليا».
واصلت القاعدة نشر تسجيلات الفيديو والبيانات على موقع الحسبة. لكن كولمان يقول ان هناك عدداً قليلاً فقط من الاتباع الذين لديهم كلمات المرور لهذه المواقع.
ويضيف كولمان ان مشغلي مواقع القاعدة غير مرتاحين الى اعطاء المزيد من المستخدمين كلمات المرور لموقع الحسبة تحسبا من الاختراق، كما انهم لا يريدون الانتقال الى موقع جديد بكلمات مرور جديدة للسبب نفسه.
ويؤكد كولمان قائلا: «انها المرة الاولى منذ ثلاثة سنوات ان لا يكون لدى القاعدة سوى موقع واحد يحمل دعايتهم الموجهة (البروباغاندا)». وكان مركز الفجر قد تأسس في عام 2005.
يقول المراقبون ان القاعدة قد اضطرت الى الاعتماد على المواقع الاخرى للمساعدة في نشر تسجيلات الفيديو التي تصدرها، مما يؤدي الى اضعاف سيطرة هذه المنظمة على رسائلها ويقلص من مشاهديها.
يقول ايريك ماركواردت، رئيس تحرير جريدة سينتينال، وهي منشور الكتروني شهري يصدر عن مركز مكافحة الارهاب في اكاديمية ويست بوينت التابعة للجيش الاميركي، ان تخريب المواقع الالكترونية الخاصة بالمتطرفين يجعل من الصعب عليها ان تلهم اتباعها ليقوموا بالهجمات، كما تصعب عملية تجنيد المزيد من الاتباع.
ولكنه يستدرك قائلا: «غير ان الجانب السيء في اغلاق المواقع الالكترونية انك سوف تخسر المقدرة على مراقبة نشاطاتهم»، مما يحد من فرص المراقبين الغربيين على البحث عن نقاط الضعف في ايديولوجيتهم او اشارات عن عمليات مستقبلية. «حينما تغلق هذه المواقع الالكترونية، تغلق معها نافذة مهمة».

Tuesday, October 21, 2008

إعادة بناء القوة الجوية من القاعدة إلى الأعلى

عن: واشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة

كركوك، العراق – لم ينقطع أمل العقيد الطيار عبد الكريم عزيز في التحليق مجددا، وهو الذي خاض غمار الحرب في ثمانينيات القرن العشرين، حينما قالت له والدته عام 2005 ان عليه العودة الى الطيران.
يقول عزيز، البالغ من العمر 49 عاما، متحدثا عن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق: «حينما بدأت الحرب، لم يدر بخلدي اني ساعاود التحليق مجددا. لم احب الجانب الصديق»، في اشارة الى الجيش الاميركي.
وقد شلّ الجيش الاميركي القوة الجوية العراقية بعد حرب الخليج عام 1991، محيلا وظائف قدامى الطيارين مثل عزيز الى اعمال مكتبية على الارض. وكان القليل المتبقي من القوة الجوية، التي كانت ذات مرة قوة ضاربة، قد تم تدميره في الاسابيع الاولى من الحرب على العراق. ومن ثم تمت ادارة العمليات في الاجواء العراقية، التي سيطر عليها الجيش الاميركي بشكل مطلق، من خلال مركز عمليات في قطر.
لكن سلاح الجو الاميركي، الذي بدأ في تغيير موقفه، شرع في صرف مئات الملايين من الدولارات على تدريب الطيارين مثل عزيز على الطيران مجددا، وتدريب جيل جديد من الطيارين، وبناء قوة جوية عراقية مع بنيتها التحتية ابتداء من الصفر. ان مشروع القوة الجوية هو جزء من جهد اكبر يستهدف تدريب وتجهيز الوحدات المتخصصة في القوات الامنية العراقية، والتي يرى القادة الاميركيون انها خطوة حيوية من اجل خلق الظروف المواتية لانسحاب القوات الاميركية من العراق.
ومع انخفاض العنف في العراق في الاشهر الاخيرة، اصبحت مثل هذه المبادرات واحدة من اهم اولويات الجيش الاميركي. غير انهم بدأوا في التحليق حينما بدأ العراقيون في المطالبة بانسحاب القوات الاميركية، وبينما تزايدت دعوات المشرعين الاميركيين، الذين رصدوا المليارات من الدولارات في السنوات الاخيرة لتدريب وتجهيز القوات الامنية العراقية، لكي يتولى العراقيون جزءا اكبر من المسؤولية الامنية. وكان المشرعون الاميركيون قد وفروا مبلغا قدره 8,5 مليار دولار اميركي بين عامي 2007 و2008 لتدريب وتجهيز القوات الامنية العراقية، ذهبت منها قرابة 457 مليون دولار للقوة الجوية العراقية.
يتطلب بناء القوة الجوية سنوات ان لم يكن عقودا. وقد كان بناء القوة الجوية العراقية بالذات تحديا، كما يقول المسؤولون الاميركيون. وقد عرقلت هذه العملية عوامل عدة منها المشاحنات المستمرة، وما يصفه المسؤولون الاميركيون بعجز الحكومة العراقية المزمن في توفير التمويل الفوري لاحتياجات العمليات، والانقسام بين جيل الطيارين المخضرم –الذي بدأ يعلوه الصدأ– والمجموعة الصغيرة من الضباط الجدد الذين هم على وشك اكمال تدريبهم.
على الرغم من ان القوة الجوية العراقية ما زالت صغيرة وتفتقر تماما الى القدرة القتالية، الا انها تمتلك قاعدة تؤهل العراقيين للافتخار بها، كما يؤكد المسؤولون الاميركيون. يقوم العراقيون، الذين تعودوا على مشاهدة الطائرات العمودية الاميركية تجول في اجوائهم على مدار الساعة، بتحية الطائرات التي تحمل العلم العراقي بحماسة حينما يروا احداها.
يقول المقدم مارك بينيت، احد المدربين الاميركيين: «انها رمز للحماية التي تقدمها حكومتهم لهم».
وكانت القوة الجوية العراقية من افضل القوات الجوية في المنطقة تدريبا وتجهيزا حينما دخلت البلاد في الحرب مع ايران عام 1980. وادى النزاع الى خسائر جمّة في القوة الجوية، لكن حينما نشبت حرب الخليج عام 1991، كان لا يزال هناك المئات من الطائرات المقاتلة والطيارين ذوي الخبرة، الذين يمارسون نشاطهم في عشرات القواعد الجوية.
لكن القوة الجوية العراقية لم تكن تضاهي باي حال قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، حيث ان هذه الاخيرة سرعان ما دمرتها عن آخرها. ومن ثم جاءت العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة على العراق بعد الحرب والتي منعته من الحصول على قطع الغيار للطائرات الحربية ومن التحليق فوق مناطق واسعة من البلاد.
وحينما قامت القوات الاميركية بغزو العراق عام 2003، كانت القوة الجوية من الضعف بحيث ان صدام قرر ان لا يرسل الطيارين القليلين المتبقين للتحليق بالطائرات. وتم دفن بعض الطائرات المقاتلة. وفيما بعد اختفى منتسبو القوة الجوية، شأنهم شأن منتسبو الصنوف الاخرى في الجيش العراقي، بعد فترة وجيزة من الغزو.
وقد منح الجيش الاميركي الحكومة العراقية، في عام 2004، ثلاثة من طائراته القديمة نوع هرقل سي-130 التي تستعمل لاغراض الشحن الجوي. وفي ذلك الوقت بدأت الحكومة العراقية في البحث عن طياري القوة الجوية السابقين والاستثمار في شراء طائرات جديدة. وقد افتتحت الحكومة العراقية في العام الماضي مدرسة للقوة الجوية في اطراف العاصمة بغداد، بمساعدة القوات الاميركية.
ويوجد لدى القوة الجوية العراقية الان 76 طائرة، جاءت معظمها على شكل منح من الولايات المتحدة ودول اخرى. اغلب هذه الطائرات مصممة لأغراض مهمات التدريب والنقل والمراقبة. وعلى الرغم ان هذه القوة الجوية لا تمتلك طائرات مقاتلة، فان ضباط الجيش الاميركي يقولون ان الطيارين العراقيين سوف يسمح لهم قريبا في تنفيذ مهمات هجومية.
يقول عزيز، والذي يمتلك صوتا جهوريا عميقا، وعادة ما يغص في الضحك وهو يمزح مع نظرائه من الاميركيين: «انا طيار يقود طائرة مقاتلة. انا مستعد للموت من اجل ان افعل هذا من جديد».
يقول المسؤولون الاميركيون انهم يشاركون العراقيين في نظرتهم بعيدة الامد، المتمثلة توفير قوة جوية مجهزة بشكل جيد لحماية البلاد من الاعداء الخارجيين. لكنهم يعتقدون ان على العراقيين التركيز على الاساسيات قبل ان يستثمروا في شراء الطائرات المقاتلة عالية القدرة.
يقول العميد بروكس باش، الضابط المشرف على بعث القوة الجوية العراقية، معقبا على هذه النقطة: «ليس لديهم البنية التحتية التي تساندها».
وقد تم في شهر ايلول افتتاح مدرسة القوة الجوية في قاعدة التاجي الجوية، الواقعة خارج بغداد. ويقوم على ادارتها مشرفين عراقيين واميركيين، بينما يقوم بمعظم اعمال الصيانة موظفين يعملون لدى مقاول غربي. واكمل نحو 1,000 منتسب في القوة الجوية دورة التدريب الاساس، وتتوقع القوة الجوية العراقية ان يتخرج 600 اخرين في نهاية العام. يتلقى طيارو الطائرات العمودية تدريبهم في التاجي، بينما يتم تدريب طيارو الطائرات المقاتلة في قاعدة بكركوك في شمالي العراق.
وقد تم ارسال الطائرات العراقية الى البصرة والموصل لتنفيذ مهمات النقل، والاخلاء الطبي، والمراقبة، كإسناد للعمليات العسكرية. كما انها تقوم بمراقبة خطوط النفط الرئيسة المنتشرة في البلاد بشكل مستمر. وكان جميع الطيارين الذين نفذوا هذه المهمات من منتسبي القوة الجوية السابقة. ويتوقع ان يشارك اول ثلاثة طيارين من المجندين حديثا في الطلعات الجوية في وقت لاحق من هذه السنة. لقد كان تجنيد الطيارين تحديا بسبب انهم يجب ان يجيدوا اللغة الانكليزية، وهي اللغة العالمية في الطيران. كما كانت الرواتب التي تمنح للطيارين، وهي تبدأ بـ 700 دولار في الشهر، من المعوقات الاخرى.
وقد رصدت الحكومة العراقية مبلغ مليار دولار لقوتها الجوية منذ السنة الماضية. لكن المستشارين الاميركيين يقولون ان الحصول على الموافقات على الصرف، التي يجب ان تقدم كتابة الى بغداد، قد يكون عملا خارقا بحد ذاته.
يقول المقدم مارك دالي، ذو الـ39 عاما وهو من مدينة الاسكندرية في ولاية فرجينيا، واحد مستشاري القوة الجوية الاميركية في التاجي: «يواجه العراق صعوبة في صرف الاموال. ان ذلك يشمل كل شيء من بدلات الطيارين الى القفزات والاحذية. لا يستطيعون ان يجمعوا كل ما يحتاجون في قائمة تجهيزات واحدة».
غير ان المصادقة على مصاريف كبيرة قد يكون صعبا بشكل خاص، كما يقول باش، لان الكثير من المسؤولين العراقيين يخشون عادة التوقيع على القوائم الخاصة بها.
ويضيف باش قائلا: «انهم يخشون ان يضعوا تواقعيهم عليها خوفا من تهم الفساد التي قد تأتي لاحقا».
ويؤكد: «لديك قوة جوية ذات ملاك بمعدل عمر يقع ضمن الاربعينيات. هذه مشكلة... فبعد عشرة سنوات سوف يتقاعدون».
وهكذا فان مستقبل القوة الجوية يكمن بايدي رجال مثل الملازم ثاني علي صباح الذي يبلغ 21 سنة من العمر. وقد فرّ هذا الشاب، وهو من مواليد مدينة الموصل مع عائلته الى هولندا عام 1996، ضمن موجة من المهاجرين الاكراد الذي فرّوا من اضطهاد صدام.
وبعد الغزو عام 2003، عاد والد صباح الى العراق ليعمل كمهندس في مدرج طيران بكركوك. وفي احد الايام اتصل بولده وسأله فيما اذا كان يرغب في ان يصبح طيارا في القوة الجوية العراقية. لقد كان قرارا صعبا. فقد كان علي صباح مواطنا هولنديا يدرس علوم الحاسبات وقد بلغ المرحلة الاخيرة.
يقول علي واصفا تفكيره في ذلك الوقت: «لو كنت اكلمت دراستي الجامعية في علوم الحاسبات، لكنت حصلت على وظيفة مع مايكروسوفت، ولقضيت عمري كله في عمل ممل على الحاسبة. ينطوي عمل الطيار على مغامرة اكثر قليلا».
وقد كانت رحلة عودته الى العراق مضنية لكن يملؤها الفخر، فهو يقول: :انه لشعور عظيم ما يمكنك فعله لبلدك. ففي هذا الوقت لا يعتقد الكثيرون ان القوة الجوية العراقية موجودة في الواقع».

Monday, October 13, 2008

اعمال العنف في الموصل تجبر المسيحيين العراقيين على الفرار

عن النيويورك تايمز
ترجمة: علاء غزالة

بغداد – يفر المئات من المسيحيين من مدينة الموصل نتيجة سلسلة من اعمال القتل، التي يبدو انها تستهدف المسيحيين في هذه المدينة الشمالية من العراق، حيث لجأ الكثير منهم الى اجزاء اخرى من البلاد خوفا من الاضطهاد.
وقد قتل عدد لا يقل عن 11 مسيحيا، وربما يصل عددهم الى 14، في مدينة الموصل منذ شهر آب الماضي، حسب ما أفاد مسؤولون حكوميون ومنظمات حقوق الانسان. ومن بين الضحايا اطباء، ومهندس، وعاملي بناء اثنين، ورجلي اعمال، وصبي يبلغ من العمر 15 عاما تم قتله بالرصاص امام منزله. وقد قتل سبعة مسيحيين في الاسبوع الماضي وحده.
يقول خسرو كوران، نائب محافظ نينوى، المحافظة الواقعة في شمالي العراق ومركزها مدينة الموصل، ان صيدليا قتل بالرصاص يوم الجمعة من قبل رجل تظاهر انه رجل شرطة متخفٍ، وقد سأل الضحية ابراز هويته التعريفية.
وكان المطران لويس ساكو، رئيس اساقفة الكنيسة الكلدانية الكاثولوكية في كركوك، قد قال يوم الجمعة، ان اعمال القتل هي مثال على: "حملة التطهير، بالقتل والتهديد"، التي واجهها المسيحيون في العراق.
وقد جاءت اعمال القتل عقب المشاحنات الغاضبة حول قرار البرلمان اسقاط مادة كانت موجودة اصلا في النسخ الاقدم من قانون الانتخابات المحلية تنص على منح المسيحيين والاقليات الاخرى تمثيلا سياسيا. وقد وافق المشرعون على هذا القانون بدون تلك المادة في 24 أيلول.
كما نظم المسيحيون مظاهرات في بغداد والموصل احتجاجا على قرار البرلمان، حيث يعيش قرابة 250,000 مسيحي في بغداد، و50,000 في الموصل.
وفي احدى هذه المظاهرات في الموصل رفع المسيحيون شعارات تطالب بانشاء المحافظة التاسعة عشرة، يحكمها المسيحيون وترتبط بمنطقة كردستان في الشمال، استنادا الى وليم ورده، وهو صحفي عراقي ورئيس منظمة حمورابي لحقوق الانسان، والتي يقع مقرها في بغداد.
وقام مجلس الرئاسة، الذي يقوده الرئيس جلال طالباني، بالمصادقة على قانون انتخابات مجالس المحافظات في وقت سابق من الاسبوع الحالي، لكنه حث البرلمان على اعادة النظر في قضية تمثيل الاقليات من خلال التصويت على مادة مستقلة تتضمن المادة التي تم اسقاطها. لكن المجلس قرر بدلا من ذلك تشكيل لجنة لاعداد مسودة قانون لهذا الغرض، على ان يتم تقرير اي من المجموعات يجب ان تصنف على انها اقلية، وعدد مقاعد المجلس التي يجب ان تحجز لهم.
وقال عدد من القادة المسيحيون يوم الجمعة ان اعمال القتل في الموصل ربما تكون ذات صلة بالمظاهرات التي خرجت الاسبوع الماضي وطالبت بانشاء محافظة تتمتع بالحكم الذاتي.
وقال السيد كوران انه قد ظهرت منشورات في شوارع الموصل تهدد المسيحيين وتحذرهم اذا لم يغادروا المدينة. وقد انحى باللائمة في اعمال القتل على المسلحين، والاشخاص الذين وصفهم بـ"المتطرفين القوميين". لكن غيره القى اللوم على الاكراد، الذين يسيطرون على جزء كبير من الجزء الشرقي من الموصل والمنطقة المحيطة بها.
وفي الاسبوع الماضي، غادرت 150 عائلة مدينة الموصل الى مدن اخرى تقل الى الشمال الشرقي منها، مثل برطله وتل كيف وقره قوش، والتي يسكنها غالبية من المسيحيين، استنادا الى مسؤولين في المحافظة.
يقول جودت طعمة يوسف، الذي يملك محلا لبيع الملابس بالجملة في سوق الموصل المركزي، انه اضطر الى المغادرة بعد ان قتل اخاه، الذي كان يملك محلا للبيع بالجملة هو الاخر، في ظهيرة السبت الماضي.
يقول السيد يوسف: "في ذلك اليوم، اقفلت واخي محلنا في الساعة 12:15، ثم جاء اربعة رجال الى السوق، حيث اطلق احدهم الرصاص على اخي حازم. لقد قتله امام ابنه".
ويقول انه بعد هذا الهجوم، فان عائلته المكونة من 18 فردا قد اضطرت الى العيش في منزل صغير استأجروه في قره قوش. مضيفا: "لم نستطع ان نحمل اي متاع معنا سوى ملابسنا ونقودنا. لقد غادرنا الموصل فورا بعد ان دفنا جثة اخي".
وقد حدثت في الماضي اعمال اختطاف وقتل للمسيحيين في بغداد واجزاء اخرى من العراق. وفي الموصل، التي لم تتمتع بالحصانة من اعمال العنف، أرهبت موجة من اعمال القتل السكان المسيحيين. وفي شباط، تم اختطاف المطران بولص فرج رحو، رئيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في الموصل، ثم عثر على جثته في آذار مدفونة في منطقة تقع جنوب شرق المدينة.
وقد اتخذ الكثير من المسيحيين المدن الواقعة في سهل نينوى شمال شرق الموصل ملاذا امنا، حيث نادرا ما تعرضت هذه المدن الى الهجمات ضد المسيحيين. وتعد هذه المدن مسيحية الصبغة، حيث تنتشر القرى الاشورية والكلدانية القديمة، كما توجد اديرة بنيت في زمن النبي محمد.
لكن حتى في سهل نينوى، حدثت فورات من التوترات منذ العام 2003، حينما دخلت القوات الامنية الكردية الى المنطقة. ولا يزال العلم الكردي يرفرف على مداخل هذه المدن، بينما تسطير قوات البيشمركه، وهي القوات الامنية الكردية، على نقاط السيطرة فيها.
بيد ان المسيحيين ينقسمون بين هؤلاء الذين يريدون البقاء تحت الحكومة العراقية المركزية، واولئك الذين يفضلون محافظة ذات حكم ذاتي مرتبطة باقليم كردستان.
وقد انخفضت الهجمات ضد المسيحيين في الآونة الاخيرة في مناطق كثيرة من العراق، كما انخفضت نسبة اعمال العنف الأخرى. يقول كانون اندرو وايت، القس الانجليكاني في كنيسة القديس جورج في بغداد: "حقيقة ان الاعمال الانتقامية والهجمات ضد المسيحيين قد انتقلت الى الشمال تفرض وضعا صعبا؛ صعبا للغاية، لان هذا المكان بالذات هو الملجأ الذي يهرعون اليه بحثا عن الامان".

Friday, October 10, 2008

الكوليرا تنشتر في العراق نتيجة الفساد

عن: الاندبندنت
ترجمة: علاء غزالة

ادى الانتشار المفاجيء لوباء الكوليرا الى تفجير فضيحة تورط بعض المسؤولين في عدم تعقيم المياه التي يتم تصفيتها في المحطات المحلية بسبب تلقيهم رشى من اجل شراء مادة الكلوراين من ايران والتي انتهت مدة صلاحيتها منذ زمن طويل.
ويقع مركز الوباء في محافظة بابل، جنوب بغداد، في منطقة تعج بالمستنقعات الى الشرق من نهر الفرات وليس بعيدا عن المدينة الاثرية في بابل. اما في بغداد، حيث لا يتوفر الماء الصالح للشرب لنصف سكانها الستة ملايين، يضطر الناس الى استهلاك المياه المعلبة في القناني او الماء المغلي.
وقد قام رئيس الوزراء، نوري المالكي، بتعيين لجنة للتحقيق حول الطريقة التي استخدم فيها الكلورين غير الفعال. كما انه يرفض اطلاق سراح ثلاثة من المسؤولين المحتجزين رغم المطالب التي تقدم بها المجلس الاسلامي الاعلى في العراق، كونهم محسوبين عليه. وفي مدينة المدحتية، جنوب محافظة بابل، وردت التقارير باطلاق سراح احد اعضاء المجلس المحلي متورط في شراء الكلورين، بعد هدد اعضاء مليشيات تابعة الى المجلس الاعلى الشرطة المحلية لغرض تحريره.
وقد اضحت الفضيحة التي اثارها هذا العقد بمثابة قضية اختبار الى نوايا حكومة المالكي للتصدي الى الفساد المستشري في العراق، حيث يرى المسؤولون وظيفتهم مجرد وسيلة للاثراء من خلال الرشوة بشكل اساس. كما انها تعد ايضا اختبارا لقدرته على فرض سيطرته على المجلس الاسلامي الذي بات مهيمنا على المناطق خارج بغداد.
ويعد مرض الكوليرا من الامراض المستوطنة التي يصعب التخلص منها في العراق، وقد تفشى بشكل وباء في العام الماضي في شمال العراق، لكن بشكل اقل جدية بكثير مما تم مشاهدته هذا العام. وقد اصيب حوالي 4700 شخص به في ذلك الحين، معظمهم من محافظة السليمانية.
وفي هذه السنة، أمِلت الحكومة في ايقاف انتشار جديد لهذا المرض من خلال اصلاح محطات الماء والمجاري المتضررة بشكل كبير وتزويد الماء الصالح للشرب بمادة الكلورين. يقول احد المسؤولين في وزراة الصحة، رفض نشر اسمه، ان الوزارة انفقت مبلغ 11 مليون دولار في شراء مادة الكلورين من ايران لاستخدامها في محافظات بابل والديوانية وكربلاء، وتقع جميعها على ضفاف الفرات جنوبي بغداد.
لاحظ المسؤولون في المحافظتين الاخيرتين ان الكلورين كان قديما وان تاريخ استخدامه بحيث يكون ذا فاعلية قد انتهى، فرفضوا استخدامه. لكن في محافظة بابل، تم بالفعل استخدام الكلورين في محطات مياه الشرب في المدحتية والهاشمية والقاسم، جنوبي شرق مدينة الحلة، عاصمة محافظة بابل. وفي الحال تم تأكيد اصابة 222 شخصا بالكوليرا في محافظة بابل، من بين 420 حالة اجمالية، توفي منهم سبعة اشخاص.
تعكس الفضيحة الطريقة التي تعمل بها الحياة السياسية في العراق، حيث تحتكر احزاب السلطة الوظائف والعقود. من المسحتيل ان تجد عملا على أي مستوى في اية وزارة بدون رسالة توصية من احد الاحزاب المشاركة في الحكومة. ان وسائل الحكومة العراقية الهائلة، والتي توظف قرابة مليوني مواطن، هي آلة اسناد لها. يوجد الان عدد اكبر من المسؤولين الحكوميين من عددهم تحت حكم صدام، لكن الحكومة غير قادرة على توفير الكهرباء، ولا مفردات البطاقة التموينية، ولا الماء النظيف، رغم عائدات النفط العراقية المتجمعة التي بلغت 80 مليار دولار.
تعد المحافظات الشيعية جنوبي العراق بين بغداد والبصرة، مركز قوة المجلس الاسلامي الاعلى، اكثر الاحزاب الدينية نفوذا. ويتوقع ان تحمي الاحزاب السياسية اعضاءها من الاعتقال. وهذا ما يوضح ما حدث تاليا. فالمسؤول الذي اعتقل في محافظة بابل ينتمي الى منظمة بدر، الجناح العسكري للمجلس الاعلى. وطالب قادة الحزب الافراج عنه لكن السيد المالكي رفض. فما كان من من اعضاء المليشيات الا توجهوا صوب مركز الشرطة في المدحتية لاطلاق سراح عضو المجلس المحلي المتورط في شراء الكلورين.
لكن عقد الائتلاف الشيعي العظيم، الذي فاز باكثر من نصف مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات كانون الثاني عام 2005، قد انفرط. بينما يحاول السيد المالكي ان يبني حزب الدعوة الذي ينتمي اليه، باستخدام موارد الدولة.
وقد عمق المالكي الخلافات مع المجلس الاسلامي الاعلى الذي فاز بمعظم مجالس المحافظات في جنوب العراق. وهم يتهمونه في محاولة خلق قواعد في المناطق التي كانت خاضعة لهم سابقا عن طريق دفع الاموال الى العشائر التي تنضم الى "مجالس الاسناد" التي ترعاها الدولة، في جنوب العراق. وهو يهدف الى ضمان انتخاب مرشحيه في الانتخابات المحلية والبرلمانية العام القادم. يقول احد كبار المسؤولين العراقيين: "سوف تكون هذه الانتخابات حيوية في تقرير من سيحوز على القوة في العراق في المستقبل".
تعطي السيطرة على العائدات النفطية بطاقة مهمة للسيد المالكي. فنسبة البطالة تبلغ بين 50-60 بالمائة في العراق، حيث تكون معظم الوظائف مع الدولة. وقد ازدادت رواتب الموظفين بشكل حاد. لكن الحكومة تبقى عاجزة بشكل كبير رغم تنامي قوتها العسكرية. ويتم تشجيع الصحفيين العراقيين او الدفع لهم ليكتبوا تقارير تحمل "اخبارا طيبة". ويلاحظ المواطنون في بغداد انه لا يذكر مرض الكوليرا في وسائل الاعلام الا قليلا. وهذا ما يثير مخاوف من ان الوباء قد يكون اسوأ مما تقر به الحكومة.

الخدمات في العراق بعد الغزو
* كانت بغداد تحصل على 16-24 ساعة في اليوم من الكهرباء قبل الغزو، وقد اخفضت هذه النسبة الان الى اقل من 12 ساعة.
* لم يكن هناك شبكة للهاتف المحمول في العراق، اما الان فيبلغ عدد المشتركين 12 مليون مشترك على الاقل.
* بلغ عدد مشتركي الانترنت عام 2007 حوالي 261,000 مشترك، بينما كان العدد يقدر بـ 4,500 قبل الحرب.
* من بين 34,000 طبيب مسجل قبل الحرب في العراق، هرب 20,000 منهم الى خارج العراق، وقـُتل 2,000 منهم، بينما تعرض 250 طبيبا الى الاختطاف.
* تضاعف عدد السيارات المسجلة ليبلغ 3,1 مليون سيارة بحلول تشرين الاول من عام 2005.

Thursday, October 09, 2008

انقسامات حادة بشأن الأهداف

عن: الهيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة

واشنطن- يتوجب على كل من السيناتور باراك اوباما والسيناتور جون ماكين ان يواجها واحدا من اكثر الاسئلة الحاحا اذا انتخب رئيسا، وهو كيفية استثمار المكاسب الامنية التي تحققت في العراق، في الوقت الذي بدأت الدعوة الى رحيل القوات الامريكية بالخفوت.
لم يتم التطرق الى هذه القضية الا نادرا في المحاورات حول السياسة الخارجية التي اجريت خلال الشهر الماضي. ولكن في المقابلات التي اجرتها جريدة نيويوك تايمز اوضح كلا المرشحين انهما سيواجهان التحدي بطرق شديدة التباين.

وقدم اوباما وماكين وجهات نظر متضاربة في مقابلاتهما حول كيفية تقليص الوجود الاميركي في العراق، وهي افضل الطرق لتشجيع المزيد من التقدم السياسي هناك، وما يعنيه النجاح بعد اكثر من خمس سنوات من الحرب.
كما قدم كل منهما اشارات بينة على مدى المرونة التي سيمنحها القائد العام المقبل الى جنرالاته، بضمنهم الجنرال ديفيد بترايوس، وهو القائد الامريكي الاعلى السابق في العراق، والذي تمت تسميته لقيادة القوات الوسطى التي تشرف على العمليات في منطقة الشرق الاوسط وافغانستان.
وقال اوباما، بعد ان لاحظ بان بترايوس كان راغبا في «اكبر قدر من المرونة» في تحديد جدول الانسحاب، انه «تراجع» عندما اجتمع مع القائد في تموز، وذلك من خلال طرح قضية ارسال المزيد من القوات الى افغانستان، والتي يعتقد المرشح الديمقراطي انها ارض المعركة الرئيسة في الحرب على الارهاب.
اما ماكين، الذي جادل بان النتيجة المُرضية في العراق تعد امرا حيويا بالنسبة الى الاستراتيجة الاميركية في الشرق الاوسط وجهودها الشاملة ضد الارهاب، فقد تطرق عدة مرات الى استراتيجية بترايوس في مقارعة التمرد، وانه سوف يمنحه حرية واسعة في تحديد مستوى القوات في العراق. ويأتي اقتراح اوباما لانسحاب القوات المقاتلة الاميركية خلال 16 شهرا في صلب المناقشة، حيث انه يمثل ضعف الفترة الزمنية التي تنص عليها مسودة الاتفاقية التي توافق عليها العراقيون والاميركيون. فهل سيحث هذا الموعد النهائي العراقيين على تجاوز خلافاتهم السياسية وتمكين الولايات المتحدة من تحقيق الاستقرار في العراق باستخدام قوات تقل كثيرا عن مستواها الحالي، حسب ما يؤكد اوباما؟
او ان ذلك سيقيد ايادي القادة ويقلل من اهمية التقدم السياسي، حيث لاتزال المكاسب الامنية هشة، كما يجادل ماكين؟ كيف يتسنى لماكين ان يدعو الى التقدم السياسي وحكومة افضل في العراق، عندما يصر على ان الظروف على الارض، وليس في التقويم، هي التي ستقرر مسار وسرعة التخفيض؟يقول توبي دودج، وهو متخصص بشؤون العراق في جامعة لندن، ومستشار سابق الى بترايوس: «الخطر في جدول اوباما الصارم انه قد لايسمح للقادة الاميركيين في الاستجابة الى الاحداث على الارض. لكن سياسات ماكين تفتقر الى التفاصيل الضرورية لمواجهة التحديات السياسية في العراق. ان السياسات التي اعدت لارضاء اهواء الحزب لم يتم اخضاعها الى متطلبات الانتخابات الوشيكة، ولا تلائم الوضع السياسي والعسكري المعقد في العراق».
ودامت مقابلة ماكين التي اجريت في17 ايلول في غراند رابيدس، ميتشيغان، مدة 38 دقيقة. اما مقابلة اوباما، في 20 ايلول، فاستمرت 27 دقيقة بسبب انه كان مضطرا للسفر الى نورث كارولينا ضمن حملته الانتخابية. وفي كلتا الحاليتن، كان هذا هو الوقت الذي سمح به كل من المرشحين.
انسحاب القوات الاميركية
ليس هناك مجال للشك بان القوات الاضافية التي ارسلها الرئيس جورج دبليو بوش قد ساعدت في التقليل من العنف الطائفي، بطريق مباشر بواسطة العمليات العسكرية، وبطريق غير مباشر بتشجيع نشر قوات الصحوة، وهي قوات مراقبة الاحياء السكنية التي تغلبت على المتطرفين.
كما اتخذ البرلمان العراقي خطوة مهمة مؤخرا من خلال الدعوة الى انتخابات مجالس المحافظات التي سيتم اجراؤها في نهاية كانون الثاني. هذا ما يعطي الامل في ان الذين قاطعوا الانتخابات في وقت سابق سوف يشاركون، مما يوسع قاعدة الاسناد للحكومة العراقية.
لكن القادة الاميركيون حذروا ايضا من ان الوضع يبقى هشا، وانه في ميادين اخرى حصل تقدم سياسي مشوش او لا تقدم على الاطلاق. بالنسبة الى المرشح الذي سيتم انتخابه، سيكون التحدي في كيفية الاحتفاظ بمكسب انخفاض اعمال العنف وتشجيع الحركة السياسية بعد ان تم فعلا الان سحب جميع القوات الاضافية، وتم تحديد موعد لسحب لواء آخر في شباط.
ويبدو على السطح ان وجهات نظر كلا المرشحين قد تقاربت: كل منهما يرى ان مستوى القوات الاميركية سوف يتقلص خلال فترته الرئاسية الاولى، كما هو الحال بالنسبة للحكومة العراقية. لكن التشابة يتلاشى مع تفحص ادق.
فقد صاغ اوباما مقترحه في تقليل القوات اواخر عام 2006 حينما بدا ان العراق كان على شفير حرب اهلية شاملة. وقد عارض خطة بوش بتعزيز القوات، التي بناها استنادا الى تقرير مجموعة دراسة العراق المؤلفة من الحزبين، وساند تشريعا مقترحا كان من شأنه ان يرحل جميع القوات الاميركية القتالية في نهاية آذار من عام 2008، ويسمح لقوات صغيرة بالبقاء لاغراض التدريب ومواجهة الارهاب ولحماية السفارة الاميركية والعاملين فيها.وفي ذلك الوقت، حذرت وكالات الاستخبارات الامريكية في تقييم للاستخبارات الوطنية ان سحب جميع القوات الاميركية والقوات الحليفة خلال فترة 18 شهراً سوف يقود «بشكل مؤكد في الغالب» الى زيادة ملحوظة في القتال الطائفي، ومقترحا بان الانسحاب المتعجل، وان كان جزئيا، كما كان يدعو اليه اوباما، سوف يؤدي الى زيادة اعمال العنف بشكل كبير.
ومنذ ذلك الحين فان المكاسب التي حققتها زيادة القوات، وتأكيد رئيس الوزراء نوري المالكي على نيل السيادة الكاملة، قد حولت القضية من السؤال فيما اذا حان وقت تقليص عدد الالوية الى السؤال عن السرعة والظروف التي يجب ان يتم بها الانسحاب.
وقال اوباما انه سوف يسحب القوات بمعدل لواء او اثنين كل شهر خلال فترة 16 شهراً. وجادل اوباما في المقابلة بانه من المهم ان يتم اتخاذ اجراءات جديدة للضغط على العراقيين من اجل تجاوز خلافاتهم، وتمكين المزيد من الامريكيين من القتال في افغانستان ومناطق النزاع الاخرى المحتملة، وتقليل المصاريف الحربية لكي يمكن تحويلها لتمويل البرامج في الوطن.
وقال اوباما: «اذا كانت خطواتنا وشروطنا التي نضعها معتمدة على افعال يجب ان يتخذها العراقيون، وهم لا يتخذونها، فاننا لسنا في موضع السيطرة على ظروفنا نحن ولا على نشر قواتنا. يجب ان نكسر هذا الرابط في نقطة ما. يجب علينا ان نقول للعراقيين: سوف نضع مجموعة من القرارات وعليكم الاستجابة لها».
على الرغم من الحديث الذي يدور بان خطة اوباما توازي مسودة الاتفاقية العراقية – الاميركية فان هناك قرارت مهمة. تشير مسودة الاتفاقية الى «هدف زمني» لانسحاب القوات الاميركية بنهاية 2011، وهو ما يزيد على ضعف الفترة الزمنية التي تحددها خطة اوباما بـ 16 شهرا. كما ان وجهة نظر المفاوضين الاميركيين، في اقل تقدير، حول مفهوم «الهدف الزمني» هي اكثر مرونة من تحديد وقت نهائي صارم.
في السنوات الماضية، قامت القوات الاميركية عموما بزيادة قواتها في الاوقات التي اجرى فيها العراقيون انتخاباتهم الرئيسة، كما ان القادة الاميركيين، على العموم، قلقون من تخفيض كبير للقوات قبل اجراء انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات البرلمانية التي ستجرى خلال العام القادم.
وفي سعيه الى الاحتفاظ بالمرونة قال اوباما انه سوف «يحتفظ بالحق في ايقاف الانسحاب مؤقتا» اذا ادى ذلك الى زيادة كبرى العنف الطائفي. كما اعاد التأكيد على انه يخطط للاحتفاظ بقوات عسكرية مقيمة لملاحقة تنظيم القاعدة في بلاد النهرين، وحماية المؤسسات الاميركية وموظفيها، ولتدريب القوات العراقية، اذا نأت بنفسها عن الطائفية. واضاف اوباما بان هذه القوات المتبقية ربما تحتوي على قوات العمليات الخاصة، وفريق من المستشارين العسكريين، وطائرات مقاتلة، وسمتيات هجومية واخرى طبية، وربما بعض القوات المصغرة لحماية المستشارين.
غير انه رفض تقدير حجم هذه القوات، قائلا انه سيقرر ذلك بعد استشارة القادة الميدانيين. ولكن ريتشارد دانزغ، وهو وزير البحرية في ادارة كلينتون، والذي يعتقد انه سيتولى منصب وزير الدفاع اذا اصبح اوباما رئيسا، قال في مقابلة مع الاذاعة الوطنية الشعبية اجريت في حزيران ان عدد القوات سيكون بين 30،000 و55،000 عسكري اميركي.
واضاف اوباما: «اذا كان لديك بعض القوات الخاصة في المنطقة، فانهم سوف يقاتلون، ويزيلون كل معسكرات الارهابيين المحتملة. واذا كان لدينا مدربون في الميدان يقومون بتدريب القوات الامنية العراقية، فاني ارغب في التأكد من انهم محميون، وجزء من ذلك يعني انه عندما تكون في منطقة خطيرة فان لديك بعض القدرات القتالية».
ان قدرة الجيش العراقي على تولي المسؤولية بالسرعة التي يفترضها اوباما هي ابعد ما تكون عن الوضوح. كتب اوباما في مقال رأي نشر في صحيفة نيويوك تايمز قائلا ان الجنرال جيمس دوبيك، والذي اشرف على تدريب القوات العراقية، اخبر الكونغرس في جلسة استماع ان الجيش والشرطة العراقيين سيكونان مهيأين لتولي المسؤولية الامنية في عام 2009.
لكن دوبيك قال في رسالة الكترونية بعثها الشهر الماضي ان ذلك يمثل اكثر توقعاته تفاؤلا. وقال: «ان افضل ما اتوقعه هو وقت ما بين 2009 و2012. وحتى في عام 2012 فانهم ربما سيحتاجون الى المساعدة في قواتهم الجوية، على سبيل المثال، او في مجال الاستخبارات وقواتهم الخاصة».
اما ماكين فقد جادل بان التخفيض تقرره الظروف السياسية والعسكرية، وهو الموقف الذي تبناه الادميرال مايك مولن، وهو رئيس هيئة اركان القوات المشتركة، الذي اخبر الصحفيين في حزيران انه يفضل «مقاربة تستند الى الظروف» من شأنها ان تسمح للولايات المتحدة بتقويم الاحداث على الارض بشكل مستمر وتعديل خططها بناء على ذلك.
لكن اعطاء القائد الاميركي في العراق اكبر مرونة ممكنة، على كل حال، قد يستوجب بعض المقايضات الصعبة. قال القائد الاميركي في افغانستان، الجنرال ديفيد ماكيمان، مؤخرا انه بحاجة الى ثلاثة الوية إضافة الى اللواء الذي وافق بوش على ارساله. وهذا يزيد على ما وعد كل من ماكين واوباما بنشره في افغانستان، وان الجيش الاميركي انتشر حتى اصبح هزيلا، كما يقول البنتاغون، بحيث لم يعد بالامكان توفير الوية اضافة الى افغانستان الا بعد تخفيض القوات في العراق.
على ان التطورات السياسية قد تحدد من المرونة التي يتمتع بها الجيش الاميركي. فقد اجاب ماكين احد السائلين في اجتماع عقد في الولاية التي يمثلها، نيوهامبشاير، انه ليس من المهم بقاء القوات الاميركية لخمسين او مئة عام في العراق اذا كان البلد مستقرا ولا يعاني الاميركيون فيه من الاصابات، عاقدا مقارنة مع اليابان وكوريا الجنوبية، وهما مجتمعان يبدوان بعيدين كل البعد عن منطقة الشرق الاوسط المضطربة.
وبعد ان اتهم الديمقراطيون ماكين بانه يدعو الى التزام مفتوح للقوات الاميركية، قال ماكين في خطبة القاها في آيار ان نجاح استراتيجيته سوف تمكن معظم القوات الاميركية من العودة الى الوطن من العراق بحلول كانون الثاني 2013.
يقتضي «الهدف الزمني» في مسودة الاتفاقية بين العراق والولايات المتحدة، على كل حال، ان تغادر القوات الاميركية قبل ذلك الوقت بنحو عام. لذلك من الصعب التنبؤ بكيفية شعور العراقيين بالحاجة الى وجود اميركي في غضون بضعة اعوام من الان. كما يتوقع الخبراء الاميركيون، في اقل تقدير، ان تدريب القوات العراقية سوف يستمر الى ما بعد 2011 تحت بنود الاتفاقية.
وحينما طلب من ماكين ان يوضح وجهة نظره في المقابلة قال انه يرى «ان انسحاب القوات الاميركية سوف يتم مع الوقت».
وقال ان السؤال فيما اذا كان الوجود الاميركي العسكري طويل الاجل في العراق لغرض التدريب او لاغراض اخرى تجب الاجابة عليه من خلال النقاش مع العراقيين، وضرب الكويت كمثال يحتذى. قال ماكين: «لدينا قاعدة عسكرية هناك وجوده عسكري. لذلك اعتقد ان قرار وجود قوات اميركية عسكرية يجب ان يتخذ على اساس امة مستقلة مقابل امة مستقلة».
حث العراقيين
السؤال الحيوي المتعلق بهذا الامر هو كيف يأمل المرشحون في تشجيع العراقيين على احراز تقدم في المصالحة الوطنية. فعلى فترة طويلة من ولاية ادارة بوش، اكد كل من دونالد رامسفلد وزير الدفاع السابق، والجنرال جورج كيسي القائد الاعلى السابق للقوات في العراق، على تسليم المهام الامنية الى القوات العراقية وتخفيض الوجود العسكري الاميركي كطريقة لحث العراقيين على تحمل المسؤوليات المضافة. لكن النتيجة كانت العنف الطائفي، وليس التقدم السياسي.
وحينما سأل اوباما فيما اذا كان يستطيع ان يعطي مثلا يوضح ان انسحاب القوات الاميركية قد حث العراقيين على حل اختلافاتهم، اجاب ان زيادة القوات لم تؤدِّ هي الاخرى الى تقدم سياسي مناسب.وقال: «ليس من الواضح فيما اذا كان الموجود الاميركي المستمر والمفتوح قد ادى الى تغيير سياسي في العراق. الحقيقة اننا مازلنا لا نمتلك قانونا للنفط. ليس لدينا انتخابات محلية. لم نتعامل مع قضية كركوك. ان ردنا على من يجادل باننا يجب ان نبقى هو اننا لم نقم بتحقيق تقدم سياسي ملائم».بيد انه لم يمض طويل على تصريحات اوباما حتى اقرّ البرلمان العراقي قانون انتخابات مجالس المحافظات. لكن يبقى على الحكومة ان تتعامل مع النزاع حول كركوك، وهي المدينة الغنية بالنفط التي يتنازع عليها كل من الاكراد والعرب والتركمان.إضافة الى فكرته في استخدام سحب القوات لتشجيع التغيير، فقد قال اوباما انه سوف ينهي جهود تدريب القوات العراقية اذا لم تقم حكومة المالكي باتخاذ خطوات مناسبة لضم اعضاء مجالس الصحوة الواسعة الانتشار ضمن القوات الامنية العراقية.وعلى النقيض من ذلك، جادل ماكين بان تحسن الوضع الامني قد ادى في النهاية الى اعطاء العراقيين الثقة في التقدم للامام من الناحيتين السياسية والاقتصادية، وتحسين علاقات العمل مع الجيش الاميركي والسفير الاميركي في بغداد رايان كروكر. كما انه جادل بان التهديد بتقطع جهود التدريب الاميركية او تحديد موعد نهائي لانسحاب القوات القتالية لن يؤدي الا الى ان يصبح العراقيون اكثر اعتمادا على دعم الايرانيين او التحول الى الميليشيات لتحقيق الامن.
واضاف ماكين: «لمدة طويلة قال بعض الناس هددوهم بهذا الشيء او هددوهم بذلك الشيء. بدلا من ذلك فقد اسس بترايوس وكروكر علاقة مع الحكومة العراقية، حتى انهم قاموا بتشريع قانون جديد لاجتثاث البعث، وقانون العفو العام، كما اقروا الميزانية. لم تقم حكومة الولايات المتحدة باقرار ميزانيتها».
ليست التحديات في العراق قليلة باي حال. ومن ضمنها مدى عدالة تطبيق العراقيين للخطة التي تقضي بالسماح لمزيد من البعثيين السابقين في العودة الى الوظائف الحكومية. ومن بين التحديات اقرار قانون توزيع العائدات النفطية والذي من شأنه ان يضمن بان الانتخابات القادمة سوف تكون حيادية. اشتكى اوباما ايضا من ان ماكين «لم يعرّف ابدا بوضوح» معنى تحقيق النصر في العراق.
وعندما طـُلب من ماكين توضيح خطته، لم يستطع ان يقدم اقتراحات محددة بخصوص الكيفية التي سيقنع فيها المسؤولين العراقيين على تحقيق تقدم في هذه القضايا الشائكة، بما يتجاوز المحادثات الودية التي يقوم باجرائها فعلا المسؤولون الامريكيون من وراء الكواليس في بغداد.
قال ماكين: «سوف استمر في محاولة ايجاد طرق لجعلهم يتقدمون. لكن التهديد بالانسحاب، بصراحة، هو خيار سوف اتردد كثيرا في استخدامه، الا اذا كنت على ثقة باننا لا نملك خيارا آخر، واعتقد اننا لدينا الكثير من الخيارات. انا اتوقع بان الحكومة العراقية في هيئتها الجامدة والمترددة، التي تحبطنا في مناسبات عديدة، سوف تمضي قدما وتتقدم».
الرهان في العراق
يتمحور الخلاف بين اوباما وماكين، باكبر تبسيط ممكن، بشأن اهمية المهمة الاميركية في العراق. بالنسبة الى اوباما، كان غزو العراق خطأ وان جهوده ستنصب هنا اساسا على انهاء الضرر. وعن طريق تحديد سلسلة من الاهداف الصغرى، فان اوباما يهدف الى تقليل القوات الاميركية.
قال اوباما، في سعيه لهذه النتيجة، ان غرضه سوف يكون عراقاً يتمتع بالسيادة، ولا يشكل تهديدا للولايات المتحدة او جيرانه، وقادراً على السيطرة على حدوده، وليس «معسكرا» للارهابيين ولا يعاني «العنف المستشري». واضاف انه من المهم ان «يتم التعبير عن رغبة الشعب العراقي» من خلال «آليات الديمقراطية التي قد لا تكون كاملة».
وقال: «يجب علي ان أفكر بالحقيقة التي تقول ان نشر مستوى قواتنا العسكرية الحالي قد ادى الى هزال القوات، بحيث اذا حدث امر طاريء، لنقـُل كوريا الشمالية في هذا الوقت، فسوف تكون لدينا بعض الهموم. كما اننا لم نبدأ بالحديث عن الاموال المصروفة في الوقت الذي تعلن الادارة انهم يرغبون في توفير 700 مليار دولار لدعم المصارف. هذه هي العدسة التي ارى من خلالها الوضع في العراق».بالنسبة الى ماكين، فان المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق قد نشأت مما رآه الاخطاء الكثيرة التي ارتكبت في سنوات الاحتلال الاولى، تلك الاخطاء التي يؤكد انه تم معالجتها بشكل كبير عن طريق ارسال القوات الاضافية وتطبيق استراتيجية جديدة في قتال المتمردين.على الرغم من ان مقاتلي القاعدة الذين خططوا لاحداث 11 ايلول لم ينفذوا هجومهم من العراق، الا ان ماكين يجادل بان مسلحي القاعدة، المتعاونين مع السنة العراقيين، قد اكتسبوا موضع قدم في خضم الفوضى التي اعقبت الاطاحة بصدام.
قال ماكين: «انا اتفق مع كل من الجنرال بترايوس واسامة بن لادن، اللذين قالا ان العراق كان ارض المعركة المركزية في هذا النزاع. وانا اعتقد ايضا ان افغانستان سوف تبقى في حالة تنازع لفترة اطول من بعض النواحي. لكن الامر الاكثر اهمية هو اننا اذا فشلنا في العراق، فانه ستكون هناك عواقب غير حميدة في عموم المنطقة».

Saturday, September 27, 2008

بعد غياب دام 36 عاما شركة شيل تفتح مكتبا لها في بغداد

عن: نيويورك تايمز
ترجمة: علاء غزالة

ابرمت شركة شيل الملكية الهولندية، احدى كبريات شركات النفط العالمية، صفقة للغاز الطبيعي تقدر بعدة مليارات من الدولارات مع الحكومة العراقية. وقالت الشركة انها قد افتتحت مكتبا لها في بغداد، وبذلك تكون اول شركة نفط اجنبية عملاقة تقدم على مثل هذه الخطوة منذ ان قام العراق بتأميم صناعته النفطية قبل ما يزيد على ثلاثة عقود.
وقد وصفت الشركة قرارها بافتتاحها المكتب في بغداد على انه علامة فارقة تظهر جزئيا التحسن الكبير في استقرار العراق مقارنة مع الظروف التي مر بها البلد خلال اسوأ سنوات الحرب.

لكن الشركة رفضت الافصاح عن موقع المكتب، مما يعد تذكيرا صريحا بمدى الاخطار المحدقة بالاعمال هنا. كما احاطت كتيبة من الحراس المدججين بالسلاح المسؤولة رفيعة المستوى في شركة شيل حينما اعلنت عن صفقة الغاز.
وقد صرحت ليندا كوك، وهي المديرة التنفيذية لقسم الغاز ووحدات الطاقة في الشركة، في مؤتمر صحفي عقد في المنطقة الخضراء المحمية جيدا ببغداد، بالقول: «نحن على استعداد للبدء بالتواجد».
وقد ظهرت السيدة كوك، وهي المشرفة على توقيع صفقة الغاز مع الحكومة العراقية، بصحبة وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني.
ويعد المشروع المشترك باستثمار الغاز، الذي يهدر الان في اثناء عملية استخلاص النفط في البصرة، بمثابة عودة الشركة رسميا الى العراق بعد 36 عاما. وكانت شركة شيل اضافة الى اسلاف الشركات الكبرى مثل بي بي، واكسون موبيل، وتوتال، من بين الشركاء الاصليين في شركة نفط العراق قبل ان تفقد الشركات تراخيصها بعد قرار التأميم الذي تزامن مع صعود صدام حسين الى مركز السلطة في سبعينيات القرن الماضي.
وصرح السيد الشهرستاني بان القسم الاكبر من الغاز المستثمر سوف يذهب الى محطات توليد الكهرباء والمواقع الصناعية مثل معمل البتروكيمياويات ومعامل الاسمدة.
وكان توقيع الصفقة متوقعا. فقد كانت شركة شيل من بين ما يزيد على 30 شركة اجنبية تنافست للحصول على عقد طويل الامد لاستثمار ست من الحقول النفطية المهمة. وسوف يتم الاعلان عن الفائزين في عام 2009. واشترطت الحكومة العراقية على اية شركة ان تكون راغبة في تأسيس مكتب لها في بغداد اذا حصلت على عقد استثمار.
كما ان شركة شيل قد اشتركت مع مجموعة اصغر من الشركات الغربية في التفاوض للحصول على عقد مباشر (من دون طرح عطاءات سرية) لمساعدة العراق على زيادة انتاجه من الحقول النفطية الموجودة حاليا، لكن تم تعليق العملية في وقت سابق من الشهر الحالي بعد انتقادات وجهها بعض اعضاء مجلس الشيوخ الاميركي.
هذا واشاد السيد الشهرستاني بمشروع الغاز المشترك، الذي يمنح الحكومة العراقية نسبة 51% من شركة نفط الجنوب مقابل 49% لشركة شيل، على انه خطوة في طريق حل المشكلة المزمنة والكسيحة المتمثلة بالنقص الحاد في انتاج الطاقة الكهربائية.
وقد اضحت مشكلة الكهرباء، اضافة الى تأثيراتها الاقتصادية، مشحونة جدا سياسيا وقضية ذات شجون بالنسبة للعراقيين.
يذكر ان الصفقة مع شركة شيل جاءت في اعقاب اتفاقية بقيمة ثلاثة مليارات دولار مع الصين لتطوير حقل الاحدب في الجنوب، والتي تم توقيعها الشهر الماضي.

كواليس نقاشات إرسال قوات إضافية الى العراق

عن: الهيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة

واشنطن – بينما تقترب فترة الرئيس جورج دبليو بوش من نهايتها، وبينما يركز الحزب الجمهوري على خليفته وتأثير ميراث بوش على مستقبل الحزب، يستعد الرئيس وحلفاؤه لتسويق زيادة القوات الاميركية في العراق على انها من بين اكثر منجزاته فخرا. لكن هذا القرار، الذي كان من بين اكثر القرارات التي اتخذها كقائد عام عاقبة، لم يتم اتخاذه الا بعد اشهر من المداولات الحادة ضمن الادارة، استنادا الى مذكرات لازالت سرية، ومقابلات مع طيف واسع من المسؤولين الحاليين والسابقين. حينما كان الوضع في العراق يبدو باسوأ حالاته في كانون الثاني 2007، اتخذ بوش خيارا صعبا، توافق مع ما نصح به بدأ الكثير من مستشاريه المدنيين والعسكريين، بضمنهم القادة الميدانيون. وقد ساعد قرار بوش ارسال 20,000 عسكري اضافي الى العراق لتنفيذ استراتيجية جديدة، ساعد في ايقاف موجة القتل الطائفي. لكن رغبة بوش في ان يرجع الى قادته الميدانيين ووزير دفاعه القوي قد تأخرت عن تحقيق اي تقدم في هذا المسار حتى اصبحت الظروف في العراق في حالة من الفوضى وتمثل «حرب اهلية»، على حد تعبير احد محللي وكالة الاستخبارات الامريكية الذي بالخدمة في تشرين الثاني 2006.
حينما بدأ البيت الابيض يراجع استراتيجته في العراق ذلك الشهر، كان البنتاغون يفضل بذل جهدا حثيثا لنقل المسؤولية الى القوات العراقية مما سيساعد في تقليل عدد القوات. اما وزارة الخارجية فقد دعت الى خطة بديلة تقوم بالتركيز على قتال المسلحين الارهابيين المنتمين الى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ، واحتواء العنف في بغداد، وعدم التدخل في العنف الطائفي الا اذا وصل الى مستوى «القتل الجماعي». وقد جادل السفير الامريكي في بغداد بانه يجب ان يحصل على المزيد من الصلاحيات لمناقشة المواجهات السياسية بين العراقيين.
وقد كتب السفير زلماي خليلزاد في تقرير سري قائلا: «لن ينتج عن مقترح ارسال المزيد من القوات الاميريكية الى العراق حلا طويل الامد، وسوف يجعل سياستنا ليست اكثر استقرارا، بل اقل». وفي تشرين الاول 2006 بذل اعضاء في مجلس الامن القومي جهدا لاستطلاع احتمالية زيادة القوات، وكتبوا تقريرا طرح المبدأ الذي يقول بان الولايات المتحدة قد «تضاعف الرهان» في العراق بان ترسل المزيد من القوات الى هناك. وقال رئيس هيئة الاركان المشتركة وبعض اعضاء قيادته ان الجيش كان منتشرا بشكل واسع بحيث لا يمكن ارسال المزيد من القوات. وقد طلب من احد اعضاء القيادة، وهو العقيد البحري المتقاعد وليم لوتي، تقويم فيما اذا كانت هناك قوات متوفرة. فأجاب لوتي بانه يمكن ارسال ما يعادل خمسة الوية من القوات القتالية الاضافية، كما انه اوصى بفعل ذلك.
واكتسبت الفكرة المزيد من التأييد بين بعض المسؤولين كنتيجة للدراسة المفصلة التي نشرتها مؤسسة انتربرايز الاميركية لمعدّيها جاك كين، النائب السابق لرئيس اركان الجيش، وفريدريك كاغان، المختص العسكري في نفس المؤسسة البحثية المحافظة.
انقسم العسكريون بشأن الخطة آخر الامر. حتى بعد ان اتخذ الرئيس قراره في ارسال المزيد من القوات الى العراق، لم يطمح الجنرال جورج كيسي وهو القائد العسكري الاعلى في العراق في الحصول على اكثر من لواءين، أي نحو 8,000 عسكري. لكن تم تغيير خطة كيسي بشكل كبير من قبل الجنرال رايموند اويدمو، وهو القائد الثاني في سلسلة القيادة بالعراق، ومن الجنرال ديفيد بترايوس، والذي يقول احد مسؤولي الادارة ان البيت الابيض كان قد عرف وجهات نظره قبل ان يتم اختياره لخلافة كيسي. وقد وافق مسؤولون حاليون وسابقون في الادراة والجيش على كشف تفاصيل جديدة بشأن زيادة القوات استجابة للطلبات المتكررة. وقد طلب اغلبهم عدم كشف اسمائهم لان الوثائق لاتزال سرية، لكنهم قالوا انهم يعتقدون ان سجل التاريخ يجب ان يظهر الامور مثار الاهتمام في حينها. في آب 2006، عقد الرئيس بوش اجتماعا عبر دائرة مغلقة مع اعلى قادته العسكريين شأنا، واقدم مستشاريه.
كانت استراتيجية كيسي تقوم على نقل المسؤولية الامنية الى القوات العراقية تدريجيا وخفض عديد القوات الامريكية مع كل تقدم حاصل. وقد اخبر مسؤولي واشنطن في حزيران 2006 انه يأمل في خفض القوات القتالية الاميركية الى خمسة او ستة الوية بنهاية عام 2007 انخفاضا من 14 لواءا كانت منتشرة في ذلك الوقت.
وبحلول آب، دفع العنف الطائفي كيسي الى زيادة قواته بشكل طفيف. في اجتماع دائرة مغلقة قال كيسي ان لديه قوات كافية، لكنه لم يكن متأكدا من قدرة العراقيين على مواجهة الميلشيات المسلحة المتحصنة في المناطق السكنية. وقد اوضح بوش ان بالامكان ارسال المزيد من القوات اذا دعت الحاجة. وقال بوش مخاطبا كيسي، استنادا الى ملاحظة كتبها احد المشاركين في الاجتماع: «يجب ان ننجح. سوف نلتزم بتوفير الموارد، اذا لم يكن باستطاعتهم، سوف نفعل ذلك نحن. اذا انحرفت الدراجة الهوائية عن مسارها، فسوف نضع ايدينا عليها مجددا». في آذار 2006 دعى فيليب زليكو، المساعد الاقدم لوزيرة الخارجية كونداليزا رايس، لبذل «جهود جبارة من اجل تحسين الوضع الامني في بغداد والمناطق المحيطة بها، ومحاسبة المليشيات الاكثر عنفا». ووضع في حزيران مسودة خطة مع جيمس جيفري، الذي يشغل حاليا منصب نائب مستشار الامن القومي في ادراة بوش، التي اوصت بـ»مواجهة التمرد اختياريا»، وايضا ارسال المزيد من القوات الاميركية. وبغياب سياسة مراجعة رئيسة، بدأ اعضاء المجلس الامني بوضع تحليلاتهم ونقدهم كلاً على حدة للستراتيجية القائمة. وبحلول تشرين الاول، تعاون المساعدون، وهم ميغان اوساليفان وبيرت ماكغورك وبيرت فيفر، في اصدار التقرير الذي اقترح مبدأ زيادة القوات. وقام نائب مستشار الامن القومي جي دي كروتش باستدعاء لوتي.
بعد ان اتصل لوتي بقيادات الجيش، قدم تقريرا سريا في تشرين الثاني يطالب بزيادة ملموسة في القوات، وقد عرّف ذلك فيما بعد بارسال 20,000 مقاتل اضافي (وهو ما يعادل خمسة الوية) الى بغداد والمناطق الساخنة الاخرى. ثم قام ستيفن هادلي، مستشار الامن القومي في ادارة بوش، باعطاء نسخة الى الجنرال بيتر بيس، وهو رئيس رئيس اركان قيادة القوات المشتركة، وطلب منه تقويم التقرير.
وفي نفس الشهر، وبعد مرور ثلاثة ايام على الانتخابات النصفية للكونغرس، اتم البيت الابيض اخيرا المراجعة الحكومية الرسمية الموسعة. وقد تعرض الجمهوريون الى الهزيمة في الاقتراع، بينما كان فريق دراسة العراق، المؤلف من لي هاملتون، وهو نائب ديمقراطي سابق، وجيمس بيكر، وزير الخارجية في عهد جورج بوش الاب، يستعدان لتقديم توصياتهما بزيادة القوات لتدريب العراقيين، وسحب جميع القوات الاميركية المقاتلة –نظريا– بحلول ربيع 2008. في اجتماع عـُقد في البيت الابيض في 22 تشرين الثاني، اوضح كبار المساعدين «الاجماع المتزايد» بان النتائج الناجحة في الحرب في العراق تعد امرا حيويا بالنسبة الى «الحرب على الارهاب» التي تشنها ادارة بوش، وقدموا تقويما صريحا للصعوبات.
وقدمت كل وكالة موقفها في تقارير سرية. واطرى المسؤولون المدنيون في البنتاغون على استراتيجية كيسي التي تقوم على نقل المسؤوليات كاولوية اولى. وحث قادة القوات المشتركة على «تسريع وضع العراقيين في خضم قيادة العمليات العسكرية»، حتى انهم اقترحوا وضع لواء اميركي مع كل فرقة عراقية كأحد الاجراءات.
واوصت رايس مساعديها الاقدمين بالتركيز على المسائل «الجوهرية» مثل مقاتلة الارهاب ومواجهة الاعتداءات الايرانية. اما في اطراف العاصمة، فلن يكون على القوات ان تتدخل في القتال الطائفي في بغداد الا اذا حدثت «مجازر جماعية او تهجير جماعي».
وعلى الجبهة السياسية، لن تؤكد الولايات المتحدة على المصالحة بين القادة العراقيين في المنطقة الخضراء، ولكن تركز على المستوى المحلي، وتضاعف عدد الفرق المدنية التي تساعد العراقيين في بناء وتحسين حكومتهم.
وقد حث جون حنا، مساعد اقدم لدى نائب الرئيس ديك تشيني، على تقوية العلاقات مع الاغلبية العراقية، الذين شعر الكثير منهم بالالم من الهجمات الاميركية ضد المليشيات ، بينما كان المعتدون الاصليون في القتال الطائفي هم من المسلحين. وفي الثلاثين من تشرين الثاني، التقى بوش مع رئيس الوزراء العراقي نوري كامل المالكي، الذي قدم مشروعه الخاص، والذي لم يعتبره الاميركيين مجديا الا قليلا. هذا المشروع يقضي بان تنسحب قوات الولايات المتحدة الى اطراف بغداد لمقاتلة المسلحين ، بينما تتولى القوات العراقية السيطرة على العاصمة. وفي أي من الاجتماعات التي عقدت في كانون الاول بحضور كبار المسؤولين، حث تشيني على ارسال المزيد من القوات لمواجهة العنف الطائفي في بغداد، بينما تعيد رايس طرح حجتها بان ليس لدى الجيش سوى القليل ليفعله، استنادا الى ملاحظات دونها احد المشاركين.
وقد وقع بوش قراره في المضي قدما بنوع من زيادة القوات حينما اجتمع مجلس الامن القومي يومي الثامن والتاسع من كانون الاول. لكن لم يتم الاتفاق بشأن حجم القوات التي سيتم نشرها ولا كيفية توظيفها واستخدامها.
وحتى هذا التاريخ، كان هناك اختلاف بين العسكريين انفسهم. فقد رقي اوديمو في بداية كانون الاول ليصبح الشخصية العسكرية الثانية في سلسلة القيادة في العراق. وقد اعد مراجعة طالب فيها بخمسة الوية اضافية في بغداد وما حولها وكتيبتين اخريين في محافظة الانبار لتقوية العمل مع القبائل في المحافظة.
ولكن اوديمو، بحكم كونه تحت امرة كيسي، لم يكن يملك دورا في مراجعات مجلس الامن القومي. بيد ان وجهات نظره كانت معروفة لـ(كيني)، الجنرال المتقاعد باربعة نجوم الذي ساعد في الاشراف على الدراسة لمصلحة مؤسسة انتربرايز الاميركية، التي دعت الى اضافة خمسة الوية عسكرية وكتيبتين من المارينز. وطرح كيني اقتراحات اوديمو في اجتماع مع بوش وتشيني في الحادي عشر من كانون الاول، كما ارسلت الى (بيس) ايضا.
وقد وصف كيني، بالتوافق مع كاغان، بالتفصيل الى تشيني وموظفيه خطته لنشر قوات اميركية في الاحياء المختلطة من السنة والشيعة من اجل حماية المدنيين العراقيين من دون انحياز.
وقد ادت استقالة رامسفيلد من منصبه في السادس من تشرين الثاني، وتعيين بديله روبرت غيتس في منتصف كانون الاول، الى ازالة المقاومة المؤسساتية لـ»زيادة القوات». بينما اصبحت رايس هي الاخرى اكثر تأييدا.
واستقل غيتس طائرة الى بغداد في اواخر كانون الاول للتشاور مع كيسي والمالكي. وعلى متن الطائرة، اعطى ايرك ايدلمان، المساعد السياسي لوزير الدفاع، غيتس دراسة مؤسسة انتربرايز.
وفي اثناء الاجتماع الذي عقد ببغداد، اصر كيسي على فكرة انه كان بحاجة الى لواءين اضافيين لبضعة شهور فقط. وفي طريق العودة الى الوطن تساءل حنا، مساعد تشيني، فيما اذا كان ارسال لوائين لن يؤدي الا للفشل، وفيما اذا كان على البنتاغون ان يقترح المزيد. وقال غيتس انه كان من الصعب اقناع المالكي بقبول المزيد.
ثم قام وزير الدفاع بتقديم تقريره الى بوش متضمنا رغبة القائد في ارسال قوات اضافية لاتزيد على 8,000 عسكري.
تم ترتيب اجتماع مجلس الامن القومي في مزرعة بوش في تكساس. وقد خشي كيني ان يقوم بيس بطلب لواءين فقط، فقام بالاتصال بحنا وقال له ان على احد ما ان يؤكد التساؤل فيما اذا كان نشر قوات صغيرة سيكون مؤثرا. وتم في ذلك الاجتماع التأكيد ان هناك حاجة الى ارسال المزيد من القوات الى محافظة الانبار وغيرها، ولكنه شدد على خطة ارسال خمس الوية الى بغداد. كانت وجهة نظر بترايوس مؤثرة ايضا. فقد تم اختياره لخلافة كيسي واراد ان يحصل على اكبر عدد ممكن من القوات ليتسنى له ان يعطي اولوية لحماية المدنيين العراقيين. وبينما كان البيت الابيض يعمل على خطاب بوش في العاشر من كانون الاول الذي يعلن زيادة القوات، تحدثت احدى المسودات عن ارسال «ما لا يزيد عن خمسة» الوية قتالية. وطرح المساعدون في مجلس الامن القومي القضية على بوش، ما حدا به الى ان يعلن التزاما جليا. قال بوش في خطابه المتلفز: «لقد التزمت بارسال اكثر من 20,000 من القوات الاضافية الى العراق. سيتم نشر الاغلبية الساحقة منها، وهي خمسة الوية، في بغداد».

Wednesday, September 24, 2008

تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية: ايران طورت برنامجها النووي

عن: الهيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة

باريس: اعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان ايران قد حسنت بشكل كبير من اداء اجهزة الطرد المركزي التي تنتج اليورانيوم المخصب، ما يشير بان هذا البلد قد تغلب على التحديات الفنية التي عرقلت برنامجها لتخصيب اليورانيوم.واتهم تقرير يقع في ست صفحات صدر عن هذه الوكالة، اتهم ايران بالاستمرار في التضليل بشأن برنامجها البحثي في الماضي والذي تشك بعض الحكومات الغربية بانه يهدف لتصميم سلاح نووي.واقرت الوكالة بانها قد فشلت في «تحقيق تقدم ملموس» في التحقيق. يقول احد كبار المسؤولين في الوكالة: «يبدو اننا وصلنا الى طريق مسدود. يمكنني ان اصف ذلك باننا نراوح في مكاننا».
ويعد التقرير بمثابة انتكاسة لمبادرة الوكالة التي اطلقت قبل ستة شهور والتي اعطت ايران موعدا نهائيا للاجابة عن الاسئلة بخصوص نشاطاتها النووية في العقدين الماضيين وطلبت من الولايات المتحدة وبلدان اخرى التحلي بالصبر قبل فرض العقوبات الجديدة.
وقالت الوكالة، في خطوة ثورية اخرى، ان خبيرا اجنبيا او مجموعة من الخبراء ربما ساعدوا ايران في اجراء التجارب على الصاعق الذي يستخدم لتفجير السلاح النووي، غير ان التقرير اشار الى «الخبراء الاجانب» دون تحديد اصولهم.
واكد المسؤول في الوكالة ان الحكومات الاجنبية لم تكن متورطة في هذا الامر. كما استثنى اي تورط لليبيا والبقية الباقية لشبكة عبد القدير خان، العالم الباكستاني الذي اسس السوق السوداء الاكبر في العالم لتسويق التقنية النووية.
ويقول مسؤول غربي ان كوريا الشمالية، المتهمة بمساعدة سوريا في بناء مفاعلها النووي، لم تكن هي الاخرى متورطة في برنامج ايران النووي، وقد طلب المسؤولون عدم الافصاح عن هوياتهم حسب القواعد الدبلوماسية.
وكانت ايران قد نفت في الماضي انها قامت بمثل هذه الانشطة، ولكن طلب منها توضيح الامر.
وانتقدت الوكالة ايران ايضا لاستمرارها في توسيع برنامجها لتخصيب اليورانيوم، خلافا لقرارات مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة.
ويضيف التقرير بان ايران تقوم الان بتشغيل 3,800 من وحدات الطرد المركزي، وهي المكائن التي تعمل على تخصيب اليورانيوم، اي بزيادة بضعة مئات عن الاشهر الاربعة الماضية، والاكثر أهمية ان إيران قد زادت من كفاءة وحدات الطرد المركزي من 50%- 80% استنادا الى الحسابات التي وردت ضمن معطيات التقرير، وهذا يعني ان هذه المكائن تقوم بمعالجة المزيد من المواد، كما انها اصبحت قليلة العطب واقرب الى تحقيق كفاءاتها المقررة.
يشير تحليل اعده معهد العلوم والامن الدولي، الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، ان العلامة الفارقة في تقدم عملية التخصيب تكون بتمكن ايران من تجميع الكمية الكافية من اليورانيوم قليل التخصيب حتى يتسنى لها انتاج يورانيوم من العيار الذي يستخدم في الاسلحة النووية بالسرعة الكافية لانتاج السلاح النووي.
وتشير التخمينات التي قامت بها المخابرات الاميركية بان اقرب تاريخ يمكن لايران فيه ان تجمع المواد الكافية لانتاج السلاح النووي هو اواخر عام 2009.
لكن ايران تصر على ان برنامجها النووي معد للاستخدامات السلمية مثل انتاج الطاقة الكهربائية، كما ان التقرير اوضح بجلاء انه لم يتم استخدام اية مواد نووية لاغراض انتاج الاسلحة.
وسوف تقوم كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا باستخدام تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية من اجل دفع مجلس الامن الدولي لاصدار مجموعة جديدة من العقوبات ضد ايران هذا الخريف. غير ان روسيا، التي وقعت صفقات تجارية ضخمة مع ايران كما حسنت من علاقتها الدبلوماسية معها، سوف تقاوم هذه المبادرة على الارجح، وقد ادى توتر العلاقات بين الغرب وروسيا بسبب غزوها لجورجيا، وما يقول المسؤولون بانه فقدان التركز في ادارة بوش خلال الاشهر الاخيرة من توليها مقاليد الامور، قد عرقلت جهود الدول العظمى على صياغة استراتيجة مشتركة تجاه ايران.

Tuesday, September 23, 2008

البرلمان الايراني يؤجل التصويت على قانون أغضب القضاء والناشطات النسوية

عن: الواشنطن بوست
ترجمة: علاء غزالة

أجل البرلمان الايراني الى اجل غير مسمى التصويت على تغييرات مقترحة على القانون المدني في هذا البلد، والتي ادت الى اثارة غضب منظمات حقوق المرأة والقضاء الايراني على السواء. ورغم ان المعترضون اعتادوا على عدم الاتفاق بدلا من ايجاد ارضية لقضية عامة، الا انهم اشتركوا في قلقهم من ان يؤدي القانون الى اشاعة تعدد الزوجات والحط من استقلال النساء ماليا.
وقرر المجلس التشريعي اعادة مشروع القانون الى اللجنة القانونية لمزيد من الدراسة، وهو القرار الذي يقول المحللون انه سيؤدي الى ازالة التغييرات التي وضعتها حكومة محمد احمدي نجاد.
واوضح علي رضا جامشيدي، المتحدث بلسان الهيئة القضائية، انه هيئته غير متفقة مع موقف الحكومة من تعدد الزوجات وفرض ضريبة على "المهر المؤجل". يشار الى ان الكثير من الازواج الايرانين يتفقون لدى اتمام الزواج على يقوم الزوج بتحويل مقدار من الاموال او الاملاك الى الزوجة عند طلبها.
لا تنحصر مهمة القضاء الايراني في الاجراءات القانونية والمحاكمات، بل تتعداها الى اعداد مسودات القوانين بما يتلائم والشريعة الاسلامية. ولم يتعرض جامشيدي بالتفصيل الى اعتراضات الهيئة القضائية على ما اصبح يعرف بقانون دعم العائلة. وقد قال للصحفيين: "لقد عملنا على مشروع القانون هذا لمدة طويلة وينبغي ان نحاول ان نحل هذه القضايا".
وقد حصلت الناشطات النسوية، اللواتي تعرض بعضهن الى السجن والجلد بتهمة تنظيم مظاهرات وحملة جمع تواقيع غير قانونية، حصلت على حليف غير متوقع عندما بدأوا في الاعتراض على مشروع القانون الذي ارسلته الحكومة هذا العام.
تقول الناشطة مينو مرتضي: "لقد فتح الباب من قبل الهيئة القضائية". وكان قد تم الحكم عليها بالسجن ستة اشهر وعشرة جلدات لقيامها بالتظاهر امام المحكمة احتجاجا على اعتقال ناشطات اخريات، لكن العقوبة لم تنفذ.
ويدعو بعض الفرقاء في الهيئة القضائية الى تفسير صارم للشريعة الاسلامية. لكن قائد هذه الهيئة، آية الله محمد هاشمي شهرودي، قد ابتعد عن التفسير الصارم. بل انه اقترح في شهر آب ترك اعدام المحكومين عن طريق الرجم. وتعد ايران البلد الثاني بعد الصين في عدد احكام الاعدام المنفذة، حيث تم تنفيذ 297 حكما بالاعدام في عام 2007 وحده.
وتركز معظم الاحتجاج على ما فسر بانه دعوة الى تعدد الزوجات في النسخة التي اعدتها الحكومة. تقول مرتضي: "لقد وضع مشروع القانون الاصلي موافقة القاضي كشرط اضافي وعائق مفروض على الرجال الراغبين في اتخاذ زوجة ثانية. لكن الحكومة شطبت الحاجة الى موافقة الزوجة الاولى".
ورغم ان ايران بلد اسلامي يبيح تعدد الزوجات، الا انه من غير الشائع ان يتخذ الرجال الايرانيون اكثر من زوجة واحدة في نفس الوقت. وتجادل مرتضي بانه: "بعض الرجال وجدوا طرقا للالتفاف على شرط موافقة الزوجة الاولى في الماضي. لكن اذا تم ازالة هذا الشرط القانوني تماما من القانون، فسيؤدي ذلك بالتأكيد الى زيادة نسبة تعدد الزوجات".
لكن الجدل تصاعد ايضا حول التغييرات التي قامت بها الحكومة في المادة المتعلقة بضرائب مؤجل الصداق. يعطي قانون الطلاق الايراني افضلية للرجال، لذلك فانه ينظر الى المؤخر على انه شبكة حماية مالية في حال قرر الزوج ترك الزواج ولم يكن مجبرا على دفع تعويضات.
تقول مرتضي: "هذه اتفاقية خاصة بين الرجل وزوجته. ليس للحكومة الحق في التدخل في هذا الامر." يقول جامشيدي ان الهيئة القضائية اعترضت على هذا الجزء من مشروع القانون الذي اعيد النظر فيه.
وكان مشروع القانون قد اعد في الاصل من قبل الهيئة القضائية لتبسيط القانون المدني الذي وضع موضع التنفيذ بعد ثورة 1979، التي جاءت برجال الدين الشيعة الى الحكم في ايران وحولتها الى جمهورية اسلامية.
غير ان المنظمات النسوية لم ترحب جميعا باعادة القانون الى الحكومة، مطالبين بمساواة تامة على جميع الجبهات.
تقول الناشطة بارفين اردلان: "ان مجمل مشروع القانون غير صالح على الاطلاق، وليس اجزاءا منه. لايزال هناك تحيز ضد المرأة في هذا القانون. لم ترفض الهيئة القضائية مبدأ تعدد الزوجات، وهو ما يجب ايقافه بالكامل.
لكن مرتضي تقول ان التغيير يمكن ان يحدث بالتدريج، مؤكدة بان: "الناس يستجيبون سلبيا للتحولات المفاجئة".
وقد وجدت بعض النقاط الجيدة في مشروع القانون والتي لم يتم اعادة كتابتها من قبل الحكومة.
فهي تقول: "يذكر مشروع القانون انه يتوجب ان تكون هناك قاضيات في محكمة الاحوال المدنية. بالاضافة الى ذلك، ينبغي ان يكون نصف مستشاري شؤون العوائل من النساء". وحتى الان لم تسمح ايران للنساء بتولي القضاء.
وتضيف مرتضي قائلة: "لقد اوجدت الحكومة الايرانية فرقا من الشرطة النسائية وسائقات الحافلات والطالبات الجامعيات. ولكنهم في نفس الوقت يريدون تحويل النساء الى ربات بيوت وجعلهن يقبلن تعدد الزوجات. هناك الكثير من المفارقة هنا".
على ان حكومة احمدي نجاد لم تعلن التزامها بقرار البرلمان في اجراء المزيد من الدراسة على مشروع القانون.

Saturday, September 20, 2008

الخطر المتزايد من ارتفاع أسعار النفط

عن: الهيرالد تربيون
ترجمة: علاء غزالة

يمثل تضاعف اسعار النفط، من 30 دولاراً للبرميل عام 2001 الى اكثر من 100 دولار للبرميل اليوم، اكبر تحويل للثروة في تاريخ البشرية. يتوقع ان يجني اعضاء منظمة الاوبك الثلاثة عشر لوحدهم ما يزيد على ترليون دولار.
ومن المحتم ان يجلب هذا الامر عواقب سياسية كبرى. وليست اقل المظاهر اهمية لهذا الزلزال السياسي والاقتصادي ان هذا المال سوف يتحصل من الدول الاكثر قوة من قبل الدول الاضعف ، ومع ذلك يقف الضحايا عاجزين كما لو كانت اسعار النفط مجرد حدث طبيعي قررته اقتصاديات السوق التنافسي والذي يكون غير متأثر وغير قادر على التأثر بالقوى السياسية.
لكن اسعار النفط لم تقررها قواعد السوق التنافسية المتعارف عليها. بامكان المنتجين الرئيسيين ان يرفعوا او يخفضوا اسعار النفط عن طريق تخفيض او زيادة انتاجهم. وطالما ان اسعار النفط اليوم تعكس العرض والطلب المستقبلي المتوقع، فان هؤلاء المجهزين المحتكرين قادرون على التلاعب بالسوق وزعزعة استقراره من خلال الادلاء بتصريحات عن نواياهم المستقبلية. سوف يستمر المجهزون المحتكرون في الاستحواذ على سيطرة قوية على السوق حتى تقلل الامم المستهلكة من اعتمادها على النفط بشكل كبير وتطور استراتيجية سياسية لمقارعة التلاعب السياسي باسواق النفط، او استخدام معظم الفائض المتحقق لدى الاوبك لابتزاز القطاع الاقتصادي او الصناعي لكل من الأمم المنتجة على حدة. اذا فشلت مثل هذه الجهود فستؤدي اسعار النفط المرتفعة والمتصاعدة الى عواقب سياسية واقتصادية دائمة:
في الدول الصناعية المتطورة، سوف يؤدي ارتفاع اسعار الطاقة الى خفض مستوى المعيشة، واختلال مستمر في ميزان المدفوعات، كما يقود الى ضغوط تضخمية متزايدة.
غير ان ارتفاع اسعار النفط يؤثر على المستوى المعيشي بشكل اكبر في الدول النامية. حيث ان المحروقات وتكاليف الطعام تمثل الجزء الاكبر من مصاريف البيت الاعتيادي، كما ان تصنيع الطعام لا يتم الا بوجود النفط من خلال التكرير البتروكيمياوي، والذي يستخدم ايضا لانتاج الوقود اللازم لوسائل المواصلات. وهكذا فان اسعار النفط العالية تقود الى عدم الاستقرار السياسي. حتى مع انخفاض اسعار النفط الى نحو 100 دولار للبرميل، فان الدول المصدرة في الشرق الاوسط سوف تحصل على 800 مليار دولار عام 2008.
ان معظم هذه العائدات تذهب الى ايدي بلدان ذات تعداد سكاني قليل. على سبيل المثال، يبلغ تعداد سكان امارة ابو ظبي 850 ألف نسمة، ليس منهم الا 400 ألف من المواطنين، ولديها احتياطيات مؤكدة من النفط تبلغ 92 مليار برميل، كما انها تستحوذ على ثروة مالية حصلت عليها من خلال مبيعاتها السابقة للطاقة تقدر بما يزيد على تريلون دولار. ان تركيز عائدات النفط والثروة بيد هذه البلدان الغنية، لكن الضعيفة من الناحية الاستراتيجية، يجعلها هدفا لجيرانهم المتطرفين.
كما انه يعطيهم تأثيرا في الشؤون السياسية العالمية لا يتناسب وحجمهم، من ناحيتين:
الاولى: يذهب جزء من هذه العائدات النفطية الكبيرة الى المجاميع المتطرفة في مختلف ارجاء العالم الاسلامي، مثل حزب الله، ومن خلال ما يسمى بـ(المؤسسات) العامة والخاصة. فالمدارس التي تحض على الجهاد تتلقى تمويلا قانونيا من اموال النفط.
والثانية: يتم تدوير العائدات الناجمة عن اسعار النفط العالية الى موازانات دول الاوبك المتنامية بشكل سريع والمستقلة، والتي تقوم بدورها في استثمارها في الدول النامية. لدى ابو ظبي ما يزيد على ترليون دولار من الاموال القابلة للاستثمار. وقد اغرى التصاعد المتفجر لاسعار النفط على اتخاذ سياسات اكثر اعتمادا على النفس. فرؤوس الاموال بدأت بالنزوح من الاستثمار السلبي في الاسهم الحكومية في الولايات المتحدة واوربا، الى شراء حصص في مؤسسات تمويل، والى شراء مستقل تماما للاعمال في اميركا واوروبا. ان تضاعف قيمة هذه الاستثمارات الجديدة سوف يغري المستثمرين على ممارسة تأثير متزايد في الاقتصاديات الغربية.لا يمكن السماح بمثل هذه الحالة في الشؤون الدولية على المدى الطويل. يجب ان لا تصبح السياسة الخارجية للدول الصناعية رهينة بيد منتجي النفط. يجب على الدول الصناعية ان تجد طرقا لتثبيط قدرة المستثمرين على التهديد ببيع الاسهم الاميركية، او حتى بيعها حقيقة، ما يؤدي الى تدني نسبة الفائدة الاميركية بشكل مزمن الى مستويات تدفع الاقتصاد نحو الكساد، او استهداف مؤسسات او صناعات بعينها من خلال بيع اسهمها التي تم الحصول عليها برؤوس اموال ذاتية.
وهكذا فما دامت الدول المستهلكة تتخذ موقفا سلبيا في مواجهة التحدي على اسس اوسع قوميا، بينما تأمل في الاستنفاع من جهود الاخرين، فان الخطر الحالي سوف يستمر، ان لم يتزايد. وفي نهاية الامر فان جميع الدول المستهلكة تركب نفس القارب. والكساد العالمي لن يكترث للحدود الدولية. لن تستطيع امة واحدة ان تجد لها موقعا تفضيليا دائما وسط المنتجين. لن تستطيع امة منفردة ان تغير في وضع الانتاج بجهودها الذاتية فقط. لكن الدول المستهلكة للنفط، على كل حال، هي في وضع يجعلها قادرة على ايجاد التوازن على الصعيدين السياسي والاقتصادي، اذا قامت بتنسيق وتوحيد جهودها الى حد ما.
ويتوجب على اميركا ان تؤدي دورا رئيسا في هذه الجهود. وبدلا من الانتظار بشكل سلبي للنفخة التالية التي ستحدث السقوط، فان على الدول المستهلكة الرئيسة، مجموعة السبع بالتعاون مع الهند والصين والبرازيل، ان تؤسس مجموعة تنسيقية تعمل على تغيير الاتجاه طويل الامد في العرض والطلب لصالحها، وانهاء ابتزاز القوي من قبل الضعيف. يجب دعوة روسيا الى المساهمة في هذه الجهود. يمكن للافعال المنسقة ان تخفض من اسعار النفط، من خلال تقليل وانهاء الضغوط المضمرة التي ادت الى الارتفاع الاخير في الاسعار على المدى البعيد، ومن خلال ايجاد سياسة تجهيز محكمة. ان العديد من التوصيات لغرض الوصول الى ذلك، ومنها تقليل استخدام النفط وتطوير تجهيز النفط المحلي والوسائل البديلة للطاقة المتجددة، سوف يتطلب سنوات عديدة لكي تصبح مؤثرة. في اية حال، حتى قبل ان يحدث تحولا في ميزان قوة السوق، فان توقعات التغيير سوف تؤدي الى تقليل اسعار النفط. ويجب ان تتضمن السياسة التعاونية ايضا تحضيرات مشتركة للحالات الطارئة لمقارعة المقاطعة الانتقائية او قطع امدادات التجهيز. لقد ادى التغيير في توقعات الطلب على النفط في المدى البعيد الى ازدياد الاسعار عام 2008 بينما بقي التجهيز على حاله عموما. وبنفس المنطوق، فان الافعال التي تؤدي الى تباطؤ النمو في الطلب المستقبلي وازياد سريع في العرض سوف تترجم سريعا الى اسعار نفط حالية قليلة نسبيا.ان تغيير سياسة الولايات المتحدة الوطنية بشأن الطاقة اصبح ملحا. لكن ذلك سوف يكون اكثر تأثيرا اذا حدث كجزء من جهود اممية منسقة.يستعمل النفط في الولايات المتحدة بشكل رئيس كوقود للسيارات. وفي خارج الولايات المتحدة يستخدم النفط اساسا في التدفئة ولتوليد الكهرباء.
وهكذا فان الجهود المنسقة سوف تركز على تقليل اعتماد الولايات المتحدة على استخدام وقود السيارات، بينما تقوم الدول الاجنبية بالمساهمة في التحول من النفط الى الهايدرو، وتقنية الفحم النظيف، والطاقة النووية لانتاج الكهرباء.
يستحق ازدياد توفير النفط ان يولى عناية فائقة. يجب ان تتوافق السياسات الاميركية، المتمثلة في زيادة التجهيز من خلال توسيع اعمال التنقيب وحفر الابار وتطوير استخدام النفط المستخرج من الصخور السطحية، مع سياسات لزيادة لرفع المعروض عالميا. ان هذا يتطلب استثمارات اكثر من قبل مؤسسات نفطية مملوكة للدولة، وهي المصدر الرئيس للنفط اليوم. ان الدول المستهلكة للنفط هي في وضع يمكنها من استخدام الوسائل الدبلوماسية لايجاد ميزان جديد بين المنتجين والمصدرين. ان بعض السياسات المتبعة لتخفيض اسعار النفط يمكن لها ان تخفض اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد، بدون قطعه تماما. سوف تبقى الولايات المتحدة دولة مستوردة للنفط الى ان يتم استبدال البنزين بالبطاريات او الهيدروجين. وفي نفس الوقت، فان الجهود التي تبذل لزيادة تجهيز النفط وبقية انواع الوقود الكاربوني الاخرى في المرحلة الراهنة يجعل من الصعوبة تقليل نسب انبعاث الكاربون في الجو.
ولكن بسبب العواقب السياسية الوخيمة لاسعار النفط المرتفعة فان تخفيض اسعار النفط يجب ان يكون هدفا فوريا ويحظى باقصى اولوية.